بحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الاحتلال الإنجليزي لمصر(6)

Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

مختار بعناية:

اللورد دوفرين كان سفير انجلترا في روسيا ثم القسطنطينية، عليم بمدى ضعف السلطان العثماني وعدم قدرته على مساندة مصر ضد بلاده، حضر ودبج خطط ومؤتمرات لمناقشة الشأن المصري قبل الاحتلال لذا فهو «مستعمر خبير» عين حاكما انجليزيا على مصر بعد قدومهم بخمس وأربعين يوما ولمدة ستة أشهر فقط، وهو من وضع الدستور الذي انتهجه المحتل طيلة وجوده بمصر وهيكل شكل سلطة بلاده بمصر فعمل على الإمساك بناصية الجيش والشرطة ومن ثم القضاء واستصدر مرسوم بتاريخ 19 سبتمبر 1982 يقضي بحل الجيش المصري بمحاكمة ضباطه وتسريح جنوده وإعادة هيكلته(تنقية بعد الثورة العرابية) بإشراف ضباط انجليز وإنقاص عدد أفراده إلى ستة آلاف جندي فقط، وفي يناير 1883 عين السير إفلن وود قائدا عاما للجيش وعين كبار القادة من الضباط الانجليز، ومنذ ذلك الحين وقيادة الجيش في قبضة المحتل الانجليزي حتى رحلوا عن مصر، وبذلك فقد أمنوا جانب جيش مصر فلا خطر منه على وجودهم، وابتدع المحتل نظام البدل العسكري والذي لا وجود له في أي بلد في العالم ولا حتى في انجلترا نفسها فكان من لا يريد التجنيد بهذا الجيش يدفع لهم البدل أو (الجزية) بمعنى أدق لذا فإن المجندين كانوا من الفقراء المعدمين الجهلاء.

تطويق تام:

وكما سيطر المحتل على الجيش فقد سيطر على الشرطة أيضا، بتعيين كوماندا عاما للشرطة للقضاء على أي بذور لمقاومتهم، كما حلوا المجالس النيابية واستبدلوها بهيئات استشارية، وإحكام سيطرتهم على الجيش والشرطة، ووطد أقدامهم داخل مصر، وبالطبع القبض على وزارة المالية في مصر هذا الإجراء كان منذ عهد إسماعيل شراكة مع فرنسا والدول الدائنة ولكن بعد الاحتلال الفعلي على الأرض انفردت بها انجلترا دون غيرها، ومن أعاجيب انجلترا أنها جعلت ميزانية جيش الاحتلال ورواتب الموظفين الانجليز الذين تسللوا إلى المناصب الكبرى بمصر كلها تدفع من الخزانة المصرية، ولأن هذه الرواتب قد أثقلت ميزانية الدولة المصرية فقد استدانت انجلترا لمصر بدين جديد يضاف إلى كاهلها وهذا يعد اعتراف الدول الدائنة باحتلال انجلترا لمصر.

التعليم في زمن الاحتلال:

المحتل ديكتاتور، طفيل لا ينشط إلا في العفن والعطن، التعليم الجيد يوجب تعافي جسد الأمة من أمراضها وهو ما لا يقبله بأي حال من الأحوال، فالتعافي يوجب مطالبة الشعوب بحقوقها المشروعة من الاستقلال والحياة الكريمة وإزالة غلالات الزيف والجهل، فقامت انجلترا بوضع يدها على التعليم فبعد أن كان مجانيا في عهد إسماعيل بل إن غير القادرين كانوا يحصلون على المعونات المادية والطعام والكساء، أصبح التعليم بمصروفات وأغلقت العديد من المدارس العليا ووضعوا أيديهم على المناهج في المدارس المتبقية، فمسخت المناهج وحد من عدد الطلبة، وفي السابق أرسلت البعثات إلى الخارج أمثال رفاعة الطهطاوي وعلى مبارك ومحمود الفلكي وغيرهم ممن أنشأوا نهضة تعليمية بالبلاد، مع الاحتلال الإنجليزي تم إيقاف البعثات التعليمية للخارج مما يتضح مدى احتقار انجلترا «البارة بالمسلمين» للمصريين

الكتاتيب ومدارس اللغات:

جاء المحتل إلى مصر ووجد بها الكتاتيب منتشرة في أرجائها (وهي إرث إسلامي أصيل فيها يتم غرس صحيح الدين لكي ينطلق الدارس بعدها وقد تفتح ذهن الحدث على المتون التي بها يستضيء في غياهب الظلمات، فتكون له الحصن والمصل الواقي من الذلل بأنواعه) والكتاب لمن لا يعلم كان الطفل يلتحق به في سن مبكرة جدا، خمس سنوات أو ست على الأكثر ليحفظ القرآن بصفة أساسية ويتعالم مباديء القراءة والكتابة ومباديء الحساب، وفي غالب الأحوال الكثير من الأطفال كانوا يتمون حفظ القرآن كاملا في سن الثانية عشر، ما يعنى أن هذا الطفل أصبح حافظا ل12 مليون مفردة هي عدد مفردات اللغة العربية (عدد مفردات اللغة الإنجليزية ستة ملايين مفردة)سيواجه بها جملة المعارف والمطبوعات فلا إيحاش ولا استغلاق على الفهم لدى ذهن مدرب حرفيا على حفظ المعلومة واسترجاعها فلديه لغة طيعة قادرة على استيعاب كل جديد مع هضم القديم كتراث وأساس يتكيء عليه والارتباط باللغة الأم والتي بها يرسخ الانتماء وتوطيد الهوية ومن ثم الانطلاق نحو التعلم بمختلف أنواعه بعد غرس الأساس السليم داخل الطفل والذي هو لبنة بناء الأمة.

بالطبع لم يكن المحتل ليترك هذا الأمر على ما هو عليه وإنما عمل على هدم هذا الأساس بطريقة خبيثةوقلص ميزانية التعليم مقارنة بما كان، ولو أنه لجأ إلى إغلاق الكتاتيب ومنع التعليم الديني تماما لأيقظ الغافلين وكان رد الفعل المباشر عنيفا بنشر كتاتيب أخرى في “بئر السلم” لتخرج قوافل الحفاظ عليه بما يكره، فتركها وأنشأ شيئا آخر موازي لها وهو التعليم على طريقته أن أدخل اللغة الإنجليزية في جميع مراحل التعليم ودراسة المواد العلمية باللغات الأجنبية (فضلا عن وجود مدارس الإرساليات التبشيرية بأهدافها الخبيثة منذ محمد علي) وعد الالتحاق بهذه المدارس هو نوع من الرقي والتمدن والالتحاق بغيرها هو التدني بامتياز لكسر نفوس أبنائنا منذ الصغر وتنمية الشعور بالضعة والتدني أمام الآخر الذي يدرس بلغته، فضلا عن اضطراب الهوية وضعضعة الانتماء والتحول التدريجي نحو عاداتهم وتقاليدهم والتي تناقض صحيح ديننا فتنتج لنا هذه المسوخ التي نراها من حولنا الآن، لنظل نلهث خلف الآخر الذي لن يمنح عسله وحنطته إلا لمن يبيع دينه بعرض من الحياة الدنيا

{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}

فلماذ نندهش من وجود كيانات معيبة في كل شيء ونحن من أثمنا بالانقياد لخطط المحتل الذي رحل بينما نحن مازلنا بربقته.

قد يظن معتل النفس والقلب أنني ضد تعلم اللغات، بالطبع لا وإنما أنا مع التعلم المنظم، تعلم لغة قوم تأمن شرهم، ولكن ليس قبل سن الثانية عشر فبعد هذا السن فليتعلم الطالب لغتين في المرحلة الإعدادية وثلاث بالمرحلة الثانوية، كما ينبغي أن يكون تعلم لغة أجنبية في معامل لغات وليس التعليم المشوه الآني (ذو الأكسنت الصعيدي والفلاحي واللمبي……ألخ)

انتشر المدرسون الأجانب بالمدارس الثانوية وعين مستشارا انجليزيا بوزارة المعارف ليخرج كل قرار من بين يديه، فتربية أبنائنا شأن المحتل.

درس عملي:

في مدرسة التوفيقية الثانوية سأل طالب المدرس الإنجليزي الذي يدرس له عن موعد جلاء الإنجليز عن مصر كما وعدوا فقام المدرس برسم صورة على أحد جدران الفصل وكان يضغط بشدة على القلم ثم سألهم: هل تستطيعون أن تستخرجوا هذه الصورة من الحائط دون أن تحدثوا أي ضرر أو تشويه؟

فقد أراد المدرس أن يقول للطالب أن إخراج الإنجليز من مصر لا يتم إلا عبر تدميرها.

مدارس الحربية والبحرية العليا:

في عهد إسماعيل كان عدد المدارس الحربية تسعة وعدد طلابها 1090 فجاء الإنجليز فقلصوها إلى مدرسة واحدة وعدد طلابها مائة ويقوم بتعليم الطلاب مدرسون انجليز ولا يدرسون سوى أتفه المواد وأقلها نفعا للضابط المصري، وقد انحط مستوى طالبي الالتحاق بهذه المدرسة لدرجة أنه كان يتم قبول طلاب لم يلتحقوا بالمدارس الحكومية ويكفي أنهم ملمين بقليل من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ومبادئ الجغرافيا والحساب والهندسة بل إن هذه المدرسة عندما عجزت عن تخريج الضباط اللازمين للجيش فأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها إلى ضباط ولم تشترط فيهم معرفتهم للمواد الحربية فأي انحدار يمكن أن يصل إليه الجيش بعد هذا!!

وتم إلغاء المدارس البحرية وأغلقت الترسانة البحرية بالإسكندرية وبيعت السفن والبوارج البحرية وعددها 12 سفينة ولم يستبق منها سوى على “المحروسة” لأنها يخت الخديوي وألغي الحوضان العائمان لإصلاح السفن بالإسكندرية والسويس وبيعت السفن النيلية لشركة كوك الإنجليزية وفي عهد عباس بيعت بواخر البوستة الخديوية لشركة انجليزية بأبخس الأثمان وبذلك فقد قضى الاحتلال على الأسطول المصري بجرة قلم، كل هذه الإجراءات لإضعاف الدولة المصرية في مواجهة الاحتلال فلا يكون لها قوة تذكر تقاوم المحتل.

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى