آراءبحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الحملة الفرنسية (11) شعارات زائفة

Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

كل المواثيق والقوانين التي صيغت حبر على ورق،

والمواقف هي من تفضح هذه الدول التي تدعي الرقي وحقوق الإنسان وإلخ…

من صيحات وعبارات منمقة لا تعدو كونها ترهات وصروح فوق كثبان رملية لا تلبث أن تنهار مع تحرك باهت من الرياح،

يطبقونها حيثما وجدت مصلحتهم ويأكلونها وقت الحاجة، صنم العجوة المعد ليؤدي كل الأدوار حسبما يقتضي الحال.

انجلترا تغري عساكر نابليون

مازالت انجلترا تغري عساكر نابليون بما أوغر صدره،

فقد كانوا يستحثون عساكر نابليون من الجرحى والأسرى أنهم سوف يمنحونهم جوازات سفر يعودن بها إلى أسرهم ليخلصوا من الهاوية المعدة لهم،

ويعلم نابليون بفعل سميث القائد البحري الإنجليزي فيقرر فضحه وإبلاغ حقوق الإنسان بأنه من نقل الجنود في باخرة كان بها مصابون بالطاعون فضلا عن تلغيم الحصون حول عكا المحاصرة ولكن الانجليز ينجحون في وقف أعمال الفرنسيين،

وفي نهاية هذا السجال ينجح الانجليز والعثمانيون في إفشال كل أعمال نابليون العسكرية، وتصبح خسائره في الضباط ملحوظة،

خاصة مع عزم نابليون ترك الجنود المصابين بالطاعون لأنهم عبء عليه يسعى الضابط الانجليزي سيمث بالتقاط هؤلاء المرضى من مؤخرة الجيش ليقوموا بدعاية مضادة للمغامر نابليون.

 

يأمر نابليون عساكره بالانسحاب بعد فشل العمليات ضد يافا وعكا تاركين المرضى والجرحى، والذين قام البعض منهم بإنهاء حياة البعض بناء على طلبهم،

أما نابليون فقد كان يمنحهم الأفيون ليخفف عنهم الألم، وقبل مغادرة فلسطين أمر نابليون بتخريبها،

فتم تدمير كل شيء من الأرض المزروعة إلى المباني إلى المعدات،

لم يتركوا خلفهم أي شيء على حاله بما يعرف بسياسة الأرض المحروقة وأصبح عساكره ناقمين عليه ويلعونونه صراحة وتزداد شعبية كليبر وبذلك فشلت حملة سوريا.

 

الفرنساوية اعترفوا بارتكابهم مظالم

 

ويقول فيفيان دينون أحد رفقاء نابليون عن حملتهم العلمية التحديثية!!:

«إننا نحن الذين كنا نتفاخر أننا أكثر عدلا من المماليك،

قد ارتكبنا بشكل يومي وبشكل شبه اضطراري عددا من المظالم،

إن صعوبة تمييز أعدائنا من حيث اللون والشكل قد قادتنا إلى قتل فلاحين أبرياء كل يوم،

فالجنود المكلفون بالذهاب في عمليات شبه تفتيشية لا يفوتهم أن يعتبروا مكيين (القادمين من مكة)،

التجار التعساء الذين يصلون في قافلة،

وقبل محاكمتهم عندما يكون هناك محاكمة،

يتم إعدام اثنين أو ثلاثة رميا بالرصاص، ويتم نهب أو تبديد جزء من شحنتهم،

ونصيب السكان الذين جئنا إلى مصر من أجل سعادتهم، ليس أحسن حالا،

فإذا كان الرعب يدفعهم لدى اقترابنا إلى ترك بيوتهم،

فإنهم عند عودتهم بعد رحيلنا لا يجدون فيها غير القوالب الطينية التي تتألف منها الجدران،

وإذا ما أقمنا في قراهم فإننا ندعو هؤلاء التعساء إلى العودة وإلا فإنهم سيعاملون كمتمردين متحالفين مع أعدائنا،

ومن ثم فإنهم سوف يتعرضون لمضاعفة العبء الضريبي،

وعندما يستسلمون لهذه التهديدات، ويجيئون لدفع الميري، يحدث أحيانا أن نتصور أن عددهم الأكبر قد تجمهر،

وأن عصيهم أسلحة، ودائما ما يتعرضون لإطلاق النار عليهم بشكل عشوائي من جانب الرماة أو من جانب رجال الدوريات قبل أن يتسنى لهم توضيح مقصدهم،

صحيح أنهم إذا ما لزموا دورهم ودفعوا الميري واستجابوا لكل احتياجات الجيش،

فإن ذلك يجنبهم مشقة الرحلة والإقامة في الصحراء،

وقد شهدوا استهلاك مؤنهم على نحو منتظم، وكان بوسعهم استهلاك حصتهم، وكانوا يحتفظون بجزء من منافذهم،

ويبيعون بيضهم للجنود، ولم يغتصب غير عدد قليل من نسائهم أو بناتهم،

لكنهم وجدوا أنفسهم أيضا مذنبين بالتعلق الذي أبدوه نحونا وذلك أن المماليك عندما كانوا يحلون محلنا كانوا لا يتركون لهم مالا أو جوادا أو جملا،

وغالبا ما كان شيخ البلد يدفع رأسه ثمنا للإنحياز المزعوم الذي يتهم به»

 

إنه الاعتراف الصريح بالجور والظلم والاحتقار والسلب والنهب والاغتصاب والتعسف الذي يصفه أحد عساكر نابليون متحدثا عن قرنائه،

فماذا لو سمعنا هذه الأحداث من أجدادنا مباشرة؟

 

انحسار مغامرات نابليون

 

أصبحت فرنسا في مأزق خاصة مع القلاقل في الدول التي فرنستها في أوروبا وأصبحت تبسط نفوذها عليها مع تربص دول أخرى في أوروبا..

مما يهدد بانحسار ملك فرنسا التي كانت تسلك سلوك الدولة العظمى الساعية لتكوين إمبراطورية بشارة فرنسية ثلاثية،

يتزامن هذا مع الهزائم التي مني بها في حملة سوريا،

ومصر لا يأمن جانبها في ظل تفشي وباء الطاعون في جنده وهبوط معنوياتهم فأصبح رحيل نابليون وشيك، فقط مسألة وقت،

وقررت الحكومة بفرنسا عودة نابليون وعساكره من مصر ولو بأقسى الشروط وابتهج سكان فرنسا بهذا القرار.

 

أصيب نابليون بالإحباط بعد فشل حملة سوريا وتردي الأوضاع في أوروبا ولم يعد متحمسا لمصر كما كان عندما حل بجيشه إليها،

وهو من كان حريصا على إخفاء حالة التردي التي عاناها جيشه على أثر الهزيمة في سوريا..

فدخل إلى مصر في استعراض عسكري مهيب،

 

وعلى حد وصف لورانس:

«فإن مراقبا ذكيا كالجبرتي» لاحظ حالة الإنهاك على الجنود،

ولإثناء رغبة المصريين في المقاومة فقد اتخذ نابليون جملة من التعزيزات لجيشه واشترى عبيدا من السودان لتعويض خسائره البشرية،

وقام بإعدام المغاربة والحجازيين الذين حلوا من بلادهم لحرب فرنسا مع المماليك الذين نزلوا من الصعيد دون إذن،

ولأن الذخيرة غالية الثمن فلم يعد يستخدموا الإعدام رميا بالرصاص كما كان سابقا وإنما قطع الرؤوس،

كما تم إعدام المومسات اللاتي كن ينشرن الأمراض التناسلية بين الجنود عن طريق الإغراق في النيل إعمالا للشريعة الإسلامية التي تحرم على المسلمة معاشرة كافر

(وهل تحلل الشريعة للمسلمة الزنا مع المسلم؟!!)

 

النزعة القومية المصرية

 

مازال نابليون يأمل ألا يعود إلى بلاده إلا وقد حرك الساكن في بلدنا،

فلما مني بالفشل في خطابه بالإسلام السياسي عندما حل من بلده أول مرة،

ثم بتفجير نعرة القومية العربية لجأ لتزكية القومية المصرية،

فقام بإلقاء القبض على ابن قاضي العسكر وهذا المنصب كان يقوم بتعيينه الباب العالي؛

وهو من يريد أن يقطع صلة مصر بالباب العالي مذكرا إياهم أنتم مصريون..

كيف يترأس عليكم عثماني مما جعل الشيخ السادات يقول بانعدام المنطق لدى الفرنسيين:

«إنكم تقولون دائما أن الفرنساوية أحباب العثمانية وهذا ابن القاضي من طرف العثمانلي،

فهذا الفعل مما يثير الظن بالفرنساوية ويكذب قولهم خصوصا عند العامة»

 

ويطلب نابليون من الديوان انتخاب قاضيا مصريا فينتخبون أحمد الشافعي فقيه المذهب الحنفي، ثم يدغدغ مشاعر المصريين بهذا الخطاب العاطفي «جدا» فيقول:

«وأنتم يا أهل الديوان تهدون الناس إلى الصواب والنور من جنابكم لأهل العقول،

وعرفوا أهل مصر أنه انقضت دولة العثمانلي من أقاليم مصر وبطلت أحكامها منها،

وأخبروهم أن حكم العثمانلي أشد تعبا من حكم الملوك وأكثر ظلما.

والعاقل يعرف أن علماء مصر لهم عقل وتدبير وكفاية وأهلية للأحكام الشرعية يصلحون للقضاء أكثر من غيرهم في سائر الأقاليم.

وأنتم يا أهل الديوان عرفوني على المنافقين والمخالفين أخرج من حقهم،

لأن الله تعالى أعطاني من القوة العظيمة لأجل ما أعاقبهم، فإن سيفنا طويل ليس فيه ضعف.

ومرادي أن تعرفوا أهل مصر أن قصدي بكل قلبي حصول الخير والسعادة لهم مثل ما هو بحر النيل أفضل الأنهار وأسعدها كذلك أهل مصر يكونون أسعد الخلائق أجمعين»

 

ثم يقول هنري لورانس ناقلا شعورهم بخيبة الأمل:

وفي عصر علي بك يتم تمصير عموم القضاة في مصر ويتولى الفرنسيون عزل آخر قضاة العثمانية،

ولكن هذه المحاولة باءت أيضا بالفشل لأن العثمانيين في عين المصريين هم جند الإسلام المجاهدين الذين أنقذوهم من سيطرة الفرنسيين،

فيعودوا للالتحام بالعثمانيين بعد رحيل الفرنسيين.

 

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى