آراءبحوث ودراسات

د. عماد نصّـار يكتب: نَوائِبُ الحَقّ

Latest posts by د. عماد نصار (see all)

في الحديث المعروف في صحيح مسلمٍ في بدءِ نزول الوحي على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلمَ يَرِدُ قولُ السيدة خديجة رضي الله عنها بعد أن عاد إليها النبي صلى الله عليه وسلم وقصّ عليها ما حدث فقالت:

“كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”

وقال الإمام البخاري في صحيحه برقم 2297

في باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَعَقْدِهِ

حديث ما كان من أمر أبي بكر مع قريش إذ خرج يريد الهجرة إلى الحبشة، وورد في جزء من هذا الحديث الطويل:

فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ -وَهْوَ: سَيِّدُ القَارَةِ-

فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي.

قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ.

وقد ذهب العلماء في تفسير قولهم (نوائبُ الحقّ) بما يشبه الاتفاق؛ أن نوائب الحقِّ هي ما يقع لحامل الحق قولا وفعلا من المصائب والتضييق من أهل الباطل.

وكما هو معلومٌ فإنّ مَن تصدّى لحمل الحقّ على عاتقهِ كان لا بدّ له أن يعيَ ويعلم التكاليف، وأنه ما مِن حامل حقٍّ لم يُضيّق عليه، وما من حامل حقّ لم يلقَ عَنَتًا ممّن حوله، فهذا دأب الحقّ أنه مُخالِف، إذ أن أكثر الناس من العامة، والعامّة في طبعها تؤثرُ المنفعة مع الباطل على الضيقِ والخسران مع الحق، وفضلا عن هذا فإنهم أكثر الناسِ، ولذلك فقد ورد في كتاب الله كثير من الآيات التي تنسبُ النقائص لأكثر الناس!

ومن ذلك:

قال تعالى:

“وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”

– قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨٧ الأعراف﴾

– إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٦٠ يونس﴾

– إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٧ هود﴾

– وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢١ يوسف﴾

– ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٠ يوسف﴾

– وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦٨ يوسف﴾

– وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١ الرعد﴾

– بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٨ النحل﴾

– وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣ النمل﴾

– لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦ الروم﴾

– وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٨ سبإ﴾

– قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦ سبأ﴾

– وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧ غافر﴾

– إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٩ غافر﴾

– ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٦ الجاثية﴾

– أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢ البقرة﴾

وما كرهَ الناسُ الحقّ إلا لتكاليفه، التي يجب على ابن آدم معها أن يتكلّفَ فيما يتكلفُ لَجْم نفسهِ التوّاقة إلى شهواتها، فالحلال والمروءة والفضيلة كلها يقضي بلجم النفسِ كي يبلغها المُحاوِل.

وتأمل قول الحقّ تبارك وتعالى:

” لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ “

وإن الصّبرَ على نوائبِ الحقّ من الحقّ، وهو معلومٌ من الحقّ بالضرورة، إذ أنّ الحقَّ بحسابِ التقوى إما أن يؤخذ كله أو يُتركَ كله، وأما بحسابِ الأهواء فيجوز أن يؤخذ بعضه ويُترك بعضه، وما الذي يُؤخذ وما الذي يُترك؟ إنما يؤخذ بعين أهل الهوى ما يَرفعُ من مقام صاحبهِ في أعين الناس في موقف ما، بشرط ألاّ يجرّ على صاحبه تبعاتٍ تضيّق عليه ولو ضيقت قليلا في مزاجه، فضلا عن القتل والسجن والحرب في الرزق والخوفِ على الولدِ والمال، ويُتركُ من الحقِّ كلُّ ما جرّ تبعةً وإن صغرت.

وعند أهل الله جلّ في عُلاه، فإن الحقّ يؤخذ كُلاّ ودِينًا وتقوى، وتهونُ فيه المصارعُ وتسيل فيه النفوس على حدّ السيف، وتُدقّ فيه الأعناق، وتُلوى وتُنكّسُ على أعواد المشانق، فما بالك بكل ضرر دون هذا؟

أما مَن أخذ من الحق وترك، فما هو إلاّ مَن قال فيه الحق تبارك وتعالى:

“أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)”

ووالله الذي لا إله إلا هو إننا لنرى خِزيَ هؤلاء في الدنيا.

فإن كان المسلمون والمؤمنون يزعمون أن نبيّ الله محمدًا صلى الله عليه وسلم قدوتهم، فقد وجب الاقتداء به كُلاًّ واحدا قائما بنفسه، لا قدوة نخلط معها سواها من قدوات، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُعين على نوائبِ الحقّ كلَّ من أصابته منها نائبة، وكذلك كان خليله الصِّدِّيق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك كان كثير من الصحابة الكِرام رضي الله عنهم جميعا.

غير أننا يجب أن نلحظ أنّ مَن أعانَ على نوائبِ الحقّ، فهو بالضرورة يقولُ الحقّ ويفعله، وليس يُعين مَن وقعت عليه مصيبة بسبب حقّ قاله، ولكنه لا يقول مثله ولا يفعل، بل يقول الحق ويفعله، ويُعين من وقعت عليه نائبة حقّ كذلك.

وأخيرا؛ فالعَوْنُ على نوائبِ الحقّ من الدِّينِ ومِن نُصرة الدِّين، وإلا فماذا كان الأنصار في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وماذا فعلوا فكانوا أنصارا؟

ألم يقل الله تعالى: “إن تنصروا الله ينصركم”؟

بلى والله قال، فما هي نُصرة الله المُشترَطة علينا كي نُنصَر؟

انظر وتأمل ثم أجب نفسك!

كم عدد أهل الحق في زمان الغُربة هذا الذين تعرضوا لنوائب الحقّ وما وجدوا مُعينا عليها؟ وكم عدد من يزعمون الاقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يُعينوا رجلاً واحدا ضُيّق عليه أن يقول ربي الله؟

كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث رجلاً يُعين على نوائب الحق، وبعد أن أصبح خاتم النبيين كان كذلك، وكان صِدِّيقُهُ رضي الله عنه كذلك، فإن كنا لا نقتدي بمن في نهجهم العزة، فبِمَن؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى