آراءمقالات

عمق التربية الإصلاحية ومعايير التقييم

Latest posts by عبد المنعم إسماعيل (see all)

القارئ للتاريخ الإسلامي والمدرك لحقيقة المسؤولية الكونية للأمة الإسلامية عامة وأهل السنة بصفة خاصة مع متابعته لدروس الواقع وإدراكه لتحديات المستقبل يحدد حينها مفردات خطة العمل لتجنب تكرار الفشل في الواقع المعاصر أو المستقبل القريب أو البعيد وهي تنحصر في الآتي :-

 

التربية العميقة لأهل الإسلام كانوا قادة أو جنود، هي تربية ناتجة عن أمرين طبيعة المنهج الإسلامي الرباني الذي جاء بتصور شامل عن الكون والحياة والدنيا والآخرة وطبيعة الأولياء وطبيعة الخصوم العقديين للأمة .

 

التربية ليست مجرد تنمية ثقافات الأفراد بل منهج عقدي قائم على تصحيح اعتقاد الأفراد والجماعات البشرية المكونة للكيان العام للأمة الإسلامية .

 

التربية الشاملة هي العاصم من تمدد ظاهرة التيه والهوى للأفراد والقيادات بعيدا عن الفكرة الأم للمنهج الإسلامي والأمة الإسلامية على السواء فلا جنوح في جانب على حساب آخر ولا إفراط في رؤية بهجر أخرى موازية .

 

لزوم الرؤية الإصلاحية بشكلها العام وخاصة في مجال التنشئة الربانية لأفراد الأمة للوصول بالمجتمع إلى مرحلة التوازن بين الهدف أو الخطر القادم أو الداهم على الأمة أمر من الأهمية بمكان فالإصلاح سبب رئيس في نجاة الكون بأسره وما أشراط الساعة إلا مرحلة قدرية كونية حال تمدد ظاهرة الانتكاسة في إقرار المنكرات وعدم الغضب لله بمقاومة دعاة الفساد العقدي والفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي قال تعالى :

 

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ .

 

عمق التربية الإصلاحية دائما يوازي الهدف الأسمى عند الأمة وهو تحقيق الشهادة على الناس وامتلاك جيل من رواد الصلاح والإصلاح دون هدر لإمكانيات فرد أو عجز عن إدارة واقع ممكن أو مأمول بعيد أهواء العزلة عن الواقع بوهم دواعي الفساد أو بطش الإفساد أو الغلو في آليات المدافعة مما ينتج عنها تكفير أو فساد التفجير في بلاد المسلمين.

 

التنشئة الإصلاحية تعيد بناء رواد الأمة وقادتها على درب التوافق مع منهجية الجيل الأول الذي رباه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مع الإنتباه إلى ضبط المفاهيم العامة أمام عموم الأمة أفراد أو جماعات مثل مفهوم أننا أمة معصومة في جملتها لا في أفرادها خاصة بعد مرور مرحلة النبوة على صاحبها الصلاة السلام . مع وجوب التركيز على مفهوم أمة التوبة ومن توابعها وضع آلية للتعامل وحسن إدارة الخطأ لا التبرير للخطيئة، يجب إدراك أن منهجنا الرباني يقوم بعملية إعادة الهيكلة لكل ضحايا المعصية ومن ثم امتلاك القدرة على إعادة تنشئة الأسراب البشرية التي عاشت دهراً في رحاب العلمانية متى أرادت خلع ربقة التبعية ولزوم التحرر الشامل من البشر بتجسيد العبودية لرب العالمين بعد تمام التعرف عليه بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى ولزوم الخشية والرجاء وتحقيق الموافقة لأصحاب النعيم والمخالفة لأصحاب الجحيم في شتى البرامج الإصلاحية الشاملة .

 

يجب أدراك منهجية التفريق بين الخطأ والمخطئ فالخطأ واجب التصحيح له أما المخطئ فله منهجية حاكمة لتاريخه أو زاوية رؤيته للأمور فليس من أراد الحق فأخطأ كمن أراد الباطل فأصاب ومن ثم وجب الوقوف على أدوات البناء التراكمي للوصول إلى الإصلاح الشامل باستثمار نجاحات السابقين وهجر علل استهلاكهم في واقع أو ماضي قريب أو بعيد.

 

لسنا من دعاة استدعاء النظرة الملائكية على المصيبين من الدعاة أو العلماء ولسنا كذلك من دعاة الشيطنة والتكفير والهدم للشيخ أو للعالم لمجرد اجتهاد أو خطأ في تصور معين لواقع متغير تباعاً ولذا فحتمية استثمار جميع أبناء الأمة بما فيهم أهل العجز والكسل يجعلنا نمتلك رصيداً بشريا ومعرفياً قويا وأيضا يمنع على الخصوم السعي لاستثمار أبناء الأمة في تجديد مياه الجاهلية المعاصرة خاصة في صناعة التيه والتنازع البيني بين المسلمين لمجرد خلاف تنوع أو تضاد.

 

التربية الإصلاحية ومعايير التقييم

 

ارتباط معايير التقييم بأصول التربية الإصلاحية أمر من الأهمية بمكان ويجب التنبيه أن معايير التقييم للأفراد أو للأسر أو للجماعات أو للدول والأمة بشكل عام يجب أن يكون خاضعاً لمنهج القرآن في تقييم الأفراد، فهناك تقييم من جانب صحة الإعتقاد أو من جانب الواقع الإققتصادي أو من جانب الواقع المجتمعي أو من جانب الأداء السياسي أو الإعلامي أو العلمي بشكل عام ولكن القرآن إذا أراد الحكم على خيرية مجتمع دون آخر وضع للخيرية شروط كما قال تعالى : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ .

 

في الآية الكريمة، كان المدح وإثبات الخيرية للأمة بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلى المعروف هو التوحيد وأشر المنكرات هو الشرك فلا خيرية بلا توحيد ولا نجاة بمصاحبة الشرك .

 

وضوح معايير التقييم وتنوع مصادرها مفيد لعملية إعادة البناء للأمة بعد قرون الهدم المتوالي للبنية العقلية والنفسية والاقتصادية والسياسية للأمة الإسلامية فحين ننشد إعادة التقييم لا نفترض الشيطنة الكاملة لكل مخالف أو المدح الشامل لكل موافق بل نستبصر بوعي يتدرج في البناء بعيداً عن آليات الاستفزاز لخصوم بيدهم الهلاك على أولياء يفتقدون أداة السير نحو محاضن النجاة في الواقع والمستقبل ومن ثم لا نكرر الفشل في الواقع والمستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى