بحوث ودراسات

فرج كُندي يكتب: الخطاب الإصلاحي عند الشيخ رشيد رضا

Latest posts by فرج كُندي (see all)

يُقصد بمفهوم مصطلح الإصلاح، السعي إلى إقرار المعروف وإزالة المنكر من الأوضاع والتصرفات البشرية المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية .

وهو ما يتضح في الحديث الصحيح:

[من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان].

وأي منكر أشد من التخلف والجمود والجهل والفساد؟

إذ يتضح من سياق الحديث أن التغيير هنا هو تغيير نحو الأحسن، ومقاومة للمنكر والفساد كي يحل محله المعروف والصلاح، والتغيير هنا مرادف للإصلاح.

ويقول الله عز وجل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ

وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دونِهِ مِن وَالٍ}

(الرعد – آية 11).

قال : الإمام القرطبي رحمه الله قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ}

أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب.

الإصلاح من منظور قرآني

و(الإصلاح في المنظور القرآني ليس ترقيعا أو مهادنة مع الفساد، بل هو مقاومة له حتى وأنت تخالطه وتتعايش معه اجتماعيا وسياسيا؛

فالمخالطة والعيش المشترك داخل المجتمع هما ضرورة إنسانية وعمرانية، لا غنى عنها مادامت هناك إمكانية لهذا العيش،

وحرية في التعبير والدعوة إلى الإصلاح والتنظيم من أجل ذلك).

ومن هذا المنظور يجب على العاملين في المجال الفكري والدعوي والتربوي أن يكون هو القاعدة والمنطلق..

بل الركيزة التي يجب أن يقوم عليها مشروع النهضة الإسلامية المعاصرة التي هي استمرار للمشروع الإصلاحي..

الذي قامت عليه الدعوة الإسلامية وسارت عليه كل حركات الإصلاح الكبرى عبر تاريخ الإسلام.

وعلى هذا الأصل قامت حركة الإصلاح والتجديد على يد قادة الإصلاح والتنوير الكبار المتمثلة في الشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده رحمهم الله جميعا،

ثم (على الحدود المشتركة بين القرنين التاسع عشر والعشرين دوّى صوت إصلاحي فترجّع صداه في غير بقعة ومكان من العالمين العربي والإسلامي.

إنه صوت المفكر والمصلح الإسلامي البارز الشيخ رشيد رضا (1865- 1935م)

الذي كان عليه أن يؤسس لخطاب إسلامي سمته الاعتدال والانفتاح على الأخر دون إفراط في الأخذ ولا تفريط في الموروث الثابت.

رشيد رضا يدعو للاستنارة بالمدنية الغربية

 ولئن كان الشيخ رشيد قد دعا إلى (الاستنارة) المدنية الغربية، وهي التي تزحف بكل عدتها وعديدها نحو المكان العربي الإسلامي،

غير انه اعتبر من جانب آخر أن الإسلام ينبغي أن يكون الأساس المكين والمدماك الحصين للنهضة الحديثة المرجوة)

 أي الاستنارة مع التمسك بالأصول والثوابت دون إفراط في قبول كل ما هو غربي،

ودون تحجر رافض لما هو جديد ومفيد، ولا يمس الثوابت القطعية الدلالة والثبوت.

خطاب رشيد رضا الإصلاحي

(كان الخطاب الإصلاحي عند الشيخ رشيد رضا يحمل مضمون تربوي ديني أكثر منه سياسياَ،

وذلك انطلاقا من قناعته بأن ما يحتاجه المسلمون في عصره هو معرفة حقيقة دينهم قبل أي شيء آخر، والعمل بمقتضي ما ينص عليه).

وما أحوج الأمة اليوم إلى معرفة حقيقة دينها والعودة إليه ومعرفة واقعها ومحاولة الخروج منه،

ومعرفة احتياجات مستقبلها والعمل على إيجادها واستحضارها  .

(كان إلحاح الشيخ رشيد علي أن يعود المسلمون إلى  قرآنهم كيما يؤسسوا عليه نهضتهم وتقدمهم،

علماً أن استلهام مدنية الغرب وحضارته -وبالشكل الذي لا يتناقض مع الشخصية الحضارية للمسلمين- شيء لا يتعارض مع ما نص عليه القرآن الكريم، وما نصت عليه آياته)

الإصلاح بالعودة إلى الينبوع الأول

ويشدد رشيد رضا على الأمة في دعوتها إلى الإصلاح بالعودة إلى الينبوع الأول الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية،

وهو العقيدة الصافية ومعرفة الدين؛ من خلال الركيزة الأولى وهي القرآن الكريم،

فيعيد الكرة بمخاطبة الأمة بالعودة إلى قرآنها  الذي بدأت به غزتها لتحقق  به نهضتها.

(وإذا كان قد حض المسلمين سواء في رحلاته أو في كتابته على النهل من معين المدنية الغربية المتطورة في ثقافتها ومعارفها ،

وأنماط عيشها  وتفكيرها، فلأنه وجد ما يربط بين مدنية الغرب ومدنية الإسلام )،

فالمدنية من حيث كونها مدنية تقوم على احترام كرامة الإنسان وتحافظ على حقوقه وتكفل له الحرية،

فهي ظاهرة إنسانية طبيعية لا خلاف حولها كفكرة عامة،

ولكن الخلاف في التعريف والتفاصيل والمضامين التي يجب مراعاتها، باحترام خصوصية كل مجتمع؛ من هوية وعقيدة وأخلاق ومفاهيم وتصورات.

الإسلام هو دين العقل

(ويقرر -الشيخ رشيد رضا-  من منطلق أن الإسلام هو دين العقل..

فليس محظوراً علي المسلمين الأخذ من المدنية الغربية لا لشيء إلا لأنها من إنتاج العقل)،

وهذا التقرير لا يأتي من فراغ بل جاء من منطلق أن العقل الصحيح لا يتعارض مع النقل الصريح،

فكل ما جاء به العقل السليم لا يمكن أن يتعارض مع الشرع الحنيف،

لأن العقل هو هبة الله للإنسان الذي هو من نزل القرآن ولذلك لا يختلفان ابدا .

كما رفض الشيخ  رضا وتصدى للأفكار التي كانت سائدة التي ألصقت زوراً  وبهتاناً بتصوير الإسلام  كدين يدعو إلي -الزهد، والتقشف، وكره الدنيا-،

وأكد على أن الإسلام هو دين السعي والعمل، والإبداع الذي يٌفضي إلي التمدن، والتحضر، والعمران،

وأكد علي أن الجهاد في الإسلام في مفهومه العام الشامل يقصد به العمل والسعي والمجاهدة..

ورفض مبدأ الزهد السلبي والتقاعس والكسل والرغبة في التخلي عن الدنيا ومشاغلها.

ودعا في كل كتاباته إلى الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي،

جاعلا من مشروع الإصلاح الأداة الفاعلة في إيقاظ الأمة من سباتها،

وتنبيهها من غفلتها، وبث الوعي بين أبنائها بضرورة اليقظة..

ووجوب الانخراط في تهيئة الأمة في أخذ مكانتها بين الأمم..

وإعادة ريادتها من منطلق إسلامي ثابت راسخ..

وانفتاح منضبط ومقنن يساهم في الدفع بالأمة إلى النهوض دون أن تتخلى عن ثوابتها..

ولا تنعزل عن محيطها في خطوات ثابتة راسخة رسوخ عقيدتها التي شكلت هويتها. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى