آراءمقالات

في سجون الوهم

Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

مساجين وهم الفكر أشد انحباسا من المساجين بأجسادهم ..

فلئن كان الجسد يسجن ويتأذى فإن العقل عندما يسجنه صاحبه وراء فكرة ظالمة أو خلف حجب انتماءات تحول بينه وبين الحقائق أو الانعتاق أو الخروج من أزماته وتيهه أو تحول بينه وبين هويته الصافية وعقيدته الناصعة فهو أجنى عليه من سجن الظالمين لجسده.

قل هذا عن مساجين الفكر العلماني الذين يريدون قصرنا معهم في فكرهم وتصوراتهم بأن ديننا لابد أن يكون كالمسيحية المحرفة التي أقصت العقل وادعت أن الحكم الكنسي وتصورات رجالها هو حكم الدين الذي لا يحاد عنه وأن الحاكم الذي ترشحه الكنيسة هو ظل الله الذي لا يجوز محاسبته.

يعيشون في أوهام الدولة الدينية الثيوقراطية التي قرأوا عنها في أدبيات الفكر الغربي ولم يروها ولا قرأوا عنها في تاريخنا ولا فكرنا.

وتراهم يحملون كل الأحداث والتصريحات للإسلاميين من حولهم على أنها إرهاصات لفكر الدولة الثيوقراطية.

ومهما قلنا واستشهدنا بأصولنا من الكتاب والسنة وأقوال علمائنا أو بتاريخنا وممارساتنا بأن الإسلام يختلف وليس فيه هذا التسلط الكنسي الذي يجعل الحاكم هو ظل الله في الأرض وأن الحاكم في الإسلام ما هو إلا رجل منا إن أحسن أعناه وإن أساء قومناه فإنهم يصمون آذانهم عن السماع وعقولهم عن التفكير لأنهم أسارى فكرة ربطوا بها حياتهم وأنساهم انبهارهم بالغرب وما رأوه فيه من تقدم أنه ليس بالضرورة أن ما يقوله لهم صحيحا أو أن ما مر بهم من ظروف ليست بالضرورة كظروفنا لذا فالقياس مع الفارق.

وهم بعد ذلك يبنون مواقفهم وتصرفاتهم انطلاقا من هذا

لا يعيرونك التفاتا ولا يفهمون ما تقول لأنهم سجنوا عقولهم خلف الفكرة

قل مثلهم فيمن تأثروا بالفكر الشيوعي سواء في المادية الجدلية أو التصور المادي والاقتصادي للتاريخ وهم أسارى هذه الأوهام ولا يريدون الخروج منها وقد أنفق بعضهم عمره كله وزهرة شبابه في أمر بدا لهم من بعد أنه كان وهدة فكرية بشرية رأت التاريخ وحركة المجتمع من منظور واحد ومع ذلك شق عليهم التحلي بشجاعة التراجع فحبسوا أنفسهم أسارى لحظتهم الفائتة.

وبنفس المنطق يرى بعض اليساريين وحركاتهم المتفاعلة مع مجتمعنا أن التصورات الفكرية القائمة على الصدام الثوري الدموي هو حتمية أساسية لفرض التغيير

فمنطق ماركس يتوقع التغيير من خلال ثورات صادمة – أو قل فوضى خلاقة بتعبير الرأسماليين- يتم فيها إسالة الدماء أنهارا لذا فلابد من تحقيق نبوءاته وقصر التاريخ وحمل الأحداث وفق هذا النبي الملهم !

سجنونا – وحق الله – معهم ..وأرغمونا قهرا وقسرا على الرضوخ لتصوراتهم وحكمونا بغير شرع الله تعالى سنوات وسنوات وأذاقونا ذل البعد عن دين الله تعالى وهيجونا على رفض التصالح مع أنفسنا بالرضا بالله ربنا مشرعا وحاكما وبإسلامنا دينا ومنهجا

فدخلنا معهم إلى التيه مرغمين ..

لأنهم السادة والنخبة ونحن – زعموا – العامة والغوغاء والدهماء.

أضلونا سنوات طوال من عهد محمد علي أبرز العلمانيين المعاصرين ومن بعده ..ونحن من وقتها نتقلب معهم في التيه والتبعية والفقر والعوز لأن الالتزام بالدين جهل وتخلف وما ارتضوه هم – أقصد أسيادهم – هو الحق المبين.

حتى الفنانين أسارى أفكار توجوها في تصوراتهم مفادها أن الفن يجب أن يعمل بمعزل عن الالتزام بالشرع مع أنهم لو تأملوا لوجدوا مساحات من الفن المباح يمكنهم أن يثوبوا إليها.

أما أوهام المتدينين فأبرزها الغلو في الأشخاص أحياء أو أمواتا وما الصوفية الغالية وموالدها ونذورها ودعاء المقبورين من ذلك ببعيد أو الخنوع والتسليم المذموم بدعوى ترك التنافس على الدنيا.

أو التسليم للجماعات وقادتها كما يكون الميت بين يدي مغسله فلا عقل ولا إرادة.

أو أولئك الذين يرون الحاكم معصوما لا يجوز إنكار منكره ولا نقد سياسته وأفكاره ولو نطق كفرا أو اقتحم ظلما أو أقحم الناس بحماقاته في متاهات التبعية وتترس خلف مشغليه ضاربا بالحق عرض كل الحوائط.

لن تكون لنا كيانات حقيقية ومستقلة إلا عندما تخرج النخب الفكرية من سجون الأوهام وتعود لفكرنا الأصيل ولن تخضع النخبة إلا حين تكون إفرازا حقيقيا ونتاجا لتفاعل صحيح مع حضارتنا وهويتنا وأن تكون أمينة على رسالتها النهضوية لا تابعة ذليلة.

ولا نهمل أبدا دور المجتمعات و الشعوب في تقويم نخبها والمؤثرين فيها وتربيتهم على قول الحق المر.

فالمجتمعات هي صاحبة الحق الأصيل والتي تصوغ القيم ببداهة الفطرة ونقاء العجائز وتتدخل دوما لتقوم من يحتاج بمبضع الجراح أو بترشيد الفكر والخطى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى