آراءبحوث ودراسات

فاتن فاروق عبد المنعم تكتب: الاحتلال الانجليزي لمصر (2)

فاتن فاروق عبد المنعم
Latest posts by فاتن فاروق عبد المنعم (see all)

الاحتلال الفعلي:

مراقبان، أحدهما انجليزي والآخر فرنسي، نحيا إسماعيل تماما، ذلك المستبد الأرعن، وأصبح لهما الكلمة العليا في مصر كلها فلا تستطيع الحكومة اتخاذ أي قرار في شأن ما إلا بالعودة إليهما فهل للاحتلال صورة أو معنى آخر غير ذلك؟!

 

مسخرة لم تحدث من قبل:

 

لما اتفق الدائنون على وجوب مراقبين في مصر، كان إسماعيل يبرم اتفاقا مع الحكومة الانجليزية على أن يعين روزفر وزيرا للمالية في مصر فلما علمت فرنسا طالبت بوزارة في الحكومة المصرية وبعد سجال امتد بضعة شهور تم إعطاء فرنسا وزارة الأشغال (أعتقد أنها الزراعة والصناعة) فلما علمت إيطاليا والنمسا بتقسيم الغنيمة طالبا بوزارة لكل منهما فطالبت إيطاليا بوزارة الحقانية والنمسا طالبت بالمعارف، فاسترضيتا بأن عين إيطالي مراقب عام للحسابات ونمساوي مساعدا لوزير المالية، وهم بذلك محقون لأن الحكومة المصرية لم تفقد استقلالها فقط بل فقدت وجودها.

 

كرة الثلج المتدحرجة:

 

تنازل إسماعيل عن 425.729 فدان لروزفر فقامت الوزارة «الأوربية» التي تحكم مصر برهن هذه الفدادين لعائلة روتشيلد (اليهودية) مقابل قرض قدره 8.500.000 وكان يسمى قرض الدومين فدفع منه بعض الأقساط للدائنين (دين لسداد دين آخر) وكان من المفترض أن يدفع منه مرتبات الموظفين المتأخرة فلم يدفع منه شيئا ولم تلبث أن بدأت السنة الجديدة وعلى حد قول بلنت ذاب ما تبقى من القرض وأصبح هم الوزارة الأوروبية أن تجبي الضرائب لتدفعها للدائنين حتى بات في الأذهان أن هذه الوزارة الأوروبية إنما تحكم لصالح الدائنين وليس لمصلحة المصريين حتى أن مراسل جريدة التايمز كتب يقول :

 

«يؤكد أهل الدلتا أن الربع الثالث من ضرائب هذا العام يجبى بنفس الطرق التي كان يجبى بها فيما مضى، قد يعجب الناس إزاء ما يسمعونه من أن المصريين يموتون على قوارع الطرق وأن أراضي شاسعة قد تركت بورا لثقل الأعباء المالية المفروضة عليها وأن الفلاحين باعوا دوابهم والنساء بعن حليهم وأن أقلام الرهون غاصة بالمرابين يحملون وثائقهم وأن المحاكم لا عمل لها سوى النظر في قضايا غلق الرهون إجابة لطلب هؤلاء المرابين»

 

ثورة غير متوقعة:

 

حان وقت سداد قسط مايو ولم يكن في الخزانة ما يكفي فقامت الوزارة الأوروبية بتسريح 2500 ضابطا بالجيش ولهم متأخرات، رواتب ثمانية أشهر لم يتحصلوا عليها فتربصوا بنوبار باشا والسير روزفر وهما خارجان من ديوانيهما فهاجموهما ولكموهما وشدوا شاربيهما وسجنوهما في وزارة المالية، بالطبع لما علم إسماعيل بما حدث ذهب محاطا بحرسه إلى وزارة المالية وأمر الضباط بالانصراف فلما لم يستجيبوا أمر الحرس بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء فتفرق المجتمعون واستطاع بذلك أن يخرج نوبار وروزفر من سجنهما، واشتد غيظ روزفر بعد أن طالب إسماعيل بوجوب عزل نوبار باشا فاتهم روزفر إسماعيل بأنه هومن دبر هذا الحادث ليسترد بعض سلطته وبعد الكثير من السجال بين المتصدرين للمشهد قاموا بتبرئة إسماعيل (لأنهم متأكدون أنه ماتت رجولته وكرامته ولا يجرؤ على اتخاذ أي إجراء) ولكن ما حدث ليس إلا تعبيرا عن حالة الاستياء العام مضافا إليها استياء الضباط ورأى إسماعيل الفرصة سانحة لإزاحة نوبار وتوليه هو رئاسة الوزارة ولكن لم تقبل الوزارة الأوروبية بذلك فاستبعاد إسماعيل من الصدارة أمر لا رجعة فيه وتولى توفيق باشا رئاسة الوزراء والذي لا يستطيع أن يتخذ أي قرار على غير رغبة الوزراء الأوروبيين.

 

استفاقة من الكبوة:

 

هنا أدرك المصريون أن لا فرق بين الوزارة الأوروبية (الاحتلال المباشر) وبين إسماعيل (المحتل بالوكالة والذي هو أسوأ أنواع الاحتلال) فالمقاومة حق مشروع تجاههم جميعا فبدأوا في تنظيم الصفوف وتوحيد الكلمة وعقد الاجتماعات ورسم الخطط فكتبوا العرائض للوزارة الأوروبية تارة ولإسماعيل تارة أخرى يطالبون فيها بحكومة وطنية يحق للأمة أن تراقبها.

 

ومرة أخرى الفسل إسماعيل يراها فرصة سانحة لأن ينضم إلى عموم المصريين الراغبين في التحرر ليسترد سلطته على البلاد ونسي أنهم لا يفرقون بينه وبين الاحتلال الأوروبي.

 

روزفر المحتل:

 

لا يعرف سوى مصلحة بلاده وأنها دائما وأبدا لابد أن تكون صاحبة الكلمة العليا فأراد ضرب إسماعيل والحركة الوطنية في مقتل فأعلن تأجيل صرف القسط الجديد مايعني إعلان إفلاس الدولة المصرية وهو إجراء له ما بعده.

 

في تلك الأثناء خانه حسابه لأن الضرر سيطال كل فئات هذا الشعب، فكتب الأعيان مذكرة وقع عليها سبعون من علماء الدين منهم شيخ الأزهر وبطريرك النصارى وحاخام اليهود وستون من الباشوات وستون من البكوات وأربعون من الأعيان وعدد هائل من ضباط الجيش طالبوا فيها بعزل روزفر وإنشاء وزارة وطنية ومجلس نواب يراقب عملها، بعد كثير من السجال بين إسماعيل وبين قناصل الدول الأوروبية بأن الشعب لن يقبل بغير مطالبه المشروعة عين شريف باشا رئيسا للوزراء وانسحب الموظفين الأجانب من الديوان وكتب القنصل الفرنسي للحكومة المصرية يقول :

 

«إذا استمر الخديوي على الامتناع عن الرضى بمعاونة الناظرين الأوروبيين لحكومته لا يبقى أمام انجلترا وفرنسا إلا أن تحتفظا بحريتهما التامة في تقدير الحالة وفي العمل لحماية مصالح رعاياهما في البحث عن أفضل الوسائل التي تضمن لمصر حكومة صالحة»

 

فأجابهما إسماعيل أن الحالة التي عليها الدولة المصرية لم تعد تسمح بوجود المراقبين في الوزارة، فاجتمع ممثلو الدول الأوروبية بأن قرارات إسماعيل غير ملزمة لهم فشعر إسماعيل بتكالبهم عليه وأن لا محالة من الإذعان في الوقت التي أبرمت انجلترا وفرنسا اتفاقا يقضي بإرسال طلبا للباب العالي بعزل إسماعيل وقبل التقدم بهذا الطلب علم الباب العالي بنيتهما فقام بعزل إسماعيل وتولية ابنه توفيق وأثناء مغادرة إسماعيل مصر ليعيش في إيطاليا ثم في الاستانة قال لابنه :

«كن أسعد حالا من أبيك»

 

وعندما مات إسماعيل جاءوا به إلى مصر بقصر التين ليدفن بها في الوقت الذي كانت تمثل فيه إحدى الفرق الأوروبية الرواية التي طلبها هو بنفسه «أوبرا عايدة» فكانت نهايته على يد الأوروبيين الذين أعطاهم كل ما في مصر من مال وحكومة، لا على يد المصريين الذين أشقاهم وأشقى معهم مصر، جاء إسماعيل لحكم مصر وهي مدينة بثلاثة ملايين ولها حكومة مستقلة ورحل عنها وهي مدينة بـ99 مليون واليد العليا فيها لانجلترا وفرنسا والمناصب العليا فيها للأوروبيين دون المصريين.

 

التمثيل النيابي في مصر:

 

عندما حل نابليون وعساكره على أرضنا طالب بانتخاب عشرة يمثلون هذا الشعب داخل ديوان للنظر في الأمور الداخلية والفصل في الدعاوى، كان هذا هو الظاهر أو التصريح الذي يسمع ولكن في الحقيقة هذا الديوان كان ليسهل على نابليون احتواء هذا الشعب فتعامله يكون مع قيادات ينصاعون لأوامره التي يلزمون بها هذا الشعب المنكوب وليس لإنشاء الدولة الحديثة كما يحلو للمنتكسين أن يقولوا ليزينوا الباطل.

 

المرة الثانية التي طالب المصريون فيها بتنحية خورشيد باشا وتعيين محمد علي بدلا منه وهو خادعهم حيث أذاقهم الويلات فيما بعد وكان يحتفظ بالمناصب العليا في دولته للأجانب احتقارا وإذلالا للمصريين (لأنه عميل لمن دسه على المصريين)، ونزولا على طلب المصريين أنشأ محمد على مجلس المشورة حيث يعرض عليه كل مستجد بالبلاد وهذا أيضا كان من الخدع الكبرى للمصريين لأن محمد علي استبد برأيه دون غيره.

 

المرة الثالثة التي طالب فيها المصريون بإنشاء مجلس شورى النواب كان في عهد إسماعيل وتم تنفيذه في آخر سنة له في الحكم وكانت شروط انتخاب أعضائه من المتعارف عليه في هذا المقام حتى يضمن نزاهة هؤلاء الأعضاء.

 

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى