آراءأقلام حرة

فيصل عثمان يكتب: نحن وفرنسا وأبناؤها: ومضات تاريخية!

فيصل عثمان، كاتب جزائري

إنها ذكرى الثورة المجيدة، يوم قرّر أجدادنا أن أوان الجهاد قد حان فاختاروا ليلة الاثنين 12 ربيع الأوّل  1374 هجرية الموافق للفاتح من نوفمبر عام 1954 لتكون ليلة لاندلاع الجهاد، “الله أكبر” مع أوّل رصاصة، ليلة من بعد، نشر شيخ جمعية العلماء المسلمين بيانا يؤيّد فيها الشباب المجاهدين مصداقا لقوله تعالى: “أذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير”- سورة الحج الآية 39- البشير الابراهيمي والجمعية صارا فيما بعد متهمين بخذلان الثورة حسب كتابات مؤرّخي الانتداب من بقايا نطاف الاستعمار الفرنساوي!!

في بيان جيش التحرير الوطني الموجّه للشعب في الداخل سمّيت الثورة جهادا، وفي بيان جبهة التحرير كان الهدف معلنا ” دولة جزائرية في إطار المبادئ الإسلامية”، بعد سنتين حذفت هذه العبارة في مؤتمر الصّومام لتنزع عن الثورة معنى الجهاد وتتّخذ فيما بعد معاني أقرب إلى الشيوعية منها إلى الإسلام، إنّه الانقلاب الأوّل!

سنتان أيضا وتؤسّس الحكومة الجزائرية المؤقتة ليصبح رئيسها فرحات عبّاس أحد دعاة الاندماج بين الجزائر وفرنسا، رجل كتب أنّه بحث عن الجزائر في المقابر ولم يجدها يصبح بقدرة قادر رئيسا لحكومة شعب كان يراه عدما، إنّه الانقلاب الثاني!

في ذات السّنة أي 1958 يلتحق بالثّرورة عسكريون من الجيش الفرنسي، بعضهم قاتل مع فرنسا في الهند الصينية وربّما منهم من قاتل المجاهدين في الجزائر، مئات منهم التحقوا بجيش الحدود في تونس، تربّصوا بالثورة طويلا حتّى حانت ساعة الصفر فاندمجوا مع جيش التحرير الوطني ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضدّ فرنسا، أربعون فردا من هؤلاء تولّوا مناصب عالية في الدولة غداة الاستقلال، أشهرهم خالد نزّار وزير الدّفاع في التسعينات، والعربي بلخير وزير الداخلية، وعباس غزّيل قائد الدرك الوطني، ومحمّد العماري قائد الأركان وإسماعيل العماري مدير الأمن الداخلي وباقي الجنرالات محمد مدين مدير المخابرات ومحمد تواتي وعلي هارون وآخرون يعرفهم الجزائريون، هؤلاء من وقفوا ضدّ خيار الشعب في 1992 وأبادوا أزيد من ربع مليون  من أبنائه بعد الانقلاب الثّالث!

بين الانقلابين الثاني والثالث حصل الكثير؛ طُرد آلاف الضّباط وضباط الصف والجنود من الذين جاهدوا ضدّ فرنسا واستبدلوا بضبّاط وجنود دفعة لاكوست واغتيل عشرات الضباط الذين وقفوا في وجه موجة الاختراق الذي مسّ الجيش مثل العقيد محمد شعباني الذي اتّهمه حزب فرنسا بالتمرّد وحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، ومن سخرية الأقدار أنّ هيئة المحكمة كان من أعضائها ضبّاط دفعة لاكوست، وللمفارقة حتى رصاص الإعدام لم يصب الشهيد محمد شعباني وعوض أن يطلق سراحه كما ينصّ عليه القانون تقدّم نحوه جندي من حزب فرنسا اسمه مصطفى السايس وأفرغ في رأسه ذخيرة مسدّسه ولسان حاله يقول: “ذُق طعم الموت على يد عميل فرنسا بعد أن نجوت من جنودها”.

ما يجهله معظم الجزائريين أنّ التطهير الذي نادى به ضبّاط جيش التحرير نُفّذ بشكل معاكس على ثلاث مراحل: الأولى في الستينات بالقتل والسجن، والثانية في السبعينات بالتسريح من الجيش الوطني، والثالثة في التسعينات بالتصفية والتسريح والتشويه، أبرز حادثتين كانتا تسريح دفعة الضباط الوطنيين عام 1997 وقبلها بأربع سنوات سجن اللواء مصطفى بلوصيف بتهم مفبركة وإهانته وتشويه صورته عن طريق أقلام الانتداب في جرائد كان يشرف عليها العقيد فوزي ضابط المخابرات الشهير.

أُهين بلوصيف الرجل الوطني وأُبعِد الوطنيون من الجيش وعاث حزب فرنسا في الشعب تنكيلا وذبحا وإبادة.

منذ الانقلاب الثالث تمكّن حزب فرنسا من كلّ مفاصل الدولة، فأصبح له أثرياء الحرب الذين يسيطرون على قوت الشّعب ويحتكرون كلّ المشاريع الاستثمارية من أمثال يسعد ربراب وعلي حدّاد ومحي الدين طحكوت….

ولحزب فرنسا كياناته السياسية الخاصّة في السلطة والمعارضة أيضا، أبرزها أحزاب: التجمع الوطني الديمقراطي RND، حزب العمال PT، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطيةRCD، الحركة الشعبية الجزائرية MPA، الحركة الديمقراطية والاجتماعية MDS، وغيرها من الأحزاب المخترقة بنسب متفاوتة والحزبيات الجديدة المسيّرة بمهماز قادة الدولة العميقة، فكلّها كيانات خادمة لحزب فرنسا المتنفّذ في الدولة.

وأصبح للدولة العميقة صحفها الخاصة كذلك، منها الناطقة بالفرنسية وأشهرها جرائد: الوطن، ولوسوار، وكوتيديان دوران، وليبرتي، وليكسبريسيون، ومواقع: ألجيري باتريوتيك، تي آس آ….

ومنها الناطقة بالعربية مثل: الخبر، والشروق، والنهار وغيرها، وما انبثق عنها من قنوات تلفزيونية.

حزب فرنسا في الجزائر له أربعة قطاعات رئيسية: الإدارة المفرنسة كلّيا، الاقتصاد والإعلام والمخابرات والتربية والتعليم، القطاع الأخير يعتبر اليوم عمود الإبادة الثقافية التي تستهدف هويّة الشعب الجزائري ودينه وأصالته حيث تقود وزيرة التربية حربا شعواء على كلّ مقدّسات الجزائريين برعاية فرنسية خالصة، لاسيما بعد أن استعانت بخبراء فرنسيين لوضع مناهج التعليم عند تعيينها في منصبها (انظر مقالنا المعنون: صراع الهوية في الجزائر نبية الانتداب وحرب الإبادة).

يشار إلى أنّ هذه الومضات لا تمثّل إلّا الظاهر من جبل الجليد ولا تجيب عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها الجزائري في ذكرى جهاده وثورته حول مضامين اتفاقيات ايفيان والمعاهدات السرية التي أمضتها الحكومات الجزائرية المتعاقبة مع فرنسا خاصّة ما حدث في مشفى فال دوغراس قبل تعيين بوتفليقة رئيسا للمرة الرابعة، وحول ما يسمّى بإيفيان الثانية، وعقود استخراج الغاز الصخري والتنقيب عن النفط من طرف الشركات الفرنسية والاستثمارات الجديدة في إطار العلاقات الثنائية وضمن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وكذا في إطار الإتحاد من أجل المتوسّط، وكثير من الأسئلة التي إن أميط عنها النقاب سنكتشف حتما أنّنا أمام انتداب شامل خَلَف الاستعمار القديم.

 في الأخير، رغم كلّ ما ذُكر أعلاه تظلّ الأقلّية المقاومة في كلّ مفاصل الدولة تحارب العدوّ الأبدي في الجيش والاقتصاد والمدرسة والإعلام، وهكذا ديدن الصراعات الحضارية يحسمها القلم والبندقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى