بحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الاحتلال الإنجليزي لمصر(8)

Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

زعامة قوية:

الاحتلال كالمرض يحتاج إلى مضادات قوية تقضي عليه، مصطفى كامل ومن بعده محمد فريد، أحدثا بعثا جديدا لدى جموع الشعب اليائس، دفعهما إلى ذلك حادثة دنشواي، وعلى الرغم من القبضة الأمنية الرهيبة في سنوات حكم كرومر العجاف فإن مصر كانت على شفا جرف هار والدمل أوشك على الانفجار في وجه انجلترا التي اقتاتت على عظام المصريين النخرة، فقد طاف مصطفى كامل العواصم الأوربية بما فيها انجلترا نفسها يشرح القضية المصرية وما فعلته بها انجلترا ليكشف عن وجهها الحقيقي حتى في عقر دارهم، فقامت انجلترا بإقالة الطاغية اللورد كرومر وتعين السير الدون جورسيت، كنوع من التهدئة أو المسكن فيظل المرض ويزول العرض.

ذل ومهانة:

فرنسا هي المنافس الطبيعي لانجلترا ولكي تأمن كلاهما جانب الأخرى تم اتفاقا وديا بينهما عام 1904.

يقضي بأن تطلق انجلترا يدها بمصر وتطلق فرنسا يدها في بلاد المغرب فأي ذل ومهانة واحتقار وضعت فيه بلادنا، قسمة ضيزى ممن حولونا إلى مستعمرات يقتسمونها دون وجه حق وكأن هذه البلاد أبعديات ورثوها أبا عن جد ولكن لا يلام اللص على سرقاته طالما أنه لم يرتدع وعين المحتل دوما رانية تقيس درجة وعي الشعوب وحسب هذا المؤشر تحدد السلوك التي ستسلكه، ضد الدول المحتلة بالطبع، فكان سحب الجيش المصري من السودان تمهيدا لفصلها ومن ثم احتلالها لتفعل بها ما تفعله بمصر وأكثر، ففي البداية قامت بتقسيم السودان بينها وبين مصر أي مناصفة في الإدارة لتستأثر بالجنوب.

(في عام 1945 أرسل صحفي بجريدة المصور لرئيس وزراء مصر آنذاك عن انتشار قوافل الكنيسة للتنصير في جنوب السودان وذكر الأهوال تلو الأهوال، فالجنوب كانوا أكثرية وثنية مع الفقر والجهل بأنواعه وكيف أن عملهم سهل ميسر ولا معوق لهم، ولم يستجب لنداء استغاثته، إنه العميل الذي عينه المحتل، البذر الذي بذره الاحتلال تميدا للانفصال 2011).

سلخ السودان عن مصر ثم اقتسام إدارتها معها تمهيدا لاسترجاعها كما أوهمت انجلترا الدولتين لهو الخسة والدناءة بمكان ولكن الباب المفتوح أوغر صدر اللص ليمارس عمله، هذا ليس إلا سلوك القراصنة وليس دولة. 

العاهرة ترتدي ثوب الفضيلة التي لا تناسبها:

رافق الثورة العرابية بمصر ثورة المهدي بالسودان، أما المهدي فقد كان يقود ثواره بإيعاز وتيسير من انجلترا ليثوروا على الجيش المصري المرابض في الجزء الخاص بمصر إداريا، كانت انجلترا تمهد لهؤلاء الثوار وتفسح لهم الطريق لتنفصل السودان عن مصر وتستأثر هي باحتلال السودان كاملا، وقضت الخطة القادمة من انجلترا أن تنتشر الفوضى وما يتبعها من الفقر والجهل والحوادث هنا وهناك ثم يأمر الحاكم الانجليزي بفصل السودان عن مصر خوفا من أن تمتد الفوضى إلى مصر، ففي عهد السمسار الأرمني نوبار تم سحب خمس وعشرين ألف جندي مصري من السودان تحت قيادة الجنرال الانجليزي جوردون دون استشارة مصر (قام كرومر بتعيينه حاكما على السودان) وهو من حث السودانيين على القيام بثورة على الوجود المصري ببلادهم، وهو من منع الجيش المصري من إخماد الثورة بالسودان لتنفصل عن مصر وتنفرد بها انجلترا لتتحكم في منابع النيل (الموجودة في بني شنقول التابعة للسودان وليس لأثيوبيا) إذا نجحت وثبات المقاومة بمصر واستطاعت الاستقلال فإنها تقوم بتطويقها من الجنوب من منابع النيل فيصبح وجود انجلترا بالسودان أهم من وجودها بمصر لأنه يمكنها من إحكام قبضتها على الدولتين فكانت حصيلة قتلى المصريين من الجيش والعاملين بالسودان أنذاك على أيدي المهديين ثمانين ألف قتيل دون رحمة أو شفقة بل وبجهل أولئك المتمردون الذين ذبحوا أنفسهم بسيفهم قبل ذبح المصريين ورافق ذلك قتل عددا من القواد الإنجليز الذين ضحت بهم انجلترا من أجل أطماعها السادية في السودان، أما السودان نفسه فقد مات خمس وسبعين بالمائة من السودانيين في ثورة المهدي والتعايشي ومن بقى منهم بقى يرتع في براثن الفقر والجهل والأوبئة ولم يكونوا أسعد حالا من الرقيق وتم القضاء على المؤسسات ومظاهر الحضارة التي شيدتها مصر بها، إنها مؤامرات الاستعمار التي لا تنتهي.

مع جلاء الجيش المصري من السودان (هذه الدولة لم تكن المتعارف عليها اليوم، الآنية كانت تسمى إقليم السودان أما السودان التي كانت خاضعة للدولة المصرية فقد كانت إريتريا وجيبوتي ومديرية خط الاستواء والتي تقاسمتها الدول الاستعمارية مع انجلترا، فاستولت إيطاليا على مصوع وإريتريا واستولت فرنسا على تاجور وجيبوتي وتركت هرر لتستولي عليها الحبشة واستولت انجلترا على زيلع وبربرة ومديرية خط الاستواء تمهيدا لإنشاء مستعمرة أوغندة وإقليم السودان وقامت بعقد معاهدة مع ألمانيا 1890 تقضي بأحقيتها في منابع النيل الاستوائية وأعالي النيل)

استعادة السودان بجنود مصرية على نفقة مصر:

ولم ينسى المحتل فرض إتاوة بمطالبة أحقيته باقتسام السودان مع مصر من خلال معاهدة 1899

أدركت انجلترا غور حماقتها عندما أخلت السودان من الحاميات المصرية بعد أن تحرشت بها الدول الاستعمارية مثل فرنسا التي تبغي مد غرب إفريقيا بشرقها عبر السودان الجنوبي، وكما صدر الأمر بفصل السودان عن مصر صدر الأمر باستعادته دون التشاور مع مصر، حدث هذا في زمن اللورد كرومر ومصطفى فهمي باشا الذي أذعن للأمر دون قيد أو شرط، أوعز الأمر إلى سبعة عشر ألف جندي مصري مع القائد الإنجليزي كتنشر مع لفيف من بعض الضباط الإنجليز والإنفاق الكامل من خزانة الدولة المصرية، وبعد نجاح الحملة دهش الضباط والجنود المصريين برفع العلم الإنجليزي بجانب العلم المصري (لا أعلم لماذا دهشوا) وأصدر اللورد كرومر أن الحاكم للسودان بشقيه المصري والإنجليزي هو من تعينه ملكة انجلترا، فماذا يمكن أن تكون للوقاحة عنوان غير ذلك ووقع على هذه الاتفاقية كل من الذليل مصطفى فهمي باشا والعميل بطرس غالي وزير الخارجية ولم يعلم الشعب الواقع في التيه ببنود الاتفاقية إلا فيما بعد، وقد أرسل اللورد جرانفيل لكرومر تلغراف يقضي بعزل أي وزير لا ينفذ إملاءات انجلترا، ومن ذا الذي يرفض وهم اختاروهم على أعينهم مصطفى فهمي وبطرس غالي، فقد مضى عهد شريف باشا ولم يبقى سوى من غلفت قلوبهم بعين القطر فلا يمكن للشجاعة والمروءة والفروسية أن تخترق قلوبهم ليسجلوا أسمائهم بأحرف من القطران الذي يعمل على ديمومة لعنهم أبد الدهر فما فعلوه بمصر هو ما قادنا للمساومة على النيل الآن.

حادثة دنشواي:

في إحدى القرى التابعة لشبين الكوم بمحافظة المنوفية في يوم 13/6/1906 قام خمسة من الضباط الإنجليز بصيد الحمام الذي يتكاثر وقت الحصاد فقام بتعقب الحمام الرابض على أحد الأجران فخرج إليه صاحب الجرن يطلب منه الابتعاد حتى لا يشتعل جرن القمح من طلقات الرصاص فاستمر الانجليزي في رعونته فأصاب زوجة هذا الفلاح بالخطأ فسقطت قتيلة مدرجة في دمائها فثار أهالي القرية الذين تجمعوا وانتزعوا بندقية الضابط الإنجليزي وأشيع الخبر بالقرية فقدم الخفراء وأبعدوا الأهالي عن الضباط ولكنهم ظنوا أنهم ما جاءوا إلا للتنكيل بهم فقاموا بإطلاق النيران عليهم فسقط شيخ الخفراء وأصيب خفير آخر وواحد من الأهالي فاشتد هياج الأهالي فانهالوا على الضباط ضربا بالهروات وقذفا بالطوب ثم احتجزهم الخفراء حتى تأتي الشرطة المركزية وقادوهم إلى المعسكر، كسر ذراع أحد الضباط الإنجليز وجرح اثنان جرحا خفيفا وأصيب ثالث في رأسه الذي فر مع زميل له إلى المعسكر ولكنه سقط من شدة الإعياء وحرارة الجو وواصل زميله حتى بلغ المعسكر، فقرر الجنود الانتقام فواصلوا السير حتى بلغوا سرسنا ووجدوا زميلهم المتوفى فظنوها دنشواي ووجدوا أحد الأهالي ينحنى ليسقى الضابط الماء فظنوه القاتل فانهالوا عليه ضربا ووخزا ببنادقهم حتى هشموا رأسه وسقط قتيلا.

قدمت المحكمة إلى دنشواي فاستوقفوا واحد وعشرين من أهالي القرية تم الحكم بالإعدام على أربعة منهم والجلد خمسين جلدة لثمانية والسجن الذي تراوح من سنة حتى خمس وعشرين مع الأشغال الشاقة، هذه المحاكمة التي لم تستغرق أكثر من ثلاثة أيام ونفذ الحكم في اليوم التالي ولم تتوفر بها أبسط قواعد حق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم، كان المعلقون على المشانق يظلون حتى اليوم التالي لإذلال ذويهم وردع من تسول له نفسه وهنا أدرك المصريون حقيقة الطريق الماضون فيه بقيادة المحتل فانطلق مصطفى كامل يكتب في الصحف الأوروبية عن تفاصيل هذه الحادثة مما كان له تأثير على الرأي العام العالمي وأحرار الإنجليز أنفسهم مما جعل الكاتب الإنجليزي برنارد شو لأن يكتب ستة عشر صفحة مقدمة لكتابه “جزيرة جون بول الأخرى” فقال فيها:

“إن الفلاحين لم يتصرفوا في هذا الحادث غير التصرف المنتظر من جمهرة الفلاحين الإنجليز لو أنهم أصيبوا بمثل ما أصابهم في الحرمات والمال، وأن الضباط لم يكونوا في الخدمة يوم وقوع الحادث، بل كانوا لاعبين عابثين وأساءوا اللعب وأساءوا المعاملة، وأن الفلاح الإنجليزي ربما احتمل عبثا كهذا لأنه على ثقة من التعويض، ولكن القرويين لم يكن لديهم هذه الثقة بالتعويض ولا بالإنصاف وأن أحد المشنوقين كان في الستين ويبدوا من الضعف كابن السبعين ولو لم يشنق لجاز أن يموت بالسجن قبل انقضاء خمس سنوات”

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى