آراءمقالات

فكرة السلام في حضن الإسلام

Latest posts by د. معراج أحمد الندوي (see all)

يشهد العالم في العصر الحاضر ارتفاعا متزايدا بصورة مطردة في مظاهر الكراهية والعنصرية والتعصب الديني والعرقي، وفشو العنف والإرهاب، ويزيد من حدة هذه المظاهر، الصراعات القائمة بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ والمصالح التي تخرج عن نطاق التنافس المحمود إلى التنازع المذموم. لقد سادت أجواء من القلق، وغلب اليأس على الأمل، وبعد أن تصاعدت وتيرة المطالبة بالسلام على مختلف الأصعدة، بدأت الأسرة الإنسانية تترقب إلى عالم يسود فيه السلام، وتَـتَـعَايَـشُ الأمم والشعوب في أمن وأمان.

 

ومن الواضح أنه لا سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان الذي يقوم على تعزيز قيم الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان، لبناء جسور الثقة، ولإقامة العلاقات الإنسانية على أساس راسخ من الوئام والتسامح والاحترام. تبدأ قصة السلام في الأديان مع إشراق فجر هذه الأديان على الأرض. أما في الإسلام فهي قضية أصيلة عميقة ترتبط ارتباطا وثيقا بنظرة هذا الدين الواعية والشاملمة للإنسان والحياة والكون. يعتبر السلام من الأهداف الرئيسية في الإسلام. والسلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، فأصبحت جزئا من كيانهم وعقيدة من عقائدهم.

 

إن الإسلام في طبيعته الكلية في النظرة إلى الحياة، لا يجزّئ السلام، ولا ينشده في حقل مفرد من حقول الحياة. إنما يجعل السلام كله وحدة، ويحاول تحقيقه في كل حقل، ويربط بينه وبين النظرة الكلية للكون والحياة والإنسان. وبذلك تصبح كلمة “السلام” التي يعنيها الإسلام ذات دلالة أعمق وأشمل من معناه الذي تتعارف عليه الدول في هذا الأيام. فهو السلام الذي يحقق كلمة الله في الأرض من الحرية والعدل والأمن لجميع الناس.

 

إن الإسلام ينفي كل الدواعي والأسباب التي تثير العنف والكراهية والحرب في الأرض، ويستبعد ألواناً من الحرب لا يقر بواعثها وأهدافها. يستبعد الحروب التي تثيرها القومية العنصرية، فلا مكان فيه للقومية العنصرية، وهو يقرر أن الناس كلهم من أصل واحد، وأنهم خلقوا كلهم من نفس واحدة، وأنهم جعلوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا.

 

ومن الخطوات التي أكدها الإسلام في إحلال السلام في العالم هو العدل والمساوات والصلح والإحسان والرحمة والتسامح.

 

العدل: يعتبر العدل من أهم معززات ثقافة السلام، وهو قيمة عليا نالت منزلة خاصة في رسالة الإسلام، وتميزت بخصائص متعددة تكفل فعاليته، وتجسدت تجسيداً حيوياً غير مسبوق في العهد النبوي بما كان له أثره المباشر وغير المباشر في إشاعة معاني السلم على المستوى العالمي. تميز العدل في الإسلام بخصائص متنوعة تضفي عليه حيوية ومصداقية وواقعية وفعالية يظهر أثره على مستوى الفرد والمجتمع والإنسانية.

 

الصـلح: إن رسالة الإسلام رسالة رحمة وسلام، وأن تحقيق السلم كان من أهم أهداف تعاليم الإسلام، وهو هدف استراتيجي أكد عليه القرآن. نلاحظ أن بعض الآيات جاءت مطلقة في بيان أن تغليب المصالحة وحسر دائرة التوتر والشقاق هو دائماً خير، يقول الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ (النساء من الآية 128) يعتبر صلح الحديبية من أكثر الأمثلة وضوحاً في تغليب المسلمين لحالة السلم على الحرب. إن الصلح مصدر الطمأنينة والهدوء، ومبعث الاستقرار والأمن وينبوع الألفة والمحبة.

 

الإحسان: الإحسان هو الرافد الثاني من روافد ثقافة الإسلام، وقيمة عليا من قيم الإسلام. الإحسان من القيم السيادية في رسالة الإسلام، وهي القيمة الأكثر شهوداً مع غير المسلمين، وبها تبرز جماليات رسالة الإسلام، وهي الحاضنة الفكرية والروحية لثقافة السلام التي تتميز بها تعاليم الإسلام. يعزز الإحسان فرص التعايش السلمي بين المجتمعات. فالإحسان يعطي حيوية للإسلام لا يتصور وجودها في غيره، وهي القيمة الأقدر على إرساء جسور التواصل بين الأمم وبث روح التعايش السلمي بين الناس.

 

الرحمة: الرحمة هي نزعة إنسانية وعاطفة روحية باعثة للعدل والإحسان، وقد آثرت ذكر هذه القيمة لسعة مساحتها في رسالة الإسلام من جهة، ولأثرها الحيوي في تعزيز ثقافة السلام الأهلي والعالمي. واستطاع الإسلام من خلالها أن يغير معالم التاريخ ويفتح القلوب المقفلة و الآذان الصم، ويحول العرب الذين تميزوا بقسوتهم وشدتهم إلى أصحاب حضارة سمحة رحيمة عادلة. فاستطاع الإسلام بذلك أن يسلب عقولهم وقلوبهم ويسوقهم إلى الخير والرشاد والرقي والفلاح.

 

التسامح: السماحة والفكر السمح ميزة جوهرية من ميزات رسالة الإسلام استقتها من إنسانية التعاليم ووسطية الفكر الإسلامي. ومن مظاهر سماحة تعاليم الإسلام أنها فتحت المجال واسعاً لكل أشكال البر لغير المسلمين، ولعل مرجع هذه التوسعة هو الطبيعة الإنسانية لرسالة الإسلام المبنية على احترام الإنسان. وما دامت رسالة الإسلام رسالة قيم وأخلاق؛ إذا من حسن الخلق رعاية الأخوة الإنسانية ببر أهلها والإحسان إليهم وصلتهم. سماحة الإسلام تبرز المظهر الحضاري لرسالة الإسلام، وتعزز من نهجها الإنساني الذي تميزت به، وهذا له دوره في تعزيز السلم العالمي.

 

تميز رسالة الإسلام بقيم كثيرة معززة لثقافة السلام، وتتميز هذه القيم بقدسيتها وإيجابيتها وحيويتها وشمولها ووسطيتها، وهي بمجموعها تكفل تعزيز السلام العالمي. إن القيم النبيلة والمبادئ السامية في رسالة الإسلام وربطها بالفلاح والرقي التي تعزز تجسيد ثقافة السلام في المجتمع بشكل لم يعهد له مثيل على مستوى البشرية، هكذا يرسم الإسلام الطريق الأمثل للسلام العالمي القائم على المحبة والسلام والود والاحترام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى