آراءمقالات

فك الارتباط بين الليبرالية والعلمانية

محمد السخاوي
Latest posts by محمد السخاوي (see all)

نحن في حاجه إلي فك الارتباط بين الليبرالية (الحرية) والعلمانية (الدنيوية) بسبب ما أحدثته العلمانية في الليبرالية من لغط وغموض.

 

كانت أوروبا في العصور الوسطي قارة إقطاعية مظلمة، وفي المقابل حدث أمرين أوروبيين:

 

الأول، الاحتكاك بالعرب الذين كانت العصور الوسطى بالنسبة لهم، بفعل الإسلام، عصور نهضة ونور،

 

الثاني، الكشوف الجغرافية،

 

أدى الأمرين إلي تنشيط المدن التجارية في أوروبا والتجارة بين الشرق والغرب وظهور طبقة البرجوازية التجارية الأوروبية، وتنشيط النشاط الحرفي الصناعي، وقد أصبح الحرفيون هم القاعدة التي انطلقت من عليها البرجوازية الصناعية، وبدأت الرأسمالية الأوروبية في النشوء والظهور كنظام بديل لنظام الإقطاع الأوروبي،

 

وبرزت إلى الوجود حاجة هذا النظام الوليد إلى جيوش من العاملين المغلق عليهم أبواب الإقطاعيات لتلبيه مطالب الإنتاج الرأسمالي الناشئ، إلا أن طريق هذه الجيوش العاملة كان مغلقا بسد مزدوج:

 

الإقطاع والكنيسة، حيث كانت الكنيسة هي الإقطاعي المهيمن علي كل الإقطاعيين، وقد أزاحت البرجوازية الأوروبية الصاعدة هذا السد بالثورة على النظام الإقطاعي، مستقطبة في ذلك جيوش أنصاف العبيد الأوروبيين، وبلور مفكرو البرجوازية نظرية الثورة في أوروبا على الإقطاع على قاعدتين نظريتين:

 

الأولي، الليبرالية (الحرية).

 

والثانية (العلمانية) “الدنيوية”،

 

تتولي القاعدة الأولى تحرير أنصاف العبيد بالثورة على الإقطاع، في حين تتولى الثانية هدم سلطان الكنيسة الروحي والزمني الذي حول دين الله إلي دين جور وظلم، لكن سرعان ما حدث التقابل والتناقض بين القاعدتين: الليبرالية والعلمانية، نتج هذا التناقض عن تباين وتناقض المضمونين: مفهوم ومضمون الحرية في مواجهه مضمون ومفهوم العلمانية، فالحرية فطرة وقدرة إنسانية، خلق الله الإنسان مفطورا عليها لمواجهة مشكلاته (حاجته) المادية والمعنوية، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فان هذه الفطرة التحررية في الذات الإنسانية تدفعه لاكتشاف عجزه الذاتي عن إشباع كل احتياجاته المتجددة مع تجدد الزمان والمتنوعة، ويكون هذا العجز هو دافعه للاتجاه للاجتماع مع غيره من أفراد نوعه ، لمساعدته في مواجهة مشكلاته الحياتية، ومن ثم الانتقال من الفردية إلي الاجتماعية، أي الاجتماع البشري المدني، هذا الأمر يتطلب التوفيق بين حياة وحرية الفرد وحياة وحرية المجتمع، يتحقق هذا التوفيق بإحداث أو بناء حاله من التوازن، بين وجود وحرية الفرد، وحياة ووجود الجماعة (المجتمع) الذي هو في حقيقته ليس إلا الأفراد مجتمعين معا، هذا التوازن يسميه علماء الإسلام (الوسطية)، وقد أسس العلماء لهذا التوازن قاعدة، ترتفع عليها أعمدة ثلاث تحقق هذا التوازن بشكل دائم متجدد، الأعمدة الثلاثة هي الحرية والمساواة والعدالة.

 

أما العلمانية فقد جردها مفكرو الغرب من معناها الحقيقي، وهو عالم الشهادة المتقابل والمتكامل في ذات الوقت مع عالم الغيب، والاثنين من خلق الله ، يقول “چون لوك” أول من صك وبين مفهوم مصطلح العلمانية ”

 

العلمانية ليست ضد الدين، فمن يريد أن يتدين فليتدين، لكننا نريد أن نؤسس ونبني مجتمعاتنا محرره تماما من كل الموروثات القيمية والأخلاقية والدينية، لأن هذه الموروثات تشد المجتمعات للخلف وتعوق تطورها وتقدمها”، هذا الكلام مبناه النفاق، فكيف تكون العلمانية ليست ضد الدين وهي في ذات الوقت تحدد إقامة الدين في المنازل والكنائس، لقد استغل مفكرو العلمانية جور وطغيان الكنيسة في أوروبا للانقضاض علي الدين كله بالفصل بين عالمي الشهادة والغيب، ومقاسمة الله خلقه واختصاصاته، يختص الله بعالم الغيب وهم يختصون بعالم الشهادة، بذلك جردت العلمانية الحرية من معناها وبعدها الاجتماعي، ومن قاعدتها وأعمدتها الثلاثة: الحرية والمساواة والعدالة، ولم تعد الحرية في الأعراف العلمانية حاله اجتماعيه بل أصبحت حاله فرديه نفعيه، ذلك بسبب أن الدين الذي أزاحته العلمانية هو أصل كل القيم والمبادئ، وقد أزاح هذا المفهوم الدنيوي الفردي النفعي للعلمانية كل المحاولات لجعلها علمانيتان: علمانيه شامله وعلمانيه جزئيه، لنختار بينهما، وأصبحت العلمانية واحده: فصل الدين عن السياسة، بمعني فصل الدين عن الدولة، بمعني ثالث فصل الدين عن الدنيا ، لقد أعطي العلمانيون الله أجازه مفتوحة، أستغفر الله،

 

لذلك كان عمر الليبرالية الأوروبية قصير، وهي الفترة بين انهيار الإقطاع وبناء الرأسمالية، ففي هذه الفترة القصيرة عاشت الجماهير الأوروبية الحرية، حرية التعاقد وحرية التملك وحرية اختيار النشاط وحرية المنافسة في العمل والإنتاج والأسواق، قامت هذه الفترة القصيرة على قاعدتي المنافسة الكاملة والبقاء للأصلح، المرتكزتين علي قانون “دعه يعمل دعه يمر”،

 

ألا إن تجريد الحرية من معناها الاجتماعي وتحويل المجتمع قسرا إلى ذرات من الأفراد منفصلين عن بعضهم البعض، أدى إلى تقصير عمر هذه المرحلة، إذن انقلبت الأوضاع فبدلا من قانون البقاء للأصلح أصبح قانون البقاء للأقوى هو المنظم للحياة، وحول قانون البقاء للأقوى قاعدة المنافسة الكاملة إلى المنافسة الاحتكارية، بسبب حلول المنفعة الفردية محل المنفعة الاجتماعية، وقسمت الاحتكارات المجتمعات إلى طبقات: أغلبية عظمي لا تملك إلا قوة عملها، ذات قوة شرائية محدودة، وأقلية احتكارية تحتكر ملكية الثروة، ذات قوه شرائية عاليه، لكن ميلها الحدي للاستهلاك منخفض لسببين:

 

الأول، حاجتها مشبعة،

 

الثاني، ميلها الحدي للادخار مرتفع، أدى كل ذلك إلى أزمات اقتصاديه واجتماعيه وسياسية هددت وجود الرأسمالية كنظام،

 

حيث أصبحت الرأسمالية رقعة في ثوب جديد، وتحولت الرأسمالية إلى استعمار مباشر، وتحول الاستعمار المباشر إلي استعمار جديد (نظام التبعية)، يعتمد علي وكلاء ونخب محلية، وتحولت الامبريالية إلي عولمة بتحول الاحتكارات الكبرى إلى شركات عابرة للقومية، وأصبحت العلمانية دين الرأسمالية المتوحشة، فرضته الرأسمالية عل ي العالم بالقوة، وانقسم العالم إلي شمال مستكبر ومسيطر، وجنوب مستضعف ومنهوب ثرواته بواسطة الشمال العنصري، وكان نصيبنا نحن العرب من هذا: التجزئة والتبعية وإسرائيل والاستبداد والعلمانية، ونخب تعيش وتتعايش مع وعلي الخمسة السابقين عليها.

 

انتهت الليبرالية وحلت محلها بسبب العلمانية فرديه بغيضة، واحتفظ النظام الرأس مالي من الليبرالية باسمها فقط، مجردا من بعده الاجتماعي ومضامينه التكافلية، وبهذا تحولت الليبرالية من نظريه للحرية والتحرر إلي غطاء سياسي للرأسمالية المتوحشة، تغطي مظالمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدنيا كلها وتعمقت مشكله الحرية أكثر، مع الانقسام الطبقي الحاد في المجتمعات سواء المتبوعة أو التابعة، وعدنا إلي نقطه الصفر نبحث عن حل لمشكله الحرية في العالم: يكمن الحل في العودة إلي الليبرالية (بمعنى الحرية) بفك الارتباط بينها وبين العلمانية، وفي إعادة التوازن بين حرية الفرد وحرية الجماعة، والالتزام بقواعد وأعمدة هذا التوازن: الحرية والمساواة والعدالة، والتخلص من النظام الرأسمالي المتوحش.. وهذه هي وظيفة الشريعة، تحقيق العدل بين الناس جميعا بدون تمييز ديني أو عرقي أو طائفي.

وهذا موضوع المقالة القادمة بعون الله ومشيئته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى