آراءأقلام حرة

غزوان البلداوي يكتب: ابن الرب!!

Latest posts by غزوان البلداوي (see all)

كما في كل مرة يتربع على صومعته، وسط حشود المحملقين في وجهه، وهو يشحذ لسانه، كشحذه للخنجر، ليمضي كلامه في عقول المستمعين، لكنه يفشل كعادته، فالشحذ بالحجارة لا يشبه الشحذ في الصخر، لأنها يا سيدي لم تمض في حده.

 

يتحدث وكأنه ابن الأنبياء, أو أحد الأوصياء, أو عبقري من عباقرة التاريخ, أو ولي من أولياء الله على شعب العراق المسكين، يتحدث وكأنه يحمل في قلبه همومهم وأحزانهم، لكن الواقع يتحدث في غير هذا، فلا فصاحة توحي بإرث الأنبياء, ولا حكمة تنم عن عقول الأوصياء, ولا أقوال خالدة بخلود العباقرة, ولا فيه من الهيبةِ والوقار تدل على ولايته, ولا مظهره يوحي بأبوة الفقراء، ولا هذا ولا ذاك.

 

فما بين أفعاله وأقواله، مد البصر في صحراءٍ قاحلةٍ، فرتلِ السياراتِ الحديثةُ الفارهة الباهظة الثمنِ، السائرة في موكبه، لا تفضي عن البساطة, ولا مِشيَته المترنحةُ بين الناس توحي بالتواضع، فمن رآه وهو يسير بين الفقراء، كأنه نازلٌ من السماء، لا يقول انه ابن أتقياء، تبختره بين العامة، بجسده الضخم المثير الذي يرادم أجساد الفقراء، فيرميهم عنه مسافة ميل وما قارب، يخلوا من الرحمة، ليس في نظرات عيونه نعمة, ولا في وجهه سماحة بسمة، فليعذروني لقصر بصري, وضعف بصيرتي, غولٌ يطأ رؤوس الناس في زحمة الطريق، ينفث فيهم ناراً تخرج من انفه، أشبه بتنين رسمت صورته على وجه غلاف رواية، تتحدث عن الأساطير حول تنينٍ يلفح بلهبه وجوه النَّاس.

 

قلبي أسود؟ نعم فهو كذلك، سودته أفعال أتباعه المشينة، قتلٌ وضربٌ وإهانةٌ, واعتداءٌ على كل من ينقده، أو  يعترض على تصرفاته، كأنه ابن الرب، الذي أمر رعاة أغنامه المملوءة قلوبهم حقداً على رعيته، الذين اخشوشنت أقدامهم الحافية بأشواك الصحراء، أن يجدعوا ظهور الرعية الساكنين جحور القصر، ليرسموا بسياطهم ابتسامته المدفونة بين ثنايا وجهه المنتفخ، على ظهورهم الخاوية، في ليلةٍ ظلماء, من النور خالية, عند درجة حرارة تسقع الهواء فيها, وهم عراة لا تسترهم غير مآزرهم التي مزقتها أعذبة السياط، وهي ترتل أناشد الفرعنة، على مسامع العبيد.

 

 

كلامه عن الإصلاح، لا صلة له إلا بالخراب، فَلَو بحث عن إصلاحه بمقدار بحثه عن المواقع الحكومية الفاخرة, ومناصب الدرجة الأولى في الدولة، والأماكن السيادية الكبيرة المثرية, لقطفنا ثماره حتى وان كانت غير ناضجة، أو يا ليته قد منحها لعراقيين شرفاء عسى وان نرى منهم خيرا، لكنه وهبها لعدد من الأتباع بين معروفين ظاهرياً, ومتخفين إعلامياً، نواب ووزراء وأسياد ومدراء، ووكلاء وسفراء، عشرةٌ عشرون, مئةٌ مائتان, ألفٌ ألفان، لا بل يزيدون على ذلك، ليقضموا البلاد قضم الإبل لنبتة الربيع.

 

يريد أن يصنع من نفسه فرعوناً للعراق، دويلات داخل دولة، همجٌ تابعون وعرابون جشعون، يغزون كل نافذةٍ في جسد العراق المنهوش من أحزاب السلطة، كلهم يشتمون الحاكم, ويلعنون الكرسي, يوالونه بموالات المغانم، ويلعنون دولته بعدما يرمونها عظاماً بلا لحم، مكسيةٌ بجلدٍ اسود تلون من جراء أفعالهم المغبرة، وأقوالهم المدبرة.

 

صرنا نراهم كمصاصي دماء، يسكنون أنفاق السياسة المظلمة، تلك الإنفاق المملوءة بريح الفساد النتنة، يخافون الخروج للعلن، من الشمس التي ستحرقهم إِنْ أصابهم شعاعها، إلى متى سيختفون، حتماً سيفضحهم آخرون وآخرون، نبذوا فسادهم وتركوهم يهرعون إلى ملاذٍ كانوا يعتقدونه آمناً، لكن لا أمان لكل من يعتاش على جراح الشعب المسكين، ويضحك على عقول البسطاء، ويأكل قوت الفقراء، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، ستشرق شمس الصباح، وتكشف زيف الأدعياء، وسيحق الله الحق بكلماته ولو كره المشركون.

 

سيأتي اليوم الذي سيفضحهم الله فيه، وينبذهم الناس، ويسلط الله عليهم الضعفاء، فيقتصوا منهم ومن أبدانهم كل شيءٍ قضموه، وسيكونون لعنة في صفحة سوداء من التاريخ، وحينها ستنتهي أسطورة ابن الرب القابع على خيرات البلاد التي تحولت إلا مولات ومتاجر ومزارع في لبنان والهند والسند.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى