بحوث ودراسات

فاتن عبد المنعم فاروق تكتب: الاحتلال الإنجليزي لمصر (13)

هيكلة الإنسان:

هذا ما يعنيني من ذلك التناول، كيف انتهى بك المآل إلى هذه الصورة التي نراها أمام أعيننا، التغيرات الخارجية هي ترجمة للتغيرات الداخلية فيك أنت كإنسان، فاستيراد النظريات والقوانين من الدول الأعلى حضارة حتى ولو كان لا يناسبنا لما لنا من خصوصية ما، بل والاستماتة في الدفاع عنها وشرح أنها طوق النجاة ليعني أنه تم صياغتك من الداخل على مهل دون أن تشعر لدرجة قبولك كالأعمى بارتداء بنطال مقطع لا يصلح إلا ممسحة للبلاط، ولكن لأن الذي ابتدعه أعجمي المنطق واللسان من الدول التي تسبقنا حضارة فأصبح لديك جاهزية لقبول كل ما يرد إلينا منه دون قيد أو شرط والأمثلة كثيرة من حولنا نراها فلا داعي للاستزادة في أنواعها ولكن نركز على كيف تم هيكلتك من الداخل كي تصل إلى هذا الحال.

المصحف لتزيين أركان البيوت والسيارات!

أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر وقف رئيس وزراء انجلترا في البرلمان ورفع المصحف قائلا:

«طالما هذا الكتاب في أيدي المسلمين فلن نستطيع أن نغير فيهم أي  شيء»

إذن بديهيا مطلوب أن نضع المصحف ليزين أركان البيوت والسيارات يعلوه التراب وأن تحتقر اللغة العربية ومدرسيها ومشايعيها حتى أصابتنا عجمة المكنون واللسان سواء في نطق مفرداتها أو إدخال مفردات أجنبية في كل جملة ننطقها دلالة على الرقي والتمدن، أكثر من هذا وذاك أن تجلس خلفي في الحافلة أم شابة تعاف البهائم نسبها إليها تتحدث مع طفلتها ذات العامين بالإنجليزية تماما لمدة ثلاث ساعات بلا انقطاع.

تحدثنا في المقال السابق عن الفكر الاستعماري كيف يتسرب كالماء داخلك ليقر قراره طالما وجد البيئة الخصبة والظروف المناسبة لينبت بذوره وتصبح شجرة بجذور ضاربة في العمق، عمقك فيصبح فكر المحتل ضمن تكوينك وبناءك وصياغتك ولغتك ومنطقك فيسهل عليه في كل مرحلة أن ينجح في غياب النخب الحقيقية التي تعي وتفهم هذا فيتم تزييف الوعي الجمعي من خلال التعليم والإعلام والثقافة والفنون وما استجد من غول الانترنت التي من خلاله فتح لك المحتل عن قصد عوالم، هي لعينك مبهرة في الوقت الذي غاب فيه عنك التواصل مع جذورك والمتن الإلهي الذي هو من لدن حكيم خبير وقد رسم فيه لك الطريق والطريقة وعجزت أنت عن الفهم والإفهام نتيجة لعجمتك الضاربة عليك جيلا بعد جيل منذ الاحتلال الفرنسي.

المستشرقون ينتشرون

بعد الحروب الصليبية أو أثنائها انطلق المستشرقون في بلادنا والذين هم المستشارون الأول لأي محتل ومازالوا موجودون في بلادنا لم يبرحوها ولكن بأسماء ومسميات مختلفة، ليغشوا أعيننا عن الحقيقة وأيديهم مازالت تعمل وبكل قوة، هؤلاء من يرسمون في كل مرحلة مكتسبات جديدة حتى يبلغوا قمة الهرم، هرم تطلعاتهم في بلادنا.

في المرحلة الأولى كانت الحروب الصليبية التي لم تتوقف إلا من جانبا وهذا ما أحب أن أأكد عليه دائما، ثم انتشار المستشرقين ثم الاحتلال الفرنسي أعقبه محمد علي الذي صنعته المخابرات الإنجليزية ثم الاحتلال الإنجليزي ثم رحلت جيوشه بعد أن اطمئن أنه تم هيكلتك من داخلك والمستشرقون لم يغيبوا عن بلادنا وهم من يشيرون بما ينبغي عليهم أن يفعلوه طبقا لدراستهم لما نحن عليه على كل المستويات.

الوظائف العليا للأجانب فقط

محمد علي كان لا يسند الوظائف العليا سوى للأجانب وهو من أرسل نخبته إلى فرنسا يستقون من أساتذتهم المستشرقين بالأساس الذين اصطنعوهم على أعينهم، قد يظن مأفون أنني أرفض نشر التعليم لصناعة نهضة بالطبع لا ولكن عودة رفاعة الطهطاوي ليكتب كتاب «تلخيص الإبريز في باريس» يصف فيه مدنية فرنسا التي ربما والده وجده كانوا حاضرين ورأوا بأم أعينهم نابليون وجيشه وما فعلوه بمصر، بل ويمتدح حفلات الرقص بين الرجال والنساء والحرية التي ينعمون بها كون الرجل يراقص من يشاء منهن دون قيد أو شرطويضع يديه على خصر المرأة وهي تضع رأسها على صدره ولا يجد غضاضة في هذا الفعل بل ويتحسر لأنه غير متاح بمصر، ثم الخديوي إسماعيل الذي وقف داخل المعرض المعد سلفا في باريس وذكرنا ذلك في المقال السابق فعاد لينشيء القاهرة الأوروبية كي يشعر أنه تقدم في الوقت الذي يجري الديانة خلف الفلاحين بالكرابيج ليستولوا على محاصيلهم ليسدوا ديون إسماعيل وفكرة المعارض العالمية التي تم إدخال مصر فيها في القرن التاسع عشر فلما عاد إسماعيل إلى المعرض في باريس عاد بقاهرته الأوروبية والتي وافقت في ذلك الوقت الاحتفال بإنشاء قناة السويس ومدى أهميتها للمدن الأوروبية، وتضمن المعرض مسرح فودفيل الذي أنشأه لعرض أوبرا عايدة وتضمن المعرض أيضا القصر الذي أنشأه إسماعيل لحبيبته يوجيني بل وحديقة الأسماك التي كانت معدة لها خصيصا وكانت غرف القصر مشابهة لغرف قصرها التويلري، فقد كانت حجرة نومها التي أعدها إسماعيل من الذهب الخالص (وكأنه ينفق من حافظة نقود أمه)، لتتراكم الديون فوق ظهور فقراء مصر ليسددوها جيلا بعد جيل من عظامهم النخرة ولو كان للعدل قائمة لصلب إسماعيل حتى تأكل الطير من رأسه هو وحاشيته.

وهكذا فإن فكرة المعارض العالمية قد أتت ثمارها، فإعادة إنشاء المدن حسبما تريد الرأسمالية العالمية لتلتهم الأخضر واليابس وينتشر فكرهم في غفلة منا، فالحفل الذي أعده للاحتفال بافتاح قناة السويس والإنفاق بإسراف وسفهوالذي أثر على اقتصاد مصر لعقود بل ربما لم تفق من هذه الكبوة لأن الديون تبعتها ديون أخرى وعلى حد تعبير تيموثي ميتشل فإن تحويل الدول إلى سلع معروضة دليل على القبول بالتحول الاقتصادي والسياسي العالمي (الرأسمالي)

الواقع والقسري:

يحيلنا تيموثي ميتشل إلى الواقع المنظور من خلال شهادات مستشرقين مثل جوستاف فلوبير وستانلي لين بول الذي وصفوا مصر الحقيقية بشكلها المتناقض المضطرب وليست “مصر المقولبة” على هوى المستعمر الرأسمالي، كما قام بعض المصوريين الفوتوغرافيين بتصوير مصر ليوضحوا التناقض بين السلعة المعروضة في معرض وبين الواقع الذي ينحر كل الادعاءات.

ولم ينسى الأوروبي الذي يزور مصر ليصور ويصف ويكتب أن يبدي الاستعلاء والعنصرية في الوصف للغارقين في الجهل والفقر والديون المتوارثة من جيل إلى جيل فإن إدوارد لين الذي صعد قمة برج ومكتب برق عسكري ليرى القاهرة من عل كتب يقول:

«مشهد بالغ الروعة للمدينة والضواحي والقلعة وقد رسمت بالكاميرا الاستجلائية فور وصولي تفصيليا للغاية للمشهد ولا يمكن الحصول من موقع آخر على مشهد جيد كهذا للحاضرة»

الزائرون للقاهرة كانوا يستولون

بجانب هذا فإن الزائرين للقاهرة كانوا يستولون على أية مباني أو آثار متاحة لرؤية القاهرة كاملة، من بينها الهرم وتبين مدى الهوان الذي كان فيه أجدادناما كتبه أحد الزوار:

«كان يجري تنظيم مجموعات من البدو لرفع ودفع الزائر أو السائح إلى القمة، حيث يتولى بدويان آخران حمل الأوروبي على أكتافهما إلى الأركان الأربعة كلها لمراقبة المشهد»

وقد اشتكى جيريمي بنتام من زيارته إلى الشرق الأوسط فقال:

«إن مظاهرة الرعاع التي حاصرتني في شوملو لمجرد اختلاس النظر إلى المدينة من شيء يسمونه المنارة قد ألغت أية أفضال ربما كانت ستكون لهم علي بسبب المأدبة التي أقاموها لي في الديوان، لو كانت أفضل مما كانت»

ومما سبق يتضح لنا أن فكر المحتل اتكأ على ركيزتين متلازمتين، الأولى فكرة المعارض العالمية لتأطير الشرق في صورة من صنعه ليسحقه بالرأسمالية السياسية والإقتصادية والفكرية والاجتماعية، والثانية الحرص على الوقوف على حقيقة بلادنا من كافة جوانبها من خلال دراسات الكتاب المستشرقين والرسامين والمصورين الفوتوغرافيين ليخدموا أهدافهم التي لم يتوانوا في تحقيقها ولا فيمتو ثانية، ويبقى السؤال لماذا هذا الاهتمام بنا وعلى الفور تكون الإجابة الوحيدة هي للتأطير والاحتواء والتنميط، فنبقى لهم تابعين أبد الدهر طالما قبلنا صاغرين.

وللحديث بقية إن شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى