آراءبحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الاحتلال الانجليزي لمصر (1)

فاتن فاروق عبد المنعم
Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

ثمانون عام فقط هي ما تفصل الاحتلال الانجليزي عن الاحتلال الفرنسي لنفس البلد، مصر، الفرنسي استمر ثلاث سنوات فقط، أما الانجليزي فقد امتد أربع وسبعون عاما، وبالطبع هي ليست إلا حروبا صليبية ممتدة وإن بدت بأسباب أخرى فكثيرا ما يكون المعلن غير ما يبطن، والقراءة الظاهرية فقط دون الولوج فيما قيل لتنبئنا بأن الثانية هي ليست إلا امتداد للأولى يفصلهما محمد على بأسرته والذي كان يمهد الطريق لاحتلال جديد باتخاذه الأجانب في المناصب العليا والحساسة في دولته، وأصدق ما يقال وأكثر ما يمكن الالتفات إليه هي تصريحات المحتل أو المنتصر لأنه رغما عنه يكشف عن خبيئته كلما تحدث، إما استهانة مدفوعا بغرور القوة أو استعراض مبطون بفرد العضلات حتى لا نرفع رأسنا أبدا فيكسرنا ونظل في ربقته، وإن لم يكن كذلك فأين قراءة وتحليل الاحتلال الفرنسي لمصر في زمانه، بل في زماننا، فالمسوخ بيننا مازالت تردد ما غرسوه في العقول ما يعني أن من بيننا من يتلقف فعل المحتل ويزينه وترى فيه الخير العميم، ولأننا لم نتحصن امتد في جنون شامل بالجزائر(وبمساعدة محمد علي) ثم حل مكانه الاحتلال الانجليزي في مصر وقال أمين عثمان وزير المالية عام 1940 دون خجل:

“العلاقة بين مصر وانجلترا هي علاقة زواج كاثوليكي لا طلاق فيه”

 

ومهما يقال عن  دوافع هذا الاحتلال من كون سفاهة الخديوي إسماعيل هي ما قادت مصر إلى هذا المصير فهو ليس إلا جنون العظمة ونزولا على نصائح المستشرقين هو الدافع الرئيس للاحتلال، المهم أن يبسطوا نفوذهم، وهم لن يعدموا الطريقة التي بها يحققون ذلك، وطالما أن كثرة الديون هي الثغرة التي منها اخترقتنا انجلترا إذن فهي مدبر لها بليل أن تحدث لتقودهم إلى مبتغاهم.

 

ألفريد اسكاون بلنت عمل بالسفارة الانجليزية في دولا إسلامية كثيرة حتى انتهى به الحال في مصر، وأزعم أنه سليم البناء من الداخل فكان لديه مصداقية وكان محبا لمصر والمصريين وصديق شخصي للشيخ محمد عبده، ونحمد له صراحته ونقاء سريرته في هذا التصريح الفج منه عن بلاده وأتصور أنه فكر المحتل في كل زمان ومكان، وهو واحد من داخل المطبخ السياسي يقول مخاطبا المصريين:

 

“احذروا منا فإننا لا نريد لكم شيئا من الخير، لن تنالوا منا الدستور ولا حرية الصحافة ولا حرية التعليم ولا الحرية الشخصية، ومادمنا في مصر فالغرض الذي نسعى إليه من البقاء فيها هو أن نستغلها لمصلحة صناعتنا القطنية في منشستر، وأن نستخدم أموالكم في تنمية مملكتنا الأفريقية في السودان”

 

ثم قال: “لم يبقى لكم العذر إذا انخدعتم في نياتنا بعد أن وضح الأمر فيها وضوحا تاما، فاحذروا أن تنساقوا إلى الرضى باستعباد بلادكم ودمارها”

 

“ثابروا على أن تعارضونا معارضة جهرية كل يوم، اطلبوا بلسان واحد وفي كل فرصة أن يوضع حدا لما تتألمون منه وأن نعود نحن إلى حظيرة القانون وأن نسحب جنودنا من بلادكم وأن نكف عن التدخل في شؤونكم، اطلبوا ذلك فإنكم بطلبه لا تخسرون شيئا إذ نحن غرباء عندكم ومن حقكم أن تطالبونا بترككم، ذكرونا دائما وبكل وسائل الإعلان بأن لا حق لانجلترا في أن تتصرف عندكم تصرف السيد وأنكم لا تريدوننا حامين لكم ولا مستشارين ولا منظمين لإدارتكم، ولا تتركوا لنا عذرا نعتذر به لندعي لأنفسنا شيئا من ذلك”

 

“أظهروا معاداتكم لنا بصراحة، ولكن لا تظهروها بثورات سابقة للأوان لا تفيدكم شيئا، بل تلك الوسائل التي تستطيعها كل الشعوب التي تبتلى بالأجنبي لتثبت له استياءها وهي مقاطعته في معاملاته التجارية والرسمية وفي علاقات الأفراد بعضهم ببعض”

 

“سالموا كل الناس لكن لا تحاولوا أن تسالمونا لأن كل محاولة من هذا النوع معنا تذهب عبثا ولأن كل نداء توجهونه لشعور العدل فينا وشعور الشرف والإنسانية يكون موجبا للسخرية وليس له عندنا سوى جواب واحد هو الاحتقار.

 

لا لم يبقى لكم سوى وسيلة واحدة لإقناعنا وهي أن تثبتوا لنا أن احتلالنا لبلادكم هو مصدر تعب لنا ينمو دائما ومصدر خطر عظيم علينا إذا شبت الحرب، أقنعونا بذلك إذ في اليوم الذي يفهم فيه ذهن جمهورنا الثقيل أن الفائدة من احتلال بلادكم لا توازي المتاعب والأخطار التي يسببها لنا، نرى أنكم محقون ونترك بلادكم وثقوا أننا لن نترك بلادكم قبل ذلك بلحظة واحدة”

 

ديون الخديوي إسماعيل:

 

كانت الطوق الذي به لفه المحتل حول رقبة مصر ومهما يقال عن الإصلاحات التي عملها في مصر فإن سفهه هو من سلم الدولة المصرية للمحتل وقادها إلى الخراب وقد وصف اللورد ملنر إسماعيل فقال: “المثل الكامل للتبذير، وأعظم من عرف في التاريخ بالسفه مع عدم الاكتراث بالعواقب، ولم تكن له مبادئ يصدر عنها بل كانت له أعمالا جنونية بامتياز تمتاز بأنها تشبه في ضخامتها ضخامة الأهرامات أو معبد الكرنك”

 

النظارة الأوروبية:

 

اجتمع الدائنون المرابون بعد إغراق مصر في الديون ووجدوا أن لا حل سوى تعيين مراقبان للدخل والنفقات لدى الحكومة المصرية لعجز مصر عن سداد الديون، أما المراقبان فكانا مستر رومين مراقبا انجليزيا والبارون دي مالاريت مراقبا فرنسيا.

 

وهو ما عرف “بالمراقبة الثنائية” وهذا يجعلنا نتوقف أمام هذا الإجراء لنشتم رائحة الخيانة من القائمين على البلاد في ذلك الوقت لأن القراءة المجردة لهذا الفعل لتقودنا حتما إلى الاحتلال المحقق، فقط يفصلنا عنه فواصل زمنية حبلى بحمل سفاح بل إن الاحتلال الفعلي لمصر بدأ منذ هبوط هذان المراقبان، فلماذا لم يخرج عقلاء الأمة في ذلك الوقت بإجراءات هي للبتر أقرب منها إلى توفيق الأوضاع مع زمرة متحكمة يقودها سفيه أرعن وهو الخديوي إسماعيل فتغرق السفينة بالظالم والضحية على حد سواء، ولن أقول ذلك القول الإلحادي “التاريخ يعيد نفس” وإنما أقول قول المؤمنين الموحدين: سنن الله لا تتبدل ولا تتغير، نذعن لها أو لا نذعن فهي ماضية وقاطعة كحد السيف.

 

وصف بلنت آخر عصر إسماعيل باختلاط الحابل بالنابل وكان كل همه ابتداع أنواع جديدة من الضرائب والمغارم كل يوم للاستيلاء على الأموال والمحصولات لسد الديون التي أثقل بها البلاد والعباد.

 

بالطبع اهتم المراقبان بسداد الديون في مواعيدها حفاظا على صورتهما وصورة بلديهما اللذان يمثلانها وبالطبع منعا عن إسماعيل وقصوره ونسائه ومطابخه وأتباعه جميع نفقات البذخ الذين كان يحيون فيها، وتم منع مرتبات بعض الموظفين المصريين، وقاما بتسريح بعض رجال الجيش وأظهرا التباهي بكفاءتهما لأنهما استطاعا تدبير أول قسط قبل ميعاده، ولكن نفد المعين للقسط التالي فأرسلا الجباة يحصلون الضرائب بالكرابيج (فقراء مصر دفعوا ثمن سفه وانحلال إسماعيل) وتفننا في بيع امتيازات الشركات ومصادرة المحاصيل من الفلاحين (عنوة واقتدار) ثم أرسل قنصل انجلترا خطابا يعرب فيه عن انزعاجه من تلك الإجراءات على المصريين.

 

يظل ابتزاز إسماعيل مستمرا من قبل المراقبين فاتهماه بأنه يخفي بعض الإيرادات عنهما ولوحا له بمقاضاة ناظر المالية أمام المحاكم المختلطة ورغبة الأمير حليم (عم إسماعيل) بعرش مصر، فاهتز إسماعيل الذي عدم البصر والبصيرة ليفهم أنه قدم مصر على طبق من ذهب للاحتلال المباشر، بعد سجال انهزامي وافق إسماعيل على طلب المراقبين بتعيين لجنة للتحقيق ولكنه اشترط أن يقتصر عملها على موارد الداخل فقط فرفض الدائنون فقال لهم أن لا سلطان عليه سوى الباب العالي بتركيا بالطبع رفضت فرنسا وانجلترا فأذعن في النهاية بأن يتم التحقيق في موارد الداخل والخارج.

 

وتألفت اللجنة من ستة أفراد كلهم أجانب عدا رياض باشا، وكان دليسبس الفرنسي منشئ قناة السويس رئيسا وروزفر ولسن الانجليزي نائبا وآخرين، ونظرا لغياب دليسبس كثيرا في فرنسا فكان روزفر هو الرئيس الفعلي.

 

كتب روزفر لبلاده أن الأمور في مصر لن تتحسن إلا إذا تولت هيئة أجنبية إدارة الأمور في مصر مما جعل قنصل فرنسا أن يكتب لبلاده معبرا عن انزعاجه من هذه الخطة وأن روزفر سيكون وزيرا لإسماعيل، واتهم روزفر إسماعيل أنه المسئول عن عجز الإيرادات وطلب منه التنازل عن أطيانه للدائنين فقبل صاغرا بعد أن أصبح ذليلا أسيرا في يد انجلترا وفرنسا، وإمعانا في إذلاله قال له روزفر أن الطريقة الوحيدة لإصلاح بلاده هي إجراء بعض التعديلات في طريقة الحكم فرد عليه إسماعيل قائلا:

 

“إن بلادي ليست الآن في أفريقيا، إننا الآن جزء من أوروبا فمن الطبيعي أن نترك تيه الماضي وأن نتبع نظاما مطابقا لحالتنا الاجتماعية”.

 

إسماعيل يتمسح في أوروبا ويدعي زورا وبهتانا أن مصر أصبحت جزء منها، أتصور أن هذا الرد له علاقة بما طالب به فيما بعد بعض المستغربين المتميعين الإمعات أمثال طه حسين وسلامة موسى ولويس عوض وغالي شكري والمتوثن أدونيس وكل كتاب الحداثة وما بعدها في الدعوة إلى اتباع أعمى للثقافة والقوانين الأوروبية بكل سلبياتها وإيجابياتها لأننا كما قالوا “ثقافتنا وجذورنا أورومتوسطية وأن هذه الدعوة ليست إلا عودة للأصل” إنها بذور الاستغراب التي بذرها نابليون.

 

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى