بحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الاحتلال الإنجليزي لمصر (10)

Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

النار المستعرة:

قابل الانجليز طوفان المظاهرات والاحتجاج الذي عم مصر كلها بالقتل والنفي والسجن لأسماء بعينها، إظهار القوة الغاشمة لتخويف العموم كي يقبلوا بمصر تحت الحماية البريطانية ولم تسلم القرى من تعسف المحتل فقد قاموا بسلب أموالهم والتنكيل والتعدي على ممتلكاتهم وأعراضهم كما قاموا بحرق قريتي البدرشين والعزيزية، ولما زاد تأجج النار خرجت مظاهرة نسائية تعضد الثوار وتقدم احتجاجات مكتوبة إلى سفارات الدول بمصر، ورغم أنني لا أحب استقطاب المرأة(المتعمد من المستشرقين والمنصرين) في حديث من نوع ما لأننا في الحروب والأزمات كلنا رجال ولكني آثرت ذكر هذا الموقف ودون التطرق لموضوع خلع الحجاب فليس هذا موضوعنا الآن (وليس خوفا من الفساق والزنادقة الحثالة الشرذمة الأوباش الذين يحلمون بأن تكون كل المسلمات بالمايوه أو على أحسن تقدير ببادي واستريتش، فلا أريد التطرق لهذا الشأن الآن).

من أجل أخطاء المتظاهرين في ذلك الوقت هو قطع أسلاك التليفون وقضبان السكك الحديدية فأصبحت القاهرة معزولة عن بقية القطر المصري وتعذر التنقل من وإلى أي محافظة إلا عن طريق النيل، ويبقى التكهن أو التوقع من مقامي هذا بأن الانجليز هم من دسوا عناصر ما لتقوم بهذا التخريب الذي أضر بالمتظاهرين أكثر من غيرهم.

عين المحتل الفاحصة:

سمحت السلطات الإنجليزية لمرور مختلف طوائف الشعب المشاركين في المظاهرات، وبالفعل انتظمت الصفوف وكل فئة تحمل العلم أو الشارة المعبرة عنها، سيلان المصريين في هذه المظاهرات كان دالا خاصة للمحتل نفسه وأتصور أنهم لم يسمحوا بهذا التدفق التتري إلا ليقيسوا درجة حرارة هذا السخط ليقرروا ما سيفعلونه فيما بعد حتى ولو لم يكن في نيتهم مغادرة مصر.

بلغت القوة الباطشة حدا غير مسبوق إذ أن القتل المروع لم يفرق بين رجل وامرأة وشيخ وطفل فقامت الحكومة الانجليزية بسحب السير ريجنالد ونجت وتعيين اللورد اللينبي مندوبا ساميا فوق العادة (الذي وطد أقدام الصهاينة في فلسطين) عله يفلح في إخماد نيران الثورة المشتعلة ويفرض على المصريين الولاء والطاعة للإنجليز، ولكن كان أول رد فعل هو إضراب الموظفين.

الإفراج عن سعد وزملائه:

محاولة احتواء يائسة، بالإفراج عن سعد ورفقائه من النفي فعادوا إلى مصر ليمثلوا المصريين في مؤتمر الصلح المنعقد بباريس ليدهشوا أن الرئيس الأمريكي ولسون معترف بالحماية البريطانية على مصر وعليهم أن يتفاوضوا بعد قبول هذا الشرط.

ولنا هنا وقفة، كيف يقبل المصريون بالتفاوض على وطن، وهل الأوطان تستقل بالتفاوض وتقديم الشكايات؟ وهل المحتل سينصاع لبنود تدبج في مؤتمر فيقف المندوب السامي وجيشه في صفوف يقدمون آيات الاعتذار والأسف عما بدر منهم رافعين قبعاتهم ويحنون هاماتهم؟ كيف يحدث هذا وهم مشبعين بالفكر الصليبي الاستشراقي (والذي أوسعته شرحا هنا في مقالات سابقة) كيف يقابل مجيئهم من بلادهم ليحدثوا فينا القتل والسجن والتشريد والاستيلاء على مقدرات بلدنا لصالح فكرهم الاستعماري الصليبي؟! أليس هؤلاء أحفاد ريتشارد وفيليب وكونراد وألفونس وإليزابيث، هذه الحروب كانت تقودها مباشرة أئمة الكنيسة، البابا رأسا فلما غاب مجتمع النبلاء بعد الحروب الصليبية والذين كانوا يقاتلون بعضهم البعض ورسمت ملامح دولهم وصفت الدساتير ، قام السياسيون بتلقائية شديدة نيابة عن أئمة الكنيسة بالاستجابة لنداء البابا أوربان الثاني الذي كان في كنيسة كليرمونت بفرنسا، أليس حكام هذه الدول هم من ينفذون قرارات مجلس الكنائس العالمي؟ مضافا إليهم خطط الصهيونية والماسونية، بعضهم أولياء بعض، إنه صراع الحق والباطل لا غيره.

 بعد حادثة مقتل تسعة عشر صحفيا في مجلة شارل إبدو في فرنسا خرج رؤساء كل أوروبا ومعهم منافقي المسلمين طبعا الذين كانوا يذرفون الدمع أمام الكاميرات لإثبات الولاء والبراء لهم، يقودون مظاهرة رفضا لـ«الإرهاب» وارتدى بعض المشاركين ملابس الحروب الصليبية، أي كشف نحتاج بعد هذا.

(قد يخرج علينا أناس من بني جلدتنا توجعهم إنسانيتهم ولا يوجعهم الإساءة لديننا «وهم كثر» ومنهم من شارك في هذه المسيرة الاحتجاجية ولا غرو ففي القرآن سورة كاملة عن المنافقين، هؤلاء يقولون بأن الإرهابيين هم السبب، ولمن لا يعرف شيء بهذا الحادث، تقوم مجلة شارل إبدو في فرنسا الصليبية من آن لآخر بنشر صور كاريكاتيرية مسيئة لنبينا، وخنزير يتبرز على الكعبة وما شابه ذلك، فقام بعض المسلمين أيا كان تصنيفهم بقتل بعض الصحفيين في هذه المجلة، ليخرج علينا إعلام الرايات الحمر في بلادنا قبل فرنسا ليصفهم بالإرهابيين ثم تلاوة الديباجة السخيفة الساذجة المذلة ببراءة الإسلام منهم وأنهم لا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين بجانب تبرئة ساحة المجلة لأن ما فعلوه يدخل تحت بند حرية الرأي «في سب الإسلام فقط» وهي في بلادهم بلا سقف)

نعود للاحتلال الإنجليزي الذي ذهب وفد مصري ليتفاوض معهم ويعرض فعل انجلترا بمصر للمشاركين رغم أنني أقسم بأغلظ الإيمان أن المشاركين يعلمون وطريق النجاة واحد لا ثاني له ولكنها الرجفة والإرجاء الذي يثبط الهمم، بالطبع عاد الوفد بخفي حنين فقد اعترفت الدول المشاركة بالحماية الانجليزية على مصر، وعاد المحتل الانجليزي أشرس من ذي قبل، يتعاملون بمنطق الأسياد والعبيد، يقتلون ويسجنون ويسلبون الأموال ويجلدون من يعصي أوامرهم ويحرقون القرى ويقيمون المحاكمات العسكرية في طول البلاد وعرضها، وإمعانا في إذلال المصريين واحتقارهم قام محمد سعيد باشا رئيس الحكومة المصرية بالاحتفال بمعاهدة الصلح فتعطلت الوزارات والمصالح الحكومية في هذا اليوم!!!

ظل الانجليز في الثلاثين سنة التي تلت هذه المعاهدة يراوغون بمفاوضات في كل مرة يخرجوا منها وهم أكثر قوة وأكثر جنودا وأكثر تثبيتا لأقدامهم بمصر وهكذا عندما يطلب منك العدو الدخول في مفاوضات فهي ليست إلا تحقيق المكاسب تلو المكاسب له ولن يحصل صاحب الحقوق المشروعة على أي شيء.

نفي سعد زغلول مع خمسة من أعضاء الوفد مرة أخرى إلى جزيرة سيشل ثم إلى جبل طارق نظر لظروفه الصحية فقام المصريون بمقاطعة البضائع الانجليزية وأحجموا عن تأليف الوزارة.

ولنا هنا وقفة مهمة، كلمة مفاوضات على وطن تعني أن صاحب الحق لن يحصل ولا على الفتات، كرومر كان يقول بمليء فيه جئت إلى مصر للقضاء على القرآن والأزهر والكعبة، لماذا دائما أعداؤنا معنا واضحين ونحن الذين نصول ونجول في التيه؟ما أصابنا التيه إلا لزيغ القلوب وانحراف العقيدة.

استقلال مشوه:

في 28 فبراير 1922 أسندت انجلترا لعبد الخالق ثروت تأليف الوزارة فوافق تحت جملة من الشروط وهي:

الاعتراف بمصر دولة مستقلة ورفع الحماية عنها، إلغاء الأحكام العرفية وتحتفظ انجلترا بحقها في تأمين مواصلات الإمبراطورية في مصر، الدفاع عن مصر من كل معتدي أجنبي، حماية المصالح الأجنبية والأقليات (خدعة مفضوحة كي يغادروا ويتركوا من يواليهم) والسودان، ويتم التفاوض مستقبلا على هذه البنود.

زادت عدد الجمعيات السرية التي كانت تتعقب الإنجليز والمتعاونين معهم من المصريين وقامت بعدد من الاغتيالات وطالبت السلطات الانجليزية بتعقب المعتدين ورصد مكافآت مالية كبيرة لمن يدلي بأي معلومات عنهم.

كان هذا الاستقلال الشكلي قد أعطى الفرصة لتكوين أحزاب تتصارع فيما بينها على الوصول لكرسي الحكم بينما المستعمر جاثما لم يغادر مصر فنسوا الهدف الأعلى وانشغلوا بسفاسف الأمور، واستعانوا في ذلك تارة بالانجليز وتارة بالقصر الموالي للمحتل وهكذا نجحت انجلترا في إلهاء الشعب واحتواؤه بالأحزاب والدستور بينما هي كلها كيانات جوفاء يقبض عليها بيده ويحركها كيف يشاء، ولم تقبل انجلترا أن يكتب في الدستور صفة الملك كونه ملك مصر والسودان لأنها تبغي فصل مصر عن السودان لتخرج من مصر بأقل الخسائر لأن فصل مصر عن السودان يضعف الإثنين ويقوي شوكة المحتل (الذي يعبث بالنيل الآن)، أي محتل ولنا في فصل الجنوب عبرة.

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى