آراءبحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الحملة الفرنسية (7).. دعائم المحتل

Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

جيشه أولا وأخيرا، كان جيش نابليون مستاء من وجوده في مصر ويشعر بأنه نفي ما كان ينبغي له أن يحدث، فعمل نابليون على إصدار صحيفة ناطقة باسم هذا الجيش، تعبر عن توجهاته وأهدافه وتضخيم حجم انجازاته، والتقليل من شأن أي إخفاق حتى ولو كان هزيمتهم في معركة أبي قير البحرية، كما تم وصف احتلال مصر بأنه جعل من البحر المتوسط بحيرة فرنسية.

 

مازال محمد كريم يمثل للمحتل الغصة الواجب التخلص منها لأنه يقاومهم، فهم يرونه إرهابي يحض على أعمال عنف ضد الجيش الفرنسي (مقاومة المحتل إرهاب)

 

من أقوى دعائم المحتل أن يعتنق سكان الأرض المستعمرة فكره وقوانينه، فإن حل الوقت الذي يرحل فيه جيشه عن هذا البلد (وهو من يعلم يقينا أنه لابد أنه سيرحل يوما ما حتى ولو كانوا أحفاد القردة والخنازير المحتلين لفلسطين) بقي سكان هذا البلد يحيون بفكره وقوانينه ووفقا للآلية التي يراها، ونابليون الذي كان يسلك سلوك الروبوت الذي يلتزم بتوصيات مستشاريه المستشرقين يعرف جيدا كيف يمرر ما يريد دون أن يشعر المصريون خاصة، وأن نخبتهم مصابة بعلة الانقطاع عما وصل إليه الفلاسفة والمفكرون في أوروبا، مما تسبب في عدم ديمومة الاطلاع والتطور الذي يثقل الفكر فلا يقع العامة والدهماء في الذلل بل ولا يخلق لنا نخبة معتلة تستسخ منذ نابليون حتى بلغنا حضن ماكرون، وجهلنا السبل التي بها يتم خداع الشعوب ليسيروا وفق ما تريد فئة لا تنتوي بهم خير.

 

ومنذ حلول نابليون وجيشه إلى بلادنا حرص على ارتداء عموم المصريين الشارة الثلاثية (أتصور أنها علم فرنسا لأن قادة ثورتهم كانوا يقولون أن الشارة الثلاثية سوف تعم العالم)، وهذه الشارة تعني الانتماء للدولة التي ترمز إليها وإن أبدوا التبرم في البداية فلم يلبث تبرمهم أن انقلب إلى رضا حتى وإن لم يرتدوا الشارة الثلاثية فيكفيهم أن يصبح استخدام مفردات لغتهم نوع من الرقي والتعلم والثقافة وتصبح اللغة الأم لهذا البلد لا قيمة لها ولاوزن حتى بلغنا ما بلغنا في زماننا ندرس بلغات أجنبية والعمل في مجال ما يقتضي إجادة لغة واحدة أجنبية على الأقل، فجيش نابليون بمستشرقيه وعلمائه كانوا يقينا يعرفون أننا سنبلغ هذه المرحلة المؤسفة والتي تعني الرضوخ والانكسار وعدم القدرة على نزع أغلال المحتل التي كبلونا بها منذ حملة نابليون وعساكره.

 

كان نابليون يعقد ثلاث أو أربع اجتماعات كل عشرة أيام، كان يجتمع بالأئمة والأشراف والأعيان، بعضهم تحفظ على ارتداء الشارة الثلاثية التي كان واجب ارتداؤها لإظهار الولاء لفرنسا، لا يكف نابليون عن ممارسة المزيد من الخداع وطمس الحقيقة فقد هم بارتداء الزي الشرقي أثناء اجتماعاته كي يقنع الممتنعين بأنه لا يتردد في تبني شيء ما يخص الطرف الآخر غير أن تاليان أحد مستشاريه أقنعه بأن لا يفعل لأنه سيكون شيء مضحك فتخلى عن الفكرة.

 

وإمعانا في التضليل كما عادته يرسل نابليون إلى شريف مكة يطمئنه بأنه يرعى المحمل ويتكفل بالمؤن وتكلفة وتأمين قوافل الحج إلى الأماكن المقدسة فيقول له: «إننا أصدقاء للمسلمين ولديانة النبي، ونحن نود أن نعمل كل ما من شأنه أن يرضيكم وأن نكون مفيدين للدين».

 

(أين شريف مكة ليرى إساءة فرنسا الصليبية لنبينا وديننا، ثم نزعم رد الإساءة لنبينا فنضع رأس ماكرون فوق جسد كلب، فلماذا نسيء للكلب وهو الذي لم يسيء إلينا؟، ويضعون نعل حذاء على وجه ماكرون فلماذا ندنس الحذاء؟)

 

ترسيخ آثم:

 

أرسل نابليون رسالة إلى ديوان القاهرة للتعميم والنشر على نطاق واسع في مصر والبلدان المجاورة للدعاية لهم بأنهم ما أتوا إلا لتخليصهم من بطش المماليك وأنهم أصدقاء للدين الإسلامي والمسلمين ويكنون الاحترام والتقدير للقرآن وللنبي وهم حلفاء للسلطان، وأنهم قضوا على البابا وأخوية فرسان مالطة العدو الأزلي للإسلام.

 

(أخوية فرسان مالطة ما زالوا موجودين إلى يومنا هذا ولهم سفراء في كل دول العالم دون أن يكون لهم دولة، إنهم بذور الماسونية وحكومة العالم الخفية)

 

وأن لهم عدوا مشترك وهم المماليك ولذا من الممكن الوصول إلى تفاهم متبادل، فضلا عن الرسائل المماثلة إلى والي مصر بالمنفى، وباشا دمشق، والذي سعى للتواصل معه كأقوى شخصية بالمنطقة، أحمد باشا الجزار والذي أرسل إليه رسالة يؤكد فيها ما اعتاده سابقا وينفي شائعة رغبته في الزحف إلى القدس، وأنهاها برغبته في اعتباره صديقا له.

 

أبحر بوفوازان برسائله من دمياط قاصدا سوريا ولما وصل منعه الجنود من النزول كما هدده سكان وجنود عكا بسوء المصير، ويأمر الباشا بإبلاغه عدم قدرته على مقابلته نظرا لوجود رسل عثمانيين، وأنه سوف يلتقي به في غزة أو الصحراء ثم في القاهرة الكبرى إلى الحد الذي يمكننا اللحاق بنا عنده، ووصف هنري لورانس هذا المشهد بقوله «أن هذا التبجح ردد على مسامعي عشر مرات حتى لا أنساه».

 

لم تنطلي حيل نابليون على أحمد باشا الجزار الذي سلك مسلك الراغب في مقاومة المحتلين الذين سماهم هنري لورانس «بالثوار الفرنسيين» فإن نابليون أرسل مبعوثا آخر إلى أحمد باشا الجزار عند وصوله أودعه بالسجن وأعدم فيما بعد أثناء الحملة على سوريا.

 

حاول نابليون ترويض باشا سوريا ليكسب موالاته ولكنه فشل، وتم حصار مصر اقتصاديا من قبل انجلترا والباب العالي وأحمد باشا الجزار والي سوريا وإزاء هذا الضغط المالي على مصر فإن نابليون وعساكره فرضوا المزيد من الضرائب والغرامات المالية على المصريين خاصة وأن باشا سوريا قام بالقبض على كل التجار الفرنسيين والقناصل في ثغور البحر المتوسط مما يجعل من المصريين ينظرون لنابليون وعساكره على أنهم منافقون، وبدأ المحتل يظهر المزيد من حقيقته، فقد تم نشر وجوب حصر ممتلكات المماليك للاستيلاء عليها وممتلكات المصريين الذين يتوجب عليهم إحضار الحجة أو العقد الذي يثبت ملكيتهم لشيء ما، وواجه المحتل مشكلة أن بعض الأفراد يمتلكون دون أوراق رسمية وجاءوا بشهود يثبتون أنهم يمتلكون عقار أو أرض وماشابه، ولجمع المزيد من أموال المصريين ابتدع المحتل ضريبة على تسجيل العقود تقدم لمحكمة أنشأها المحتل تسمى المحكمة التجارية وأنزعج المصريين من جملة هذه الإجراءات خاصة وأن أعضاء هذه المحكمة يتكونون من ستة مسلمين وستة من المسيحيين ورئيسها مسيحي ويمتد اختصاصها إلى المواريث والأحوال الشخصية والتي هي متعلقة بالشريعة الإسلامية مما جعل الجبرتي ينظر إلى المحكمة التجارية على أن لها: «قواعد من الخبث وأساسا من الكفر ودعائم من الظلم وأركانا من البدع السيئة».

 

هناك الكثير من المصريين لم يستطيعوا إثبات ملكيتهم وكما أن المحتل رفض الاعتراف بشهادة الشهود خشية تفلت المماليك من حصر ممتلكاتهم، ويصف هنري لورانس كيف أن إدارة نابليون اعتمدت على الوكلاء المسيحيين الذين يجتهدون في زيادة المصادرات بهمة للدرجة التي يتوجب معها التخفيف منها.

 

ازداد التوتر في القاهرة بعد وصول أنباء أن الباب العالي يسعى لإرسال جيش لطرد الفرنسيين من مصر، وبدأ عساكر نابليون يبحثون عن جيوب للمقاومة تعمل في الخفاء وهنا بدأ جيش نابليون في اتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية التي بها يتقون مقاومة في الداخل أو هجوم محتمل من الخارج.

 

ومن العجيب في أمر نابليون وعساكره أنهم أقاموا احتفالات عسكرية مهيبة بمناسبة احتلالهم لمصر وسموه “بعيد الجمهورية” أقيم الاحتفال في القاهرة وعواصم الأقاليم، وهي تأخذ شكل الاستعراض بقوة جيش فرنسا وإن اتحدت الأعلام الفرنسية بالأعلام التركية واصطفت قلنسوة الحرية والهلال ولائحة حقوق الإنسان والقرآن (خلطبيطة تخص فرنسا الماكرة)، فهم يسملون الأعين بهذا المشهد الخادع كي يحظون بالطابور الخامس، في المقابل كانت معنويات عساكر نابليون في الحضيض خوفا من دخول جيش الباب العالي لدرجة أنهم عقب تلاوة القائد العسكري لبيانه لم يهتفوا بـ«عاشت الجمهورية».

 

استمرت عمليات المقاومة في مدن مصر وقراها والقضاء على جيوب المقاومة بالاعتقالات والقتل الممنهج ومعاقبة المصريين بعامة بفرض الضرائب الباهظة والإتاوات مع مراقبة تامة لسوريا تحسبا للهجوم المحتمل.

 

ومع تغير القيادات بين كليبر ومينو يبرز المحتل مرة أخرى عن وجهه فيرد نابليون على قواده بقوله: «أنه يتحمس لفتح مصر ليحولها إلى مستعمرة فرنسية غنية، تحل محل مستعمرات جزر الإنتيل الضائعة، وسوف تنتج مصر وفرة من البن والسكر والقطن والنيلة والقرمزية، وبفضلها سوف تصبح مصر سيدة تجارة أفريقيا والهند وهو يتمسك بانتهاج سياسة نموذجية تجاه أهل البلاد.»

 

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى