آراءمقالات

«عمارة» وهب نفسَه للإسلام.. وهذه مقترحات عملية

Latest posts by د. خالد فهمي (see all)

لم يكن موت محمد عمارة هُلْكَةَ رجلٍ واحد، وإنما كان هلكة أمة.. ولا ينبغي لأحد أن يحمل هذا الكلام على محمل المجاز..

 

الذين يدرسون منجز محمد عمارة، في مراحله الفكرية وتطوراتها، وهذا ما ينبغي أن يشغلنا في المرحلة القادمة؛ يلمسون أمورًا كثيرة للغاية.. يلمسون أننا أمام رجل كان يتحمَّل مسئولية الإسلام وكأنه الرجل الوحيد المسلم في العالم: خِطابه.. لغته.. موضوعاته التي يرتادها.. عكوفه الدائم والدائب على الإنجاز.. وَصْله الليل بالنهار.. عنوانات مؤلفاته.. المناطق الشائكة التي يدخلها.. الجبهات الكثيرة التي يَسدّها بقلمه وفكره وروحه..

 

أولّ ما يتبقى من عمارة، أننا أمام نموذجٍ وَهَبَ نفسَه للإسلام بالكلية..

 

فإذا ما انتقلنا إلى مسار آخر، وجدنا أن محمد عمارة لم يكتب حرفًا واحدًا، ولم يتكلم بحرف واحد إلا وشعاره أنه يبذل نفسَه بالكلية.. كأنني أمام رجل يستدعي بيتًا من سلطان العاشقين يقول:

 

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ *** في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

 

وكان عمارة يبذل نفسه في حق من يهواه، وكان من يهواه هو الله عز وجل، وكلّ ما تعلَّق بالله عز وجل: نبوةً، وكتابًا، وسنةً، وتاريخَ حضارةٍ مهضومة في هذا الزمن البئيس..

 

في البحث العلمي، “المنظور الكميّ” له دلالة.. والمتوقف أمام منجز محمد عمارة، من خمسينيات القرن المنصرم يشهد أمرًا عجيبًا..وأنا أدعوكم أن تقسّموا منجزه الكميّ على سنيّ حياته، واستخرجوا النتائج: ستجدون أننا أمام رجلٍ لم يكن ينام.. إذا قسمتم ثلاثمائة أدبية [ويزيد]، على اشتغالٍ دام ما يقرب من ستين عامًا، فأنتم واجدون أن الرجل يُخرج في العام الواحدِ ما يقرب على العقود من الكتب.

 

وقد هالني هذا الأمر، وتوقفت أمام أقل مسار خدمه، فوجدت أمرًا عجيبًا.. أنا منشغل بشريحة معرفية تتعلق بعلم المعجم عند المسلمين.. وكنت من نحو عشرين عامًا توقفت أمام منجز عمارة في المعجمية العربية الإسلامية المختصة؛ فهالني ما رأيت: لا توجد مؤسسة وطنية واحدة أخرجت إلى يوم الناسِ هذا، معجمًا في مصطلحات الاقتصاد في الحضارة الإسلامية.. فإذا بنا نفاجأ أن محمد عمارة يُخرج للناس معجمًا كبيرًا ضخمًا في أكثر من خمسمائة صفحة، تربو مداخله على الآلاف، في مصطلحات الاقتصاد في الحضارة الإسلامية.. طبع مرتين..

 

ثم ننتقل، فإذا به يقف وقفة عجيبة للغاية، تدل على وعي وإدراك حقيقيين بمشكل المفاهيم والصراع المفاهيمي في العالم الإسلامي؛ فيتفرغ فترة طويلة جدًّا، ويخرج للناس معجم الوسيط في المصطلحات الإسلامية، ثم يخرج معركة المصطلحات، ثم يخرج أشياءَ كثيرةً للغاية كان هاجسها الأعلى: أن المسلمين لا يحارَبون بالسلاح فقط، وإنما يحارَبون بمنجز اللسان.

 

وأنا أتصور أن العزاء الحقيقي في محمد عمارة يكمن بشكل عملي في عدد من المقترحات، مثل:

– تخصيص “وحدة” لبحوث فكر محمد عمارة ودراساته والثغور التي وقف عليها: ويمكن أن نقتدي في ذلك بعدد من المعاهد التي خُصِّصت في العالم الغربي لمنجز رجل واحد يدرسونه؛ ففي جنيف، مثلاً، أقامت الحكومة السوسيرية معهدًا في جامعة جنيف لدراسات سوسير؛ الذي هو واحد من أهم الأسماء اللغوية اللسانية في العالم المعاصر؛ مع أن عدد المخطوطات التي تركها هذا الرجل لا تتجاوز مئات الصفحات.

 

– إطلاق “دورية” محكمة: للعكوف على مراجعات منجزه: تتولاها إحدى دور النشر المرموقة، وينتدب المشغولون بفكر الرجل في المجالات المتعددة للعكوف مدة خمس سنوات على مراجعة منجزه، ومفاصل تطوراته.

 

– إطلاق “وقفية”: تواجه ما يمكن أن يسمَّى في المستقبل بمخاطر نقص التمويل؛ وهذا الوقفية تقوم في البداية على فهرسة منجزه، فهرسة ورقية تتطور إلى فهرسة إلكترونية في المستقبل، يستطيع الباحثون أن يطلعوا عليها، وربما تصنع جائزة لمن يهتم بفكر الرجل.. وقد يتطور الأمر إلى إصدار منجز جغرافي تحليلي يكون بمثابة المفاتيح لمن يروم دراسة الواقع والحضارة والفكر والتقلبات الإسلامية في منجزه، إضافة إلى الأعلام، المصطلحات، الأفكار، الصراعات، التيارات.. فهذا منجز ضخم للغاية.

 

– تشكيل “أمانة”: يقع على عاتقها التفكير والتخطيط ورسم السياسات، على هَدي ما تركه لنا من منجز.

 

فهذه مقترحات أولية للمسارات التي ينبغي أن نتوقف بإزائها، لخدمة رجلٍ خدمنا.. وقال لي عن سؤال لماذا تحرص على تحقيق تراث المعاصرين، من أمثال محمود شلتوت، ومحمد الخضر حسين: هذا الجيل جيلٌ يتيم، وأنا أحاول من خلال تحقيق أعمال الرُّواد المعاصرين أن أسترجع لهم آباءهم الذين لم يعيشوا في ظلهم.

 

كان محمد عمارة رجلاً وهب نفسَه بالكلية لله.. فكان ما رأيتم وآنستم..

أسأل الله العليّ العظيم أن يرحمه، وأن يغفر له.. وأن يكون مقامه في الجنة مقامَ عليين.. آمين..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى