الأمة الثقافية

في الذكرى الـ950 لاستعادة القدس من الصليبيين

حرب تحرير دامت قرنين بدأها الزنكيون ورسّخها الأيوبيون وحسمها المماليك

لقد أنقذتم “المسجد الأقصى الذي.. هو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين..؛ فطوبَى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدْرية، والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية والفتكات العلوية! جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية؛ فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مُهَجِكم في مقارعة الأعداء”!!

جاءت تلك العبارات في “خطبة الفتح” التي ألقاها قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي الشافعي (ت 598هـ/1105م) بمحضر السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ/1193م)، في أول جمعة أقيمت بالمسجد الأقصى بعد تحريره من الصليبيين سنة 583هـ/1187م. لكن ما قصة هذه الفتح وما تلاه من فتوح؟ وما قصة حرب التحرير الكبرى التي امتدت قرنين كاملين تسلم فيهما الراية جيل من جيل؟ وما هي العوامل السياسية والعسكرية والدينية التي شكلت معالم تلك المقاومة الحضارية الكبرى؟

إن هذا المقال -الذي يأتي في ذكرى مرور 950 سنة هجرية على بدء الاحتلال الصليبي للمنطقة و750 سنة على تطهيرها منه- يحاول أن يجيب على تلك الأسئلة؛ فقصة حرب التحرير لم تكن قصة مَلِك ولا حكاية شعب، بل هي ملحمة كبرى التأمت خطوطها وخيوطها بالتدريج، فكان أول تجلياتها هو انقداح زناد جيوب المقاومة في لحظة الاستباحة، معلنةً أن الأمة قررت ألا تعترف بالهزيمة في وقت الهزيمة!

وللتصدي للتحدي الصليبي المقتحم؛ تم وضع مخططات طويلة المدى لأمة يجب أن تتحرر في ميادين الوعي أولا قبل ساحات القتال، مع فهم واسع لمضامين التحرر التي كان أعلاها التوحيد وثمرتها هي التحرير، وكان قطب ذلك كله طلائع من عظماء الزعماء في بيوت الإمارة بدءا من قادة السلاجقة في الموصل بالعراق، ثم آل زنكي في الشام الذين وضعوا “خريطة طريق” للتحرير تبدأ بتوحيد القوى الإسلامية في الشام ومصر بعد تصفية البؤر السياسية المتخاذلة، وتُعزز بفكرة الإصلاح الديني والمذهبي والتنموي الشامل الذي يقوم على تمكين العلماء المصلحين والخبراء المخلصين.

ثم امتد الأثر الزنكي مع الأيوبيين الذين استنبتوا جذور هذا المشروع في مصر ضمن أخطر عملية تحول تاريخي، وفي أيامهم تمت إعادة الاعتبار إلى الأقصى باعتباره “ثالث الحرمين الشريفين”؛ وهذا يعني تحصين قضية القدس في قلوب المسلمين بالعناية الروحية والدينية البالغة. ورغم ما شهدته معركة التحرير من نكسات وتجدد لها من عثرات؛ فإنها واصلت المسير بزخم معتبر حتى تسلمت دولة المماليك رايتها، فبنى قادتها على الخطة الكبرى المتسلسلة وصولا بها إلى الحسم الكلي للصراع.

وبذلك النشاط المقاوم المتلاحق الأجيال والأفعال؛ تطهرت المنطقة العربية والإسلامية بالشام ومصر من الاحتلال الصليبي قرابة خمسة قرون، إلى أن سوّلت للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت (ت 1236هـ/1821م) نفسُه أن يجدد عادة بلاده في إذكاء جذوة الحروب الصليبية بحملته على مصر وسواحل الشام سنة 1212هـ/1797م

ولم يكن ذلك حقا بالأمر الغريب على الفرنسيين، إذْ ما “كانت الحرب الصليبية الأولى في الأغلب الأعم [إلا] مغامرة فرنسية”؛ كما يقول مؤرخ الحضارات الأميركي وِيلْ ديورانت (ت 1402هـ/1981م) في ‘قصة الحضارة‘. وكذلك ليس الاحتلال الإسرائيلي اليوم لفلسطين سوى “مغامرة غربية”، حل فيها المكر الصهيوني مكان الكيد الصليبي فقلده في طرق الامتداد ووسائل الإمداد!!

ولذا فإن قصة حرب التحرير الكبرى هذه ملحمة ملهمة في دلالتها على طُرق اكتساب مقومات النصر، وعوامل التغلب على مسارب الهزيمة، وبيان أن مشاريع نهضة الأمة قد تختلف تفاصيلها وعياً وسعياً، لكنها تتفق في الجوهر والمضمون: التوحيد والتحرير!!

مشهد فوضوي

خلال نصف القرن الذي سبق هجمة الاحتلال الصليبي لمناطق واسعة من جغرافية المشرق العربي الإسلامي (440-490هـ/1049-1099م)؛ اتّسم المشهد السياسي في هذه المنطقة بالفوضى والتناحر والانقسام. ففي بدايات تلك الحقبة اختفت الدولة البويهية التي كانت تسيطر على العراق، وحلت مكانها الدولة السلجوقية التي سرعان ما أصبحت دولة مترامية الأطراف تمتد من وسط آسيا وحتى شواطئ البحر المتوسط.

أما مصر فكانت حينها تخضع لحكم الخلفاء الفاطميين الذين كانت مصائرهم تتجه ليكونوا -مثل نظرائهم العباسيين- ألعوبة في أيدي من عُرفوا لاحقا بـ”الوزراء العظام”، وهو ما أطمع السلاجقة في انتزاع الشام منهم قبل أن يتمكن الوزير الفاطمي القوي الأفضل الجَمَالي الأرمني (ت 515هـ/1121م) من استعادة السيطرة على فلسطين والقدس الشريف سنة 491هـ/1098م؛ أي قبل وصول الحملة الصليبية الأولى بعام واحد.

لقد أدى نجاح السلاجقة في إحياء قوة المسلمين وتوسعهم على حساب البيزنطيين -بعد إبادتهم جيشهم في معركة ملاذكرد سنة 463هـ/1071م- إلى هزة عنيفة في العالم الأوروبي؛ فاستوجب ذلك -ضمن أسباب أخرى- إعلانه حربا صليبية على المشرق الإسلامي، تستفيد من حالة التمزق والوهن التي تضرب بلاد الإسلام في أضلاع مثلثه الحيوي: العراق والشام ومصر.

وكان من اللافت تزامن هذه الهجمة الصليبية على المشرق مع “حروب الاسترداد” الإسبانية في الأندلس التي كانت أولى نتائجها سقوط مدينة طُليطلة سنة 478هـ/1085م، واستكمال النورمانديين المسيحيين سيطرتهم على جزيرة صقلية سنة 484هـ/1091م بعد تدشينهم احتلالها سنة 444هـ/1053م.

وقد لاحظ الإمامُ أبو الحسن السلمي الدمشقي (ت 500هـ/1106م) -في كتابه ‘الجهاد‘ الذي ألفه بُعيد سيطرة الصليبيين على القدس لاستنهاض الأمة للدفاع عن أوطانها ومقدساتها- هذا التزامنَ الغريب؛ فقال: “فوثبت طائفة (= من الصليبيين) على جزيرة صقلية على حينِ تباينٍ من أهلها وتنافسٍ، وتملكوا بمثل ذلك بلدا بعد بلد من الأندلس، ولما تناصرت (= تواترت) الأخبار عندهم بما عليه هذه البلاد [الشامية] من اختلاف أربابها.. أمضوا عزائمهم على الخروج إليها، وكانت القدس نهاية أمانيهم منها”!!

في سياق هذه الأجواء للمشهد المحلي والإقليمي، وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1095م (= ذو القعدة 488هـ)؛ ألقى بابا الكنيسة الكاثوليكية أوربان الثاني (ت 492هـ/1099م) خطبة دينية باللاتينية في دَيْر كليرمونت بجنوبي فرنسا تردد صداها على مر العصور، حتى إن المؤرخ وِيلْ ديورانت يصفها -في ’قصة الحضارة’- بأنها “أقوى الخُطَب وأعظمها أثرا في تاريخ العصور الوسطى”!!

أطماع متعددة

وفي خطبته تلك؛ دعا البابا أهلَ أوروبا إلى القيام بحملة مسلحة تحت شعار “الصليب” لنجدة إخوانهم في بيزنطة من “الأتراك”، ولـ”تحرير” البلاد المقدسة من براثن “الكفّار” المسلمين. وينقل لنا المؤرخ والقسيس المشارك في الحملة الصليبية الأولى فوشيه الشارتري (ت 521هـ/1127م) في تاريخه خطبة أوربان؛ فكان مما جاء فيها:

“عليكم أن تسارعوا لمد يد العون لإخوانكم القاطنين في المشرق..، إن الأتراك قد هاجموهم كما يعلم الكثيرون منكم، وتقدموا داخل الأراضي الرومانية (= البيزنطية بالأناضول) إلى أن وصلوا إلى ذلك الجزء من البحر المتوسط..، لقد انتزعوا شيئًا فشيئًا من أراضي المسيحيين، كما وهزموهم في سبع معارك حتى الآن…؛ لذا -وبصلاة خاشعة- فإنني، لا بل إن الله -وليس أنا- يحثّكم يا جنود المسيح على أن تحضّوا الرجال مهما كانت مراتبهم -فرسانا كانوا أم مشاة أغنياء كانوا أم فقراء- أن يسارعوا لسحق هذا الجنس الخسيس من أراضينا”!!

وعندما توقف المؤرخ ديورانت عند أهم دوافع الحروب الصليبية؛ فإنه لخصها في ثلاثة أسباب مباشرة هي: “[الـ]ـأول..: هو زحف الأتراك السلاجقة..؛ الثاني..: ما حاق بالإمبراطورية البيزنطية من ضعف شديد الخطورة..؛ [الـ]ـثالث..: هو رغبة المدن الإيطالية -بيزا وجنوى والبندقية وأمالفي- في توسيع ميدان سلطانها التجاري الآخذ في الازدياد”. ولذا يقرر ديورانت أن “الحروب الصليبية.. كانت -من إحدى النواحي- حروبا استعمارية تبغي الفتح والمكاسب التجارية”!!

وفي ظل تلك الدوافع السياسية الاقتصادية وما صاحبها من شحن عاطفي وتحريض ديني هائل؛ لاقت دعوة البابا أوربان صداها في وسط وغرب أوروبا، فتدفقت جحافل الحملة الصليبية الأولى على الشرق الإسلامي، ونجحت هي وما تلاها من حملات -مع تفاوت لافت- في ترسيخ احتلالها لبلاد الشام وسواحلها لمدة قرنين كاملين، أسسوا فيها أربع إمارات صليبية هي:

إمارة الرها شمال بلاد الجزيرة الفراتية بين حلب والموصل (تأسست 491هـ/1098م)؛ ثم إمارة أنطاكية (491هـ/1098م)، وإمارة طرابلس (503هـ/1109م)؛ وجعلوا هذه الإمارات تابعة لكيان أعلى منها سمَّوه “مملكة بيت المقدس”، التي أعلنوا تأسيسها في 2 رمضان 492هـ/22 يوليو 1099م.

وبهذا بدأت حقبة الاحتلال الصليبي الذي لا نعرض هنا لتفاصيل وقائعه وفظائعه بقدر ما نتوقف عند معالم وملامح ما استوجبه من مشروع مقاومة كبير وممتد عبر أجيال للتصدي له والتحرر منه، وكيف انتقلت قيادة هذه المقاومة -التي تآزر فيها الأمراء والعلماء والعامة- من الموصل بالعراق، إلى حلب ودمشق بالشام، ثم أخيرا إلى القاهرة بمصر حيث توافرت إمكانيات حسم الصراع قدرةً عسكرية وإرادةً سياسية.

محطة مغمورة

إن أول ما يلفت النظر أن مشروع المقاومة الإسلامية للاحتلال الصليبي الأوروبي كان مشروعا شاملا هبّ للعمل فيه ودعْمه الجميعُ في الأناضول والعراق والشام ومصر، وهي الأقاليم التي كانت -عبر عصور مختلفة ودول متعاقبة- في مواجهة مستمرة ومباشرة مع الصليبيين المعروفين تاريخيا بـ”الفرنج”.

صحيح أن مشروع هذه المقاومة لم يكن متناغمًا أو وفق تنسيق محدد حتى ظهور ولاة الموصل الأقوياء مثل مودود بن ألتونتكين (ت 507هـ/1113م) منذ سنة 503هـ/1109م، ثم خليفته آقْسُنْقُر البُرْسُقي (ت 520هـ/1126م) منذ عام 507هـ/1113م، ثم عماد الدين زنكي (ت 569هـ/1173م)؛ لكن الواقع هو أن مشروع المقاومة كان مشتعلا منذ حط الصليبيون رحالهم ببلاد الشام، وتحديدا منذ سنة 493هـ/1100م كما سنرى تاليا.

قُتل سُليمان بن قُتلَمِش السلجوقي -وهو السلطان المؤسس لسلاجقة الأناضول- سنة 479هـ/1087م على يد ابن عمه تُتُش ابن السلطان ألب أرسلان (ت 487هـ/1094م) في معركة أهلية قُرب حلب؛ وقد أدى مقتله إلى دخول بلاد الروم (= الأناضول) في نزاع داخلي استغله الصليبيون حين دخلوا الأناضول وسحقوا السلاجقة في معارك دوروليوم (= مدينة إسكي شهير) ونيقيّة وغيرها في سنتيْ 490-491هـ/1097-1098م، ثم تقدموا نحو الساحل الشامي فاحتلوه وصولا إلى القدس الشريف سنة 492هـ/1099م.

ورغم فداحة هذه الأحداث؛ فقد أدت نتائجها إلى ظهور إمارة لسلالة تركمانية جاءت أصلا مع الفتح السلجوقي للأناضول على يد السلطان ألب أرسلان (ت 465هـ/1073م) عقب معركة ملاذكرد سنة 463هـ/1071م.

وكان بطل هذه السلالة الأمير التركماني كُمشتَكين بن دانشمند طايلو (ت 499هـ/1106م) المقرب من السلطان سليمان بن قتلمش، وإنما “قيل له ابن الدانشمند لأن أباه [طايلو] كان معلما للتركمان وتقلبت به الأحوال حتى مَلَكَ” مناطق من شرقي ووسط الأناضول؛ وفقا للمؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1233م) في ‘الكامل‘.

كان أخطر معاقل الصليبيين القريبة من منطقة الدانشمنديين هو إمارة أنطاكية بقيادة بوهيمند الأول (ت 505هـ/1111م) الذي تسميه المصادر الإسلامية “بيمُند”، وكان يمنّي نفسه بتوسيع إمارته بضم شمالي بلاد الشام شاملا حلب وأعزاز، وبدأت هذه الخطة سنة 493هـ/1100م حين “خرج بيمند ملك الإفرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية ونزل عليه”؛ طبقا لابن القلانسي (ت 555هـ/1160م) في ‘تاريخ دمشق‘.

وقد أدرك كُمُشتكين بن دانمشند خطورة استيلاء الصليبيين على حلب وجوارها؛ إذ سيتبعه ضمهم مناطق المسلمين شمالي العراق والأناضول. ولهذا السبب وضع كُمُشْتَكِين خطة حربية ذكية، وهي حصار مدينة ملاطية جنوبي الأناضول وكان يحكمها الأرمن بقيادة جبريل الأرمني (ت بعد 493هـ/1100م) المتحالف مع بوهيمند أمير أنطاكية الصليبي؛ وكان كمشتكين يُدرك أن جبريل سيستغيث ببوهيمند، وهو ما يؤكده ابن الأثير بقوله: “وكان صاحبها (= ملاطية) قد كاتبه (= بوهمندو) واستقدمه فورد عليه في خمسة آلاف” مقاتل.

تعويق وتطويق

استعد كمشتكين لمجيء عدوه بوهيمند الأول أمير أنطاكية في زمرته العسكرية، ولسوء طالع الأمير بوهيمند فإنه “وقع بسبب خطاياه في يد عدوّه فكبّله بالسلاسل فكان ذلك نصرًا لدانشمند”؛ حسب مؤرخ الصليبيين وليم الصوري (ت 582هـ/1186م) في تاريخه عن الحروب الصليبية.

كان أسر بوهيمند الأول -وهو أحد عظماء أمراء الصليبيين وقائد حملتهم الأولى- كارثة عظمى سرعان ما بلغ صداها أوروبا؛ فنادى البابا باسكال الثاني (ت 512هـ/1118م) بضرورة التحرك لإنقاذه فتحركت الجموع في إيطاليا وفرنسا وألمانيا لتخليصه والرد على الإهانة التي وجّهها إليهم الأتراك، بعد سنة واحدة من احتلالهم للقدس وأخم مراكز الساحل الشامي!!

وعن تحركهم هذا ومواجهة الدانشمنديين له؛ يخبرنا ابن الأثير -في ‘الكامل‘- بقوله إنه في ذي القعدة 493هـ/1100م “وصل من البحر سبعة قمامصة (= أمراء) من الفرنج وأرادوا تخليص بيمُند، فأتوا إلى قلعة تُسمى أنكورية [أنقرة] فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين..، فجمع ابن الدانشمند جمعا كثيرًا ولقي الفرنج (بمنطقة ميرسيفان MERZİFON)..، فلم يُفلت أحدٌ من الفرنج وكانوا ثلاثمئة ألف”!!

يؤكد المؤرخون اللاتينيون صحة هذه الأرقام، ويعتبر بعض المؤرخين أن هزيمة ميرسيفان -أو ميرزفوم- تلك في شمال الأناضول بمثابة حملة صليبية “ثانية” تجاهل المؤرخون أهميتها، ولم ينتبهوا لقوة التركمان المسلمين الدانشمنديين فيها. ويضيف ابن الأثير أن كمشتكين استغل هزيمة أعدائه فسارَ “إلى ملَطية فملَكها وأسرَ صاحبها (= جبريل الأرمني)، ثم خرج إليه عسكرُ الفرنج من أنطاكية فلقيهم وكسَرهم وكانت هذه الوقائع في شُهور قريبة”!!

كما أدرك كمشتكين خطورة حملات الصليبيين الذين تتابعت جموعهم بعشرات الآلاف تريد احتلال الأناضول، وأن الصراع بين الإخوة الأتراك -من الدانمشنديين وسلاجقة الروم- لا بد أن ينتهي ليضمنوا تجاوز الأخطار؛ فأرسل إلى السلطان قِلِج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي (ت 501هـ/1107م) يمد إليه يد التعاون والاتحاد في مواجهة هذا العدو، فوافق قِلِج على ذلك العرض.

وهكذا حين وصل الصليبيون إلى قونية -عاصمة السلاجقة- وجدوا تحالفا إسلاميا بين الأمراء الأتراك الذين “تربصوا جميعا بالصليبيين على مقربة من هرقلة (شرق قونية)، وعندما انقض الأتراك على الصليبيين في أوائل سبتمبر/أيلول 1101م (ذو القعدة 494هـ) أبادوا الجيش الصليبي أولا عن آخر، ولم يتمكن من النجاة بصعوبة إلا قلة قليلة”؛ وفقا لما ينقله المؤرخ سعيد عاشور (ت 1430هـ/2009م) -في كتابه ‘الحركة الصليبية‘- عن المصادر اللاتينية.

وهكذا أدت انتصارات الأتراك الدانشمنديين وسلاجقة الروم الباهرة على الصليبيين إلى توقف الحملات الصليبية لنصف قرن، وقادت انتصاراتهم تلك إلى انتعاش روح المقاومة الإسلامية في العراق وبلاد الشام في مرحلة مبكرة من حقبة الاحتلال الصليبي، وجعلت مناطق الشمال في الأناضول بيئة آمنة وقادرة على إعاقة تدفق العدو الصليبي برًّا عبرها نحو الجنوب؛ فأصبحت أوروبا مضطرة إلى دعم وإمداد أبنائها في الشام من خلال البحار فقط.

أنظمة متخاذلة

كانت بلاد الشام الداخلية -بعد استيلاء الصليبيين على معظم السواحل من أنطاكية شمالا إلى عسقلان جنوبا فضلا عن فلسطين- خاضعة لحكم سلاجقة الشام (471-511هـ/1078-1117م)؛ فكان رضوان بن تُتش بن ألب أرسلان (ت 507هـ/1113م) يحكم حلب وما يجاورها، وأخوه دُقَاق بن تتش (ت 497هـ/1104م) يحكم دمشق وما بحوزتها، وكانا في صراع دائم على النفوذ والسيادة بين شمالي الشام وجنوبيه، مما حيّد الشام عن ساحة الفعل المقاوم قرابة عقدين.

فقد عُرف رضوان -بشكل عام- بانتهاجه سياسة متخاذلة وانتهازية مراوغة يخبرنا ابن الأثير عن بعض جوانبها قائلا: “كانت أمور رضوان غير محمودة.. وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه”!! كما اشتهر بعلاقته الخانعة مع الصليبيين، ومن ذلك أنه كثيرا ما “كتب إلى طنكري (ت 506هـ/1112م) صاحب أنطاكية.. وطلب منه النصرة” لكسب صراعاته مع جيرانه من الأمراء الأتراك.

أما أخوه دُقاق فكان واهن السياسة طوال حكمه، وقد أصيب بـ”مَرض تطاولَ به وتُوفي منه..، فغلبَ [ظهير الدين] طُغْتَكِين (البوري ت 522هـ/1128م) حينئذ على دمشق” بوصفه قائد جيشها فاتخذها إمارة لنفسه وورّثها لعقبه؛ وفقا لابن عساكر (ت 571هـ/1175م) في ‘تاريخ دمشق‘.

وبذلك بدأ حُكم سلالة بوري في دمشق حتى سنة 549هـ/1154م، وقد ساهم مؤسِّس إمارتهم طغتكين في مواجهة الصليبيين الملاصقين لهم في فلسطين وسواحل الشام، ففي عام 501هـ/1117م “سار طُغتكين في جُند دمشق فهزمَ الفرنج وأسر صاحب طبرية جرماس (ت بعد 501هـ/1117م)” الصليبي؛ طبقا للذهبي (ت 748هـ/1347م) في ‘سير أعلام النبلاء‘. ويضيف أنه في السنة التالية “سار طُغتكين في ألفين فالتقى الفرنج فانهزَمَ جمعُه وثبُت هو، ثم تراجعوا إليه ونُصروا” على المعسكر الصليبي.

إذا كان السلاجقة وأمراؤهم في الأناضول والشام قد ساهموا في مواجهة المد الصليبي، وصدوا كثيرا من غاراتهم على القرى والمدن الإسلامية وقوافل التجارة والحج؛ فإن سلاطين سلاجقة العراق وكبار قادتهم العسكريين كان لهم إسهامهم القوي في هذا المجال، بل إن المؤرخين يعتبرون “أتابكية الموصل” هي نقطة الانطلاق الكبرى التي عملت على تحرير الشام من براثن هذا الاحتلال، ثم تأسس على جهدها في الشام ما تلاه من مراحل تحرير ساهمت فيها مصر وانتهت بتصفية الوجود الصليبي.

صراع معطِّل

والحق أن السنوات التي تلت وفاة السلطان الشهير ملكشاه بن ألب أرسلان سنة 485هـ/1092م، وحتى وفاة ابنه السلطان بَرْكْيارُوق سنة 497هـ/1104م؛ كانت صراعا أهليا طاحنا بين أبناء ملكشاه على عرش السلطنة، وهي ظروف مؤسفة استغلها الصليبيون لاحتلال بلاد الشام والقدس وارتكاب الفظائع.

وقد عبر المؤرخ ابن الأثير -في كتابه ‘الكامل‘- ببراعته المعهودة عن العلاقة بين نجاح الغزو الصليبي والصراع بين الملوك المسلمين؛ فقال: “واختلف السلاطين.. فتمكن الفرنج من البلاد”!! وقال أيضا -راصدا نتائج ذلك على الرأي العام الإسلامي حينها- إنه “لمّا استطال الفرنج.. بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضا، تفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال”!!

وبعد سنوات من الاقتتال الداخلي السلجوقي توصل طرفا الصراع سنة 496هـ/1103م إلى اتفاق يقوم على تقاسم أقاليم سلطنتهم؛ ومن ذلك ما يحدثنا به صدر الدين الحسيني (ت 622هـ/1225م) -في ‘أخبار الدولة السلجوقية‘- من أن الطرفين “اصطلحا على أن يكون للسُّلطان محمد (بن ملكشاه ت 511هـ/1117م) ما وراء النهر الأبيض (يقع شمالي إيران) مع الموصل والشام”.

حاول السلطان غياث الدين محمـد بن ملكشاه -ومن بعده ابناه الغريميْن: محمود (ت 525هـ/1131م) ومسعود (ت 547هـ/1152م)- تعزيز قوة الإمارات التابعة لهم في تلك المناطق، وعلى رأسها “أتابكية الموصل” التي ظلت -بدءا من ولاية زعيمها قوام الدولة كَرَابُغا/كَرَبوقا (ت 495هـ/1102م)- تقود الجهود التي تصدت للصليبيين، منذ هجومهم على أنطاكية سنة 491هـ/1098م.

يقول ابن العديم (ت 660هـ/1262م) في ‘زُبدة الحلب في تاريخ حلَب‘: “لما نزل الفرنج.. بأنطاكية جعلوا بينهم وبين البلد (= المدينة) خندقاً لأجل غارات عسكر أنطاكية عليهم وكثرة الظفر بهم… وجمع كَرَبوقا صاحب الموصل عسكراً عظيماً وقطع به الفرات” لقتال الصليبيين. وهكذا نجد أن كرابُغا -أمير الموصل من قبل السلاجقة- كان يتقدم المساهمين في الدفاع عن أنطاكية قُبيل سقوطها.

وقد خلَفَ كرابُغا الأميرُ جَكرمِش التركي (ت 500هـ/1106م) لذي لم يمنعه صراعه الدامي مع إمارة الأراتقة التركمان -في ديار بكر وشمالي الجزيرة الفراتية- بزعامة سُقمان بن أرْتَق (ت 497هـ/1104م) من التحالف معه لمواجهة الصليبيين في الرُّها (= أورفا التركية اليوم) وأنطاكية؛ فحين أرادوا احتلال حرّان (جنوب تركيا اليوم) “أرسل كل منهما إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع لتلافي أمر حران، ويُعْلمه أنه قد بذل نفسه للهِ تعالى وثوابِه”؛ حسب ابن الأثير.

ولما وقعت المعركة هزم المسلمون الصليبيين “فقتلوهم كيف شاءوا وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم”، ووقع بلدوين الأول (ت 512هـ/1118م) -وهو أمير إمارة الرها الصليبية- في الأسر بعد أن “انهزم في جماعة من قمامصتهم (= أمرائهم)”.

تحوُّل لافت

وهكذا نجت حرَّان من الاحتلال الصليبي بفضل التعاون والاتحاد بين أتابكية الموصل وإمارة الأراتقة بديار بكر التابعتين سياسيا لسلطان السلاجقة، وبذلك أيضا تحول الجهد المقاوم من الهامش في الأناضول إلى المركز بالشام والجزيرة الفراتية.

وحسب المؤرخ البريطاني ويليام بارون ستيفنسون (ت 1374هـ/1954م) -في كتابه ‘الحروب الصليبية في الشرق‘- فإن معركة حران -أو البَلِيخ- تمخضت “عن نتائج على مستوى كبير الأهمية، فقد أوقفت زحف الصليبيين صوب الشرق، وقضت على آمالهم في التقدُّم نحو العراق، وإتمام سيطرتهم على إقليم الجزيرة الفراتية، كما خيبت مطامح بوهيمند في السيطرة على حلب وتحويل إمارة أنطاكية إلى دولة كبيرة، كما شجّعت رضوان [بن تُتش أمير حلب] على القيام بسلسلة من الهجمات على المواقع المحيطة بحلب، استطاع خلالها أن يجلوهم عنها بمساعدة أهاليها من المسلمين الذين انقضُّوا على حكّامهم الصليبيين” .

وقد واصل “أتابكة الموصل” (ولاتها العسكريون) -بعد جركمش- مواجهة الصليبيين في بلاد الشام شماليها وجنوبيها، وعلى رأسهم الزعيمان جاولي سقاووا (ت 502هـ/1108م) ومودود بن ألتونتكين. وهذا الأخير يعد من كبار الأمراء الأتراك المجاهدين؛ فقد أدرك مودود خطورة إمارة الرها الصليبية في شمال الشام، وعدّها أهم عقبة أمام مشروع التحرير فحاصرها مرارًا.

وفي عام 503هـ/1109م أمر السلطان محمـد بن ملكشاه كلا من أمير الموصل مودود وأمير أرمينية سُقمان القطبي (ت 504هـ/1110م) وأمير ديار بكر إيلغازي بن أرْتَق (ت 516هـ/1122م) “بالمسير في العساكر إلى جهاد الإفرنج وحماية بلاد الموصل..، واجتمع المسلمون في عدد لا يقوم بلقائه جميع الإفرنج. واتفقت الآراء على افتتاح الجهاد بقصد الرُّها ومضايقتها إلى أن يسهل الله افتتاحها بحكم حصانتها ومنعتها”، على ما يذكره ابن القلانسي في ‘تاريخ دمشق‘.

ولئن استطاع اتحاد الصليبيين -في شمالي الشام وجنوبيها- فكّ هذا الحصار عن الرها وسكانها “كان أكثرهم نصارى”، حسب الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘؛ فإن مجرد عقدِ تحالفٍ بين القوى الإسلامية يهدف إلى “افتتاح الجهاد بقصد الرُّها” كان إنجازا كبيرا، وأعطى مؤشرا قويا باستعادة الطرف الإسلامي في الصراع لزمام المبادرة، وآذن بانتقال الجهد العسكري المقاوم من حالة الدفاع إلى وضعية الهجوم.

نجم جديد

أسهم أتابكة الموصل -منذ كربُغا وجركمش- في تربية وتأهيل عماد الدين زنكي لأنه كان الابن الوحيد لصديقهم قسيم الدولة آقْسُنْقُر التركماني (ت 487هـ/1094م) “وكان عمره حين قُـتل والده عشر سنين”؛ وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘.

وعن تلك العلاقة بين عماد الدين ورعاة تربيته من أصدقاء والده؛ يخبرنا ابن الأثير -في كتابه ‘التاريخ الباهر‘- قائلا: “لما ملك [كربُغا] البلاد (= الموصل) أحضرَ مماليك قسيم الدولة آقسُنقر وأمر بإحضار [ابنه] عماد الدين زِنكي، وقال: هو ابن أخي، وأنا أولى الناس بتربيته! فأحضروه عنده..، وملك الموصل [بعده] شمس الدولة جكرمش وأخذ الشهيد عماد الدين وقرّبه وأحبّه واتخذه ولدًا لمعرفته بمكانة والده..، ثم ملَك الموصل -بعد جكرمش- جاولي سقاووا فاتصل به عماد الدين زنكي فظهرت عليه أمارات السعادة والشهامة”!

وتلك التربية الأخلاقية والعسكرية العميقة التي نالها عماد الدين زنكي هي التي ستُحْدث انطلاقة كبرى في مشروع المقاومة الإسلامية تجاه الصليبيين، بدءا من سنة 522هـ/1128م حين عيّنه السلطان السلجوقي محمود بن محمد بن ملكشاه واليا على الموصل، خلفًا لهؤلاء القادة العظام الذين سبقوه في ميدان المقاومة ومهدوا طريقها طوال عقدين.

جاء اعتلاء زنكي كرسي ولاية الموصل مدعوما بنجاحه في الاضطلاع بمهمات “ولاية بغداد وشرطتها” حين تولاها سنة 521هـ/1127م، وأيضا بتزكية نالها من كبار قضاة وعلماء الموصل، ومن الوزير السلجوقي ببغداد أنوشروان بن خالد القاشاني (ت 532هـ/1138م) “لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج”؛ حسب الذهبي.

ويفيدنا ابن الأثير -في ‘التاريخ الباهر‘- بمدى اتساع هيمنة الصليبيين لحظة تسلم زنكي ولاية الموصل؛ فيقول إنه “كانت مملكة الفرنج حينئذ قد امتدت من ناحية ماردين وشبختان (تقعان جنوب شرقي تركيا اليوم) إلى عريش مصر، لم يتخلله من ولاية المسلمين غير حلب وحمص وحماة ودمشق، وكانت سراياهم تبلغ من ديار بكر إلى آمد، ومن ديار الجزيرة إلى نَصِيبِين (جنوبي تركيا) ورأس العين (شمالي سوريا)..، وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة (= مدينة الميادين اليوم) والبر..، ثم زاد الأمر وعظم الشر حتى جعلوا على كل بلد جاورهم خراجًا وإتاوة يأخذونها منهم ليكفّوا أيديهم” عن سكانها!!

أدرك عماد الدين زنكي خطورة الصليبيين واستطالتهم على المسلمين، وأن سبب هذه الاستطالة هو تشرذم المقاومة الإسلامية إلى ولايات متصارعة في أغلب الأوقات بين الأسر الحاكمة في أقاليم المنطقة: أتابكة الموصل، وأراتقة الجزيرة، وسلاجقة حلب، والبوريين في دمشق؛ ولذا عزم على توحيد هذه الجبهات في دولة واحدة ومواجهة الصليبيين في الوقت ذاته، وكان الاختبار عسيرًا في مهمتيْ: التوحيد والتحرير.

وفي سنوات قليلة اتسع نطاق إمارة زنكي في جميع الاتجاهات وأزاح أمراء أغلب المدن الكبيرة وضمها إلى حكمه؛ فتواترت لأول مرة أنباء الانتصارات التي كانت معها ترتفع المعنويات وتتحفز الطاقات لمزيد من التوحد والتحرير، كما سرت في أوصال المنطقة روح بعث جديد يؤسس لمشروع تحرير تعززه أجيال متعاقبة وتعتز به. وهو المشروع الذي كانت نواته توحيد زنكي للموصل مع حلب التي توجه إليها سنة 522هـ/1128م فـ”خرج أهل حلب إليه فالتقوه واستبشروا بقدومه، ودخل البلد واستولى عليه ورتب أموره”؛ حسب ابن الأثير.

ويلخص لنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- ذلك الزخم الجهادي الذي أحدثه زنكي بقوله إنه “استولى على البلاد وقوي أمره..، وترقت به الحال إلى أن ملك الموصل وحلب وحماة وحمص وبعلبك، ومدائن كثيرة يطول تعدادها..، واسترجع عدة حصون من الفرنج مثل كفرطاب والمعرة والرها..؛ وكانت البلاد خرابا من الظلم ومجاورة الفرنج فعمرها..؛ حتى إنه لا ينقضي عليه عام إلا وهو يفتح من بلادهم (= الصليبيين)”!! أما ابن الأثير فيجزم بأنه “لولا أن الله تعالى منَّ على المسلمين بملك أتابك [زنكي] ببلاد الشام لملكها الفرنج..، فلطف الله بالمسلمين بولاية عماد الدين ففعل بالفرنج” الأفاعيل!!

أرضية صلبة

وبعد سيطرته على الأوضاع في شمالي العراق والجزيرة الفراتية وشمالي بلاد الشام، وتوحيد جبهاتها تحت قيادته زهاء عشرين سنة؛ تمكّن عماد الدين زنكي -بكثير من الدهاء والحزم وتحيُّن الفرص المواتية- من بناء أرضية صلبة يقف عليها لمواجهة الإمارات الصليبية التي تليه، بعد أن أمّن خطوطه الخلفية من أعدائه أمراء الداخل الإسلامي المتخاذلين؛ إذْ كان هؤلاء “الأعداء محدقين ببلاده وكلهم يقصدها ويريد أخذها”!! طبقا لتعبير الذهبي.

وهكذا انطلق سنة 539هـ/1144م لإسقاط أول إمارة صليبية تأسست في المنطقة الإسلامية شمالي الشام، حين رفع إليه جهاز استخباراته خبرا يفيد بأن أمير الرُّها الصليبي جوسلين الثاني (ت 554هـ/1159م) خرج مسافرا عنها؛ فعندها “نزل زنكي على الرُّها -وهي للفرنج- فنصب عليها المجانيق، ونقَب سورها وطرح فيه الحطب والنّار فانهدم، ودخلها فحاربهم ونُصِر المسلمون..، وخلّص منها خمسمئة أسير” من المسلمين كانوا محتجزين فيها؛ وفقا للذهبي.

وبذلك التحرير -الذي كان درة تاج أعمال زنكي وأكبر منجز للمسلمين منذ بداية الاحتلال الصليبي للمنطقة- صارت الرُّها أولى الإمارات الصليبية سقوطا كما كانت أُولاها تأسيسا!! ثم إن هذا التحرير أزال أيضا أحد فكيْ الكماشة الصليبية عن حلب الواقعة بين الرها وأنطاكية، والتي تعدّ أهم مدينة في سلطان زنكي بعد عاصمته الموصل، بعد أن تمنعت دمشق على السقوط في يده رغم حصاره لها مرات عدة.

وقد أدرك المؤرخ والكاتب عماد الدين الأصفهاني (ت 597هـ/1201م) ما أحدثه تحرير الرها من تحول تاريخي في منحنى الصراع، إذْ بدأ معه العد العكسي لتهاوي الصليبيين؛ فقال حسب ما نقله عنه المؤرخ ابن أبي شامة المقدسي (ت 665هـ/1267م) في ‘كتاب الروضتين‘: “استولى زنكي على الشام.. وهو الذي فتح الرها عنوة..، فتسنى بفتح الرها للمسلمين جوس بلاد [أميرها] جوسلين، وعاد جميعها إلى الإسلام في عهد ولد زنكي نور الدين، وصارت عقود الفرنج من ذلك الحين تُنْفسَخ وأمورها تنتسخ ومعاقلها تُفْرَع (= تفكَّك)”!!

كان فتح الرها خاتمة أمجاد عماد زنكي إذْ لم يعمّر بعده كثيرا؛ ويخبرنا ابن الأثير -في ‘الكامل‘- بأنه في ليلة 16 ربيع الآخر سنة 541هـ/1146م، وبينما كان زنكي يستعد لفتح قلعة جَعْبر على الفرات؛ تعرض لهجوم فـ”قتله جماعة من مماليكه ليلاً غِيلةً وهربوا إلى قلعة جعبر” التي كان يحكمها غريمه الأمير علي بن مالك العقيلي (ت 546هـ/1151م).

ويورد سبط ابن الجوزي (ت 654هـ/1256م) ما يشير إلى علاقة محتملة للأمير العقيلي باغتيال زنكي، استباقا منه لسيطرته المنتظرة على جعبر؛ فيقول إن قتله تم على يد “أحد خدمه (= زنكي) ومن كان يهواه ويأنس به ويعرف بيرنقش الإفرنجي، ووافقه بعض الخدم.. فذبحوه على فراشه بعد ضربات تمكنت من مقاتله، وهرب الخادم [الإفرنجي] إلى القلعة وصاحبها عز الدين علي بن مالك بن سالم العقيلي، فبشره بهلاكه فأكرمه وسُرَّ” بفعلته!!

خطة شاملة

انقسمت مملكة عماد زنكي -بعد اغتياله- بين ولديْه: سيف الدين غازي (ت 544هـ/1149م) الذي انفرد -حتى وفاته- بحكم الموصل وشمال العراق والجزيرة الفراتية، ونور الدين محمود (ت 569هـ/1174م) الذي جعل من حلب قاعدته لحكم مناطق شمالي الشام.

سار نور الدين محمود على طريق والده ذي المسارين المتوازييْن: مواجهة الصليبيين طوال ثمانية وعشرين عامًا، والسعي للتوحيد المتدرج للمناطق الإسلامية التي لم تسقط في قبضتهم؛ ولذا فإنه بعد أن “استتبّ له الأمر ظهر منه بذل الاجتهاد في القيام بأمر الجهاد، والقمع لأهل الكفر والعناد، والقيام بمصالح العباد”؛ وفقا لابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.

لم يرتح نور الدين محمود يوما من مقارعة الصليبيين وتوحيد الشام شماليه وجنوبيه؛ ففور تسلمه السلطة “خرج غازيا.. فافتتح حصونا كثيرة” وقلاعا للإفرنج؛ كما يروي معاصره المقرب منه الإمام المحدّث ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘.

وقد بلغ من نكايته في الصليبيين أنه تكرر وقوع عدد من ملوكهم في أسره لأول مرة منذ بدأ الصراع؛ فقد حدث مرة أنه “غزا حصن إنِّب (قرب أعزاز السورية) فقصده الإبرنس (= الأمير ريموند) متملك أنطاكية وكان من أبطال العدو وشياطينهم، فرحل عنها [نور الدين] ولقيهم دونها، فكسرهم وقتله وثلاثة آلاف فرنجي كانوا معه، وبقي ابنه صغيرا مع أمه بأنطاكية وتزوجت بإبرنس آخر، فخرج نور الدين في بعض غزواته فأسر الإبرنس الثاني، وتملك أنطاكية ابن الإبرنس الأول وهو بيمنت (= بوهيمند الثاني ت 524هـ/1130م)، ووقع في أسره في نوبة (= معركة) حارم (تقع اليوم بإدلب السورية) وباعه نفسَه (= افتداها) بمال عظيم أنفقه [نور الدين] في الجهاد”؛ طبقا لابن عساكر.

وبحلول عام 549هـ/1155م تمكن نور الدين محمود من توحيد جناحيْ الشام حلب ودمشق وما بينهما؛ فقد استطاع محاصرة دمشق مرتين وفتحها في الثالثة بعد أن “امتنع الأجنادُ والرعية [فيها] من الممانعة لما هم عليه من المحبة لنور الدين وعدله وحُسن ذكره، وبادر بعضُ قطّاعي الخشب بفأسه إلى الباب الشرقي [لدمشق] فكسر إغلاقه وفتحـ[ـه] فدخل منه العسكر على رَغَب [من أهلها]..؛ ثم دخل الملك نور الدين وخواصُّه، وسُرّ كافة الناس من الأجناد والعسكرية لما هم عليه من الجوع وغلاء الأسعار والخوف من منازلة الإفرنج الكفار”؛ حسب ابن القلانسي.

على أن نور الدين أضاف بُعدا جديدا حيويا إلى خطته الإستراتيجية التحريرية، وهو البعد الإصلاحي الشامل للنواحي الخدمية والعمرانية والمجتمعية والتربوية، وكذلك الإحياء الديني للمجتمع بعد قرنين من الفوضى الفكرية التي ضربت بأطنابها في بلاد الشام، وخاصة منذ سيطرة الفاطميين عليها في ستينيات القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي.

فقد كان نور الدين مدركا لحقيقة أن الصراع -في جوهره- صراع أفكار ومشاريع حضارية؛ ولكي ينتصر فيه المسلمون فإنهم يحتاجون إلى مشروع إصلاحي كبير وشامل وراسخ الإمداد والامتداد، مشروع يركز على الملامح الإصلاحية الكبرى للمجتمعات وليس على معارك الحرب بين المعسكرات، ويدار بدولة مركزية تنطلق قيادتها من الأرضية الصلبة لهذا المشروع إلى معارك التحرير للأوطان.

ويُجْمل لنا ابن عساكر جهود نور الدين في هذا الميدان بقوله إنه لما تولى السلطة “أظهر بحلب السُّنّة.. حتى أقام شعار الدين..، ونشر فيها مذاهب أهل السنة الأربعة.. وبنى بها المدارس، ووقف الأوقاف، وأظهر فيها العدل والإنصاف”. وكذا فعل في دمشق حين ضمها “فضبط أمورها وحصّن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد وأفاض على أهلها الفوائد، وأصلح طرقها ووسّع أسواقها..، ومنع ما كان يؤخذ منهم من المغارم.. وغير ذلك من المظالم” التي أحدثها نظام البوريين.

ويؤيد ذلك ابن الأثير -في ‘الكامل‘- بقوله: “وأما ما فعله من المصالح؛ فإنه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها..، وبنى المدارس الكثيرة..، وبنى البيمارستانات (= المستشفيات) والخانات (= محطات الراحة) في الطرق، وبنى الخانكاهات للصوفية في جميع البلاد، ووقف على الجميع الوقوف الكثيرة، وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم”.

مرحلة حاسمة

كانت الأسرة الأيوبية قد انخرطت في خدمة عماد الدين زنكي منذ عام 532هـ/1138م، بعد أن نشأت علاقة قوية بينه وبين حاكم قلعة تكريت نجم الدين أيوب (والد صلاح الدين ت 568هـ/1173م) لدور الأخير في إنقاذ عماد زنكي، وفتحه معابر دجلة أمامه ليصل إلى مقر حكمه بالموصل إثر هزيمته -مع السلطان السلجوقي محمود- ببغداد في إحدى جولات صراع السلاجقة الداخلي على السلطنة سنة 526هـ/1132م. فهذا الصنيع من نجم الدين أيوب “كان سببًا لاتصاله به (= عماد زنكي) والمصير في جُملته حتى آل بهم (= الأيوبيين) الأمرُ إلى مُلك مصر والشام وغيرهما”؛ حسب ابن الأثير في ‘الكامل‘.

وبمرور الزمن أصبح نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدين شِيْركُوه (ت 564هـ/1169م) وابنه صلاح الدين (ت 589هـ/1193م) من المقربين إلى نور الدين محمود، حتى لاحت الفرصة لضم مصر نهائيا إلى المملكة الزنكية بالشام بالقضاء على حكم الفاطميين ووزيرهم شاور السعدي (ت 564هـ/1169م) المتحالف مع الصليبيين، والذي ينسق معهم لتسليمها إليهم.

لقد أدرك نور الدين أنه لا مفرّ من “دفع الفرنج عن الديار المصرية [لأن] في ملكهم لها بوار الإسلام بالكلية”؛ حسب ابن واصل الحموي (ت 697هـ/1201م) في ‘مفرج الكروب في أخبار بني أيوب‘. ولذلك أرسل صلاحَ الدين مع عمه قائد الجيوش أسد الدين في حملة ثالثة إلى مصر سنة 564هـ/1169م، وكان هدفها هذه المرة إخضاع البلاد لحكم الزنكيين المباشر وقطع الطريق نهائيا على الأطماع الصليبية.

ويبدو أن صلاح الدين كان مترددا بشأن الانخراط في تطبيق الخطة التي رسمها نور الدين لإنقاذ مصر، خاصة أنه جرّب هذا المسعى مرتين من قبلُ؛ ولذلك يروي لنا كاتبه ومؤلف سيرته القاضي ابن شداد الموصلي (ت 632هـ/1235م) -في ‘النوادر السلطانية‘- نقلا عن صلاح الدين شفاهةً: “قال [لي] نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك [أسد الدين]، فشكوتُ الضائقة (= نقص المال)، فأعطاني ما تجهزتُ به، فكأنما أساق إلى الموت”!!

استطاع صلاح الدين السيطرة على مصر التي سرعان ما أصبح وزيرها المطلق التصرف خلفا لعمه شيركوه، فحقق لسيده نور الدين حلمه بتوحيدها مع الشام بإنهائه حكم الفاطميين الذي تواصل 210 سنوات! وهو ما يشرح لنا المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في كتابه ‘السلوك‘- كيفية تحقُّقه؛ فيقول: “فوّض العاضد (آخر خليفة فاطمي ت 567هـ/1171م) وزارته إلى صلاح الدين ونعته بالملك الناصر، فمشّى الأحوال وبذل الأموال..، ثم إنه دأب في إزالة الدولة الفاطمية..، ومات العاضد وقد قطع صلاح الدين خطبته [على المنابر]، وأمر الخطباء بالدعاء للمستضيء بنور الله (الخليفة العباسي ببغداد ت 577هـ/1181م)”!!

توفي السلطان نور الدين محمود في عام 569هـ/1174م بعد أن “سهَّلَ [الله] على يديه في فتح الحصون والقِلاع، ومكَّنَ له في البلدان والبقاع”؛ وفقا لتعبير لابن عساكر. وهنا تبرز أمامنا مجددا مشكلة وراثة العرش التي نواجهها إثر غياب كل قائد من قادة مشروع التحرير للأقطار الإسلامية من الاحتلال الصليبي، منذ عهد ولاة الموصل حين اغتيل أميرها آقْسُنْقُر البُرْسُقي (ت 520هـ/1126م) -على أيدي الحشاشين الذين قتلوا عددا وافرا من خيرة أمراء وعلماء المقاومة- وحتى نهاية الدولة الأيوبية.

توطيد للتوحيد

ترك السلطان محمود زنكي ابنا صغيرًا في حلب هو الصالح إسماعيل (ت 577هـ/1181م) الذي كان يتحكم فيه الأمراء والوزراء ويستغلون وجوده في تحقيق مصالحهم الشخصية. وقد أدرك صلاح الدين خطورة هذا الأمر في ظل اشتعال الصراع مع الصليبيين، وجسامة التفريط في المنجزات الضخمة التي تحققت -حتى تلك اللحظة- على صعيد توحيد الجبهة الإسلامية.

وهكذا سعى صلاح الدين لإزاحة سيطرة الصبي الألعوبة عن أكبر قدر ممكن من البلاد التي كانت تحت حكم أبيه نور الدين، وأراد أن يتسلم مباشرة راية مشروع التحرير مرسّخا وجوده باعتباره الوريث الحقيقي لجهود نور الدين الذي كان قدوته في كل شيء؛ فقد “كان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين، ويعمل له عمل القوي الأمين، ويرجع في جميع مصالحه إلى رأيه المتين”؛ وفقا لابن أبي شامة في ‘كتاب الروضتين‘- نقلا عن عماد الدين الأصفهاني الذي كان كاتبا خاصا لصلاح الدين.

باشر صلاح الدين مواصلة إستراتيجية سلفيْه عماد الدين زنكي ونور الدين محمود في ضرورة ترسيخ وتوسيع جبهة التحرير؛ لكنها هذه المرة أصبحت جبهة مصرية شامية يجب توحيدها -في نطاق التماس مع الصليبيين- من الرُّها وحرّان إلى جنوب أسوان. وكان كبار أمراء دمشق مدركين لهذه الحقيقة؛ فأرسلوا -قبل وفاة الصالح إسماعيل بسبع سنوات- سنة 570هـ/1174م إلى “صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر واستدعوه ليُملكّوه عليهم”؛ طبقا لابن الأثير.

تمكَّن صلاح الدين من توحيد مصر والشام والجزيرة الفراتية والحجاز وحتى اليمن جنوبا وإقليم برقة كاملا بليبيا غربا، وأعانه على ذلك ما كان يتحلى به من سمات القيادة العبقرية والحازمة؛ فقد وصفه الذهبي -في ‘السِّيَر‘- فقال: “كانت له همة في إقامة الجهاد وإبادة الأضداد ما سمع بمثلها لأحد في دهر”!! كما “كان الناصر [صلاح الدين] عظيم الهيبة، عالي الهمة، وافر العقل، حسن السياسة، متيقظا لا يفوته أمر مما يجري في بلاده وغيرها من بلاد الإسلام”؛ طبقا لابن واصل الحموي.

وانطلاقا من موقعه الوحدوي القوي ذاك؛ شرع الناصر منذ عام 575هـ/1179م في مواجهة الصليبيين -محاربةً أو محاصرةً- من حصن حارم في أقصى الشمال السوري إلى الكرك والرملة وعسقلان في أقصى الجنوب، وفي البحرين الأحمر والمتوسط. ولذا وصفه ابن الأثير -في ‘الكامل‘- بأنه “ما برحت سراياه تقصد الفرنج: فتارة تواقع طائفة منهم، وتارة تقطع الميرة عنهم”!!

استغرقت جهود التوحيد تلك من الناصر صلاح الدين زهاء عشر سنين، مدّ فيها جهود برنامج نور الدين سلفه للإصلاح المجتمعي الشامل إلى مصر، وحرّر فيها أيضا كثيرا من معاقل الصليبيين؛ ثم توّج ذلك كله بانتصار حطّين العظيم على الصليبيين في رجب سنة 583هـ/1187م، وأتبعه بفتح الفتوح -الذي عمت به الاحتفالات بلاد الإسلام– حين استعاد القدس والمسجد الأقصى في هذه “السنة الغراء التي طهَّر الله فيها الأرض المقدسة من نجاسة الشِّرْك [الصليبي]، بعد أن مكثت مُرتهنة في أيدي الكفّار نيفًا وتسعين سنة”؛ وفقا لابن واصل.

فتح مبين
وإذا كان ابن واصل يجزم بأنه “مُذْ ملَك الفرنجُ البلادَ الساحلية واستولوا عليها لم يقع للمسلمين معهم يومٌ كيومِ حطين”؛ فإن موِّثق نصوص تاريخ الحروب الصليبية سهيل زكّار (ت 1441هـ/2020م) ينقل لنا -في الجزء الـ38 من ‘الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية‘- كتاب رحلة الراهب الدمينيكاني فيلكس فابري (ت بعد 888هـ/1483م) الذي يقول فيه:

“لم تكن هناك معركة في جميع زمان وجود المملكة اللاتينية في الشرق قد سُفكت فيها دماء صليبية مثلما سُفك في ذلك اليوم؛ فقد تهاوت في ذلك اليوم قوى الصليبيين كلها في الشرق وانهارت..؛ وهلك في هذه المعركة المحزنة جدا جميعُ النبلاء ورجال الحرب، باستثناء قلة أُخِذوا أسرى كان من بينهم الملك” الصليبي غي دي لوزنيان (ت 590هـ/1194م)”!!

وقد أدرك صلاح الدين أن عصب القوة الصليبية يكمن في فرسان تنظيميْن دينيين عسكرييْن هما: “الداوية” (فرسان المعبد) و”الإسبتارية” (فرسان القديس يوحنا)؛ فهما أشبه بـ”قوات خاصة” أو “قوات نخبة” صليبية طالما أرهقت المسلمين وقتلت وأسرَت منهم على مدار عشرات السنين.

ولعل مردّ حزم صلاح الدين مع هذين التنظيمين هو ما سجله الرحالة الأوروبي فيلكس فابري -السابق ذكره- من أنه في حطين “كان أكثر الذين تميزوا بالشجاعة [من الفرنج] هم الاسبتارية والداوية”!! وبينما قُتل قائد الإسبتارية فإن “مقدم الداوية” كان ضمن الأسرى مع الملك. وهو المعنى نفسه الذي ذكره ابن الأثير حين قال إن صلاح الدين -رغم ما اشتهر به حتى بين الصليبيين أنفسهم من حلم وعفو- “كانت عادته قتل الداوية والإسبتارية لشدة عداوتهم للمسلمين وشجاعتهم”!!

ولذا نجد أنه بعد انتصار حطين “رأى السلطان [صلاح الدين] أن عيْن المصلحة تطهيرُ الأرض من هذين الجنسيْن النجسيْنِ؛ فأمر بإحضار كل داويّ وإسبتاريّ ليمْضي فيهم حكم السيف، وجعل لكل من يأتيه بأسير منهما خمسين دينارا (= اليوم 8000 دولار أميركي تقريبا)، فأُتِي في الحال بمئتين منهم”؛ حسب المؤرخ ابن واصل.

عزّز صلاح الدين نصر حطين والقدس بفتح الكثير من البلدات والحصون التابعة للصليبيين على الساحل الشامي، أوصلها الذهبي -في السِّيَر‘- إلى أكثر من ثلاثين موضعا؛ وكان حلمه الذي طالما راوده هو تطهير البلاد أجمعها منهم، ثم نقل المعركة مجددا إلى أوروبا التي جاؤوا منها!!

فقد أورد كاتبه ابن شداد الموصلي -في ‘النوادر السلطانية‘- حوارا دار بينهما على شاطئ المتوسط؛ فكان مما جاء فيه: “قال [لي صلاح الدين]: أما أحكي لك شيئا في نفسي! إنه متى يسّر الله تعالى فتح بقية الساحل.. ركبتُ هذا البحر إلى جزائره، وأتبعتهم (= الصليبيين) فيها.. أو أموت”!! لكنه أدركته الوفاة قبل أن يحقق حلمه هذا فـ”تأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه”؛ وفقا للذهبي.

انتكاسة مؤقتة

دخلت الدولة الأيوبية بمصر والشام -بعد وفاة صلاح الدين سنة 589هـ/1193م- في صراعات اشترك فيها أبناؤه الثلاثة فيما بينهم، ثم فيما بينهم وبين عمهم أبي بكر بن أيوب (ت 615هـ/1218م) الذي تلقب بـ”العادل” بعد أن آل إليه الحكم في مصر، لكننا -كما يقول الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘- نجد أحيانا أنه كان “من سيئات العادل [هذا أنه] يدع جهاد الفرنج ويقاتل المسلمين”!!

وإثر وفاة العادل؛ سرعان ما تجدد الصراع على العرش ولكن هذه المرة بين أبنائه الثلاثة: المعظّم عيسى (ت 624هـ/1227م) والأشرف موسى (ت 635هـ/1238م) في الشام، والكامل محمـد (ت 635هـ/1238م) في مصر؛ وهو صراع مرير لم يتورع بعض أطرافه عن خيانة الأمانة والاستعانة بالصليبيين ضد الطرف الآخر!!

وقد استنزفت هذه الصراعات الداخلية طاقات الملوك الأيوبيين، فحرفتها بعيدا عن النهج الذي سارت وفقه الأحداث منذ عهد عماد زنكي وحتى وفاة صلاح الدين، ولذا افتقدت أنشطتهم الجهادية -في الغالب- روح المبادرة وصارت مجرد ردّات فعل لهجمات الصليبيين على الأراضي الإسلامية في دولتهم المترامية الأطراف، حيث استغل الصليبيون هذه الصراعات فأعادوا نشاطهم على طول الساحل الشامي.

بل إن الصليبيين شرعوا يتحينون الفرصة للهجوم على ثغر دمياط شمالي مصر فيما عُرف بالحملة الصليبية الخامسة (615-618هـ/1218-1221م)؛ فحسبما يرويه جرجس ابن العميد (ت 671هـ/1272م) -في كتابه ‘أخبار الأيوبيين‘- فإنه في سنة 615هـ/1218م “زحفت الفرنج على دمياط وحاصروها أشد حصار وملكوا بَرّ دمياط، فرحل السلطان الملك الكامل عن دمياط ونزل قريبًا منهم، وجرت بينهم وقائع كثيرة وحروب عظيمة..، فالتقاهم الملك الكامل بعساكره.. فكسرهم وأسَرَ جماعة كثيرة”.

بيد أن الكامل هذا سرعان ما أضاع حسن بلائه في دمياط بارتكابه خطيئة سياسية كبرى بتحالفه مع الصليبيين، سعيا منه لدعم موقفه السياسي أمام أخويْه في الشام؛ إذ قام سنة 626هـ/1229م بتسليم بيت المقدس إلى الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني (ت 648هـ/1250م) فيما عُرف بالحملة الصليبية السادسة.

وقد تحدث المؤرخ ابن الأثير عن أثر تلك الخطيئة في نفوس المسلمين حينها؛ فقال: “وتسلّم الفرنجُ البيتَ المقدس، واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه؛ يسّر الله فتحه وعوده إلى المسلمين”!! ثم تبعه في تصوير هذا الأثر المؤرخ الواعظ سبط ابن الجوزي في ‘مرآة الزمان‘؛ فقال: “ووصلت الأخبار بتسليم القدس إلى الفرنج، فقامت القيامة في بلاد الإسلام، واشتدت العظائم بحيث إنه أقيمت المآتم…؛ [فـ]ـيا خجْلة ملوك المسلمين”!!

والغريب أن السلطان الكامل كان واعيا بالعواقب الفظيعة لسلوكه هذا؛ فقد راسل -قبل فترة قليلة من عقد اتفاقه مع فريدريك- أخاه الملك الأشرف موسى، مبررا له سعيه لضم الشام إلى مملكته بمصر؛ فقال فيما نقله عنه ابن الأثير: “إنني ما جئتُ إلى هذه البلاد (= الشام) إلا بسبب الفرنج، فإنهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه…، وأنت تعلم أن عمّنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدس، فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضِّي الأعصار وممرّ الأيام، فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الذي ادّخره عمُّنا، وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله تعالى”؟!!

وبعد وفاة هذا الثلاثي المتخاذل والمتقاتل؛ ورث بعض إخوتهم وأبنائهم ما كانوا عليه من تنازع سلطوي وصراع مقيت، فوقع كثير منهم في خطيئة خيانة الأمانة بالتحالف والتعاون مع الصليبيين، وهي ظاهرة تأذى منها كثيرا مشروع المقاومة طوال مراحله المختلفة حتى قيام دولة المماليك.

لقد كان أحد هؤلاء الأمراء الواقعين في خيانة المقاومة: الصالحُ إسماعيل بن العادل (ت 648هـ/1250م) الذي تولى دمشق وجنوب الشام بعد وفاة أخيه الأشرف موسى سنة 635هـ/1237م. وقد لخص لنا الذهبي -في ‘السِّيَر‘- ما كان عليه هذا الملك من خيانة وبؤس سياسة؛ فقال: “إسماعيلُ نصَرَ الكافرين، وسلّم إليهم القلاع، واستولى على دمشق سرقة، وحنث في يمينه، وقتلَ من الملوك والأمراء من كان ينفع في الجهاد”!!

جيل متألق
بارتقاء الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل الأيوبي (ت 647هـ/1249م) سدة الحكم بمصر؛ يبدأ عصر جديد بالاعتماد على العنصر التركي في بنية الجيش الأيوبي، وتعود مصر مجددا إلى سابق قوتها أيام جدّه صلاح الدين. فقد جمعَ الصالح “من المماليك الترك ما لم يجتمع لغيره من أهل بيته، حتى كان أكثر أمراء عسكره مماليكه”؛ طبقا لقريبه المؤرخ الملك المؤيّد الأيوبي (ت 732هـ/1332م) في ‘المختصر في أخبار البشر‘.

وقد استطاع المماليكُ -بما تميزوا به من تربية عسكرية ودينية متينة– الثباتَ بقوة في معركة المنصورة بمصر سنة 647هـ/1249م أمام الصليبيين بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع (ت 669هـ/1270م)، مما أدى إلى هزيمته وأسره ومقتل نصف جيشه الذي جاء ضمن الحملة الصليبية السابعة (647-648هـ/1249-1250م).

وينقل الأمير المملوكي المؤرخ ابن أيبك الدَّوَاداري (ت بعد 736هـ/1335م) -في ‘كنز الدرر‘- عن شاهد عيان في معركة المنصورة الفاصلة؛ قوله إن المماليك “أحيوا في ذلك اليوم الإسلام من جديد، بكل أسد من الترك قلبه أقوى من الحديد؛ فلم تكن إلا ساعة وإذا بالإفرنج قد ولَّوا على أعقابهم منهزمين، وأسُود الترك لأكتاف خنازير الإفرنج ملتزمين”!!

وقد حمل سلاطين المماليك -منذ مؤسس دولتهم الفعلي الظاهر بيبرس (ت 676هـ/1277م)- مشعلَ الجهاد المتواصل ضد الصليبيين لاقتلاعهم من الساحل الشامي برمته؛ منطلقين في ذلك من واقع سيطرتهم القوية والمركزية على وحدة مصر والشام.

فخلال الفترة 659-690هـ/1261-1291م تمكّن المماليك من تحرير جميع المدن والقلاع والموانئ الإسلامية من احتلال الصليبيين، التي عجزت أجيال مشروع التحرير السابقة عن انتزاعها من براثنهم، وبذلك أعادوا إلى هذا المشروع وهَجَه الذي خبا خلال النصف الأول من القرن السابع الهجري/الـ13 الميلادي.

يقول المؤرخ المملوكي ابن تَغْري بَرْدي (ت 874هـ/1469م) في ‘المنهل الصافي‘: “كان الملك الظاهر [بيبرس].. ملكاً شجاعاً مقداماً، خبيراً بالحروب ذا رأي وتدبير وسياسة ومعرفة تامة. وكان سريع الحركات.. نالته السعادة والظَّفَر في غالب حروبه، وفتح عدة فتوحات من أيدي الفرنج”؛ ثم ذكر المؤرخ من هذه الفتوح أكثر من 14 موضعا شاميا كان معقلا للصليبيين.

على أن قمة إنجازات الظاهر بيبرس -الذي أطلق شرارة مطاردة الصليبيين سنة 663هـ/1265م- كانت إسقاطه إمارة أنطاكية الصليبية سنة 666هـ/1268م، وهي ثانية إمارات الصليبيين تأسيسا؛ وكان تحريرها أعظم إنجاز للمسلمين بعد استعادة صلاح الدين القدس قبل نحو قرن.

وقد لاحظ المؤرخ ابن واصل حجم الإنجاز الهائل المتحقق في أيام بيبرس حين قارنه بأعمال نور الدين وصلاح الدين، بل وفضله عليهما لتضاعف أعباء الاحتلال في عصره بالعدوان المغولي؛ فقال: “رحم الله الملك الناصر صلاح الدين.. فلم يؤيد الإسلام بعد الصحابة.. برجل مثله ومثل نور الدين محمود بن زنكى..؛ فهما جددا الإسلام بعد دروسه..، ثم أيد الله الإسلام بعدهما بالملك الظاهر ركن الدين (= بيبرس)، وكان أمره أعجب! إذ جاء بعد أن استولى التتر (= التتار) على معظم البلاد الإسلامية، وأيس الناس أن لا انتعاش للملة؛ فبدد شمل التتار، وحفظ البلاد الإسلامية، وملك من الفرنج أكثر الحصون الساحلية”!!

تقويض كامل

ولما توفي بيبرس؛ حمل خليفتُه السلطانُ المنصور قلاوون الألفي (ت 689هـ/1290م) رايةَ المواجهة لتصفية بقايا الوجود الصليبي بالشام فاستولى على عدة حصون صليبية، ثم ختم حياته بإنجازه الأعظم عندما أسقط رابعة الإمارات الصليبية تأسيسا وهي طرابلس الشام التي حررها سنة 688هـ/1289م. وبصنيعه هذا أكمل المنصور قلاوون تفكيك إمارات الصليبيين الأربع التي تشكلت منها “المملكة اللاتينية في الشرق” أو “المملكة المقدسة” في بلاد الشام زهاءَ قرنين!!

يقول الملك أبو الفداء الأيوبي مؤكدا -في تاريخه- أنه حضر تحرير طرابلس: “لما نازلها السلطان نصبَ عليها عدّة كثيرة من المجانيق الكبار والصغار ولازمها بالحصار، واشتد عليها القتال حتى فتحها.. بالسيف ودخلها العسكر عنوة، فهرب أهلها إلى الميناء فنجَى أقلهم في المراكب، وقُتل غالب رجالها.. وغنِم منهم المسلمون غنيمة عظيمة”.

ثم استعد السلطان قلاوون لاستعادة آخر وأكبر معاقل الصليبيين بالشام في عصره، وهي إمارة عكّا التي لم تكن أصلا ضمن إماراتهم الأربع الأولى، وإنما تشكلت من فلولهم التي سمح صلاح الدين بخروجها من القدس وغيرها من المعاقل التي فتحها على الساحل.

وقد التقت هذه الفلول لاحقا في صور كما يقول ابن الأثير فـ”اجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كل صنديد فاشتدت شوكتهم”؛ ثم هاجموا منها عكا بدعم من قادة الحملة الصليبية الثالثة التي وصلت عكا سنة 587هـ/1191م يتزعمها الملك الإنكليزي ريتشارد قلب الأسد (ت 596هـ/1199م)، فاحتلوها بعد حصار مرير وأمعنوا في أهلها قتلا وتنكيلا، وأسسوا فيها إمارة صليبية خامسة عاشت قرنا كاملا.

لكن قلاوون مات سنة 689هـ/1290م وهو على رأس جيشه متجها من القاهرة إلى عكا لفتحها، فاضطلع بمهمة تحريرها بعده ابنه السلطان الأشرف خليل. وفي فجر 17 جمادى الأولى 690هـ/17 مايو 1291م، وبعد حصار دام أسبوعين؛ وقع الهجوم الهائل على أسوار المدينة فكان التحرير والانتصار الباهر.

ويصف لنا الدواداري -في ‘كنز الدرر‘- أجواء هذا الحدث التاريخي الحاسم؛ فيقول إن الأشرف “زحف عليها (= عكا) بالجيوش بكرةَ النهار قبل طُلوع الشمس، وضُربت الكُوسات (= آلات نحاس تقرع بقوة لإخافة الأعداء) مع طبلخانات (= طبول) الأُمراء، مع صراخ الأبطال وصهيل الخيل وقعقعه السلاح؛ فخُيّل لأهل عكا [من الفرنج] أن القيامة قد قامت في تلك الساعة!! فلم تطلُع الشمس من الأبراج إلا والسناجق (= الأعلام) السلطانية الإسلامية على.. الأبراج، والفرنج.. قد ولَّوْا الأدبار وركنوا إلى الفرار”!!

وبسحق الصليبيين في عكا في جمادى الأولى سنة 690هـ/1291م؛ تُطوى صفحة دموية استمرت قرنين كاملين من الحروب الصليبية فـ”تكاملت بذلك جميع البلاد الساحلية للإسلام، وطُهِّر الشام من الفرنج بعد أن كانوا قد أشرفوا على مُلك دمشق وملك مصر”؛ وفقا للمؤرخ ابن الوردي (ت 749هـ/1348م) في تاريخه.

المصدر: الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى