آراءأقلام حرة

على أبو رابعة يكتب: وما أدراك ما التطرف (2)

Latest posts by علي أبو رابعة (see all)

ذلك التطرف الذي نشأ نتيجة وجود فراغ فكرى، فتم سده بأفكار هدامة تستند على أجزاء من الحقيقة، وليس استنادا على الحقيقة بأكملها.. فكان الاقتناع التام، نتيجة عدم وجود معرفة وفهم كاف ملم بالموضوع.. ذلك هو الهزل ،هو الفساد في الأرض.

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ…} الآية، سورة البقرة ..

نعم! إن الإشارة هنا للتطرف الديني.. وبالأخص لمن يظنون أنهم علماء دين بمجرد أنهم درسوا، وتدارسوا، وذاكروا، وتذاكروا، ولقنوا، وتلاقنوا كل أحكام، وآداب الدين الإسلامي.

فقد تكون عالمًا إسلاميًا كبيرًا، لكن قد تكون أعمى كما كان من أعلم منك -من وجهة نظري- أعمى، والعبرة أستنبطها من التاريخ الإسلامي.

عبد الرحمن بن ملجم المرادى ،تلك الشخصية التي اعتاد الناس في اليمن أن يجدوه عن يمين معاذ بن جبل أو عن يساره أو خلفه ،تلك الشخصية التي كانت تتلمذ على يد معاذ بن جبل.. يوم أن كان معاذ إمام العلماء، والفتوى فتواه، والفقه فقهه، والقضاء قضاءه، وتلقين القرآن لا يكون إلا بين يديه، حيث لم يكن هناك مذاهب، لعدم وجود من يضاهى معاذ فى علمه.. معاذ الذي أرسله النبي إلى اليمن؛ كي يعلم الناس أمور دينهم، ويعلمهم القرآن ..أرسله النبي بعد تلك الثورة التي قامت ضده من قبل الدائيين له، فاشتكوا للنبي معاذا؛ لأن النبي هو الشخص الوحيد ،الذي لن يفر منه معاذ إلى نهاية الرواية أو الحكاية أو الحدث التاريخي ،فأرسله أيضا ليسد ديونه، وفعلا سددها في عهد أبى بكر ..!

فأرسله النبي -أيضا -، وكرمه بهذه المكانة لأنه يثق في شخص معاذ ..حيث ضرب يوما النبي على صدر معاذ ثم قال له: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، إلى ما يرضى به الله ورسوله .”

وأيضا ذلك الحوار بين النبي ومعاذ – النبي يسأل ومعاذ يجيب- :

-بماذا تقضى إن عرض عليك قضاء ؟

-أقضى بما في كتاب الله .

-فإن لم يكن في كتاب الله ؟

-أقضى بما قضى به الرسول.

-فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟!

-أجتهد رأيي ولا آلو .

فهذه إمارات تدل على مدى ثقة النبي في علم معاذ بالدين الإسلامي المحمدي.. ولو كانت العالمية وقتئذ لتيم النبي معاذا بها .

نعود إلى تلك الشخصية المنوطة بالمقال ..عبد الرحمن بن ملجم الذي قال عنه معاذ أنه كان يهضم القرآن هضما أكثر من مسلمي قريش والمدينة على الرغم من حداثة سنه، وحداثة عهده بالإسلام .

وكان ابن ملجم يسجل ويدون كل ما يقضى به معاذ بين الناس.. ويحفظ عنه الأحاديث النبوية الشريفة.. وابن ملجم أرسله عمر بن الخطاب إلى جيش الإسلام الذي كان يحاصر حصن بابليون بمصر على مشارف النيل بقيادة عمرو بن العاص.. كي يقرأ عليهم القرآن ويفسره لهم ويعلمهم إياه.. كي يخفف عنهم مشاغل الحرب وغمها وهمها قليلا .

فهو شخصية تعلمت وتربت على يد معاذ وكان تلميذا وخادما لمعاذ، فحيث يسكن معاذ يكن، وحيث يستقر يقر، وحيث يكون يلتجئ إليه حتى يوم أن ترك اليمن قاصدا بيت الله الحرام رافقه.

لكنه انصاع وراء الشائعات التي كان يبثها عبد الله بن سبأ في عقول حديثي الإسلام.. بان على بن طالب منع حدا من حدود الله وهو اخذ القصاص ممن قتلوا عثمان بالكوفة، وحينما نقل على مقر الحكم للكوفة، سادت شائعة بأن أراد أن يكون قريبا ممن قتلوا عثمان لأنه من حرضهم على قتله من البداية ليخلو له الجو يصبح أميرا للمؤمنين ..خزعبلات في خزعبلات تملأ عنان السماء وقتئذ.. فاعتقد تلميذ معاذ بن جبل أن على كافرا، ولا يؤمن بكتاب الله، فأراد قتله؛ ليحمى كتاب الله

ذلك الرجل عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وصديق له حديث العهد بالإسلام مثله يدعى شبيب، تربصوا لأمير المؤمنين على بن أبى طالب فجرا، حال شبيب قتله، لكن بن أبى طالب كشف أمره فضربه فأسقطه أرضا ،لكن ابن ملجم جاء من الخلف وطعنه طعنة غدر.. وقال: “تقربت بقتله إلى الله .”

ماذا تقول فى ذلك ؟ ..أليس ذلك تطرف ،ناجم عن عماء فكرى.. أن تظن أنك الأعرف والأعلم والأزكى والأصوب والأفضل .

وهذه هي آخر محطة، قادنا إليها قطار التشدد الديني، ونكران ما يسمى بالعقل، والإتباع الأعمى، وتسيس الفقه.. إلى آخره من سمات تدل على أن مالكها ضرير أعمى .

يرهبون الناس فى المساجد ، ويريدون قتل المسيحيين، بل ونفيهم من الأوطان.. يحملون الحقد والغل لهم ،لدرجة أن أحد هؤلاء العمى، قال لي يوما:” لماذا لا نفرض عليهم الجزية”.

يكونون جماعات سرية، من أجل طلب السلطة.. ويضحكون، بل يخدعون البلهلوانات، الذين ينضمون إليهم باسم الدين، ونشر الدعوة الإسلامية.. هؤلاء لا يقبلون النقد، ولا يقبلون المناقشات، والمحاورات.. يكرهون المفكرين، لن أحدثكم عن كم الاتهامات ومحاولات الاغتيالات لطه حسين.. وتهديد العقاد بالقتل، وتهديد بل محاولة قتل نجيب محفوظ.. إلى آخر ما تحمله المحادثة من تذكير.

فالمنهج واضح وصريح.. هو إشباع رغبة السلطة باسم الحاكمية الإلهية، ونتيجة كل ما تم سرده،بل نثره بطريقة مدمجة،أن انتشرت العنصرية في بلاد الغرب التي يعادونها، ويتمنون قتلهم، لا قتالهم، ولا هدايتهم.. فبات الشاب الأمريكي يترك كل البنات العاريات من حوله ويطارد المحجبات المسلمات ..بل انظر إلى باريس بلد الجمال، وأكبر دولة يسكنها مسلمون فى أوروبا، دهس- منذ يومين- رجل باريسي مسلمين خارجين من أحد المساجد.. والأيام ستنثر لنا الكثير، لأن هذه بوادر شر، لا خير فيها.

هذا كله فوق عاتق كل متشدد، وكل مسلم يرى أنه كامل الدين، والوسط المحيط به ذو دين منقوص.. لا عندك أنت وهو، أنتم لا تروني، ولا تبغون سماعي.. وبالتالي أنتم صم بكم عمى والسلام!

إن المرضى بالاسلاموفوبيا متطرفون.. وكل أفعالهم تلك حمق كبير الكبير، فإن التطرف لا يقف -بتاتا- على كتف الإسلام وكفى.. بل هو فيرس ينتشر في فضاء هذا العالم عندما يركد هواء الفكر قليلا.. فينتشر السقام في الفكر، وقد يتلاشي ،فيحل محله أفكار سلبية تقود للانتحار.

 -أنت المذنب يا سيد ..طالما لا ترى إلا أحقية دينك

دينك بدايته ونهايته ،يأمر بعبادة إله، لا يراه أحد

أن تعبده بقلبك ،وعقلك، وروحك

ولو سألتك أين الله ؟! ..في السماء لكان جوابك

وهذه هي إجابة صديقنا المسلم أيضا ،وركيزة عقيدته

المسيح يدعو لعبادة نفس إله محمد

ومحمد جاء فى العهد القديم مذكوراً كبشرى للعالمين

أرى أفكارك أصبحت رتيبة ..خالية من أي حياة

بسبب أنك في كل مناظرة تغدوها لا تفكر إلا في النصر لنفسك

ولا تفكر في إحقاق الحق، وإبطال الباطل

نسيت قواعد وأسس الديمقراطية ومبادئ الحرية

التي طالما طالبت بهما، وتبوقت كل الأبواق من أجلهما

هناك اختلاف بين البشر، اختلاف في كل شيء

اختلاف في طريقة الأكل.. في طريقة النوم

في نوعية الأحلام والأهداف.. اختلاف في طريقة التفكير

حتى أسلوب الكلام.. اختلاف في اللون، في الشكل

فى المكانة الاجتماعية، في الذوق، في الحاجات والرغبات..الخ

لا يوجد توافق بين البشر.. بل يوجد تكامل بينهم

ويجب أن تحترم هذا التكامل الذي ينبع من صنبور الاختلاف

فيجب أن تجعل صدرك متسعا بحجم عظمة غاية المناظرة

غايتها التفاهم ،والوصول للحق ..فالحق للحق ..وللأكثر علما

بل للأكثر إصلاحا وبناء ……

 

وختاما أستعين بصورة من خطاب آخر من روايتي التي على وشك الصدور بعنوان الصديقان ..

9 يوليو

عزيزي كوشيان

إنّ ما يحدث في هذا الزمان -يا كوشيان- ،يذكرني بيوم أن طار بي الخيال، أنّى أريد اختراع طائرة من النوع الذي يستعملونه في المطارات ،مع أنى لم أدرس هندسة الطيران ،ولم أقرأ كتاباً واحداً عنها، لكنْ الفكرةُ أعجبتني، فشرعت في اختراع تلك الطائرة، وبالفعل نجحت في اختراعها، لكنى تفاجأت بانفجار محركها، لحظة تدشينها، لا أعلم لماذا؟!.. لأني تخليت أنى أتقنت الصنع من لا شيء.

حينما أفاق عقلي من تخيلاته ،استنبط شيئاً -إلى حد ما -مخيفاً ،أنّى -دائماً- أريد أن أفعل كل شيء ،بدون سابق علم أو دراسة أو بحث ،فقط أرى أن فلاناً كتبَ مقالاً أدبياً جميلاً ،فأطفقُ -بمجرد الانتهاء من القراءة – بأن أقلد الأسلوب والهدف والدافع من وراء كتابة هذا المقال ،ولا أنقل الكلام بشاكلته أو بعينه، لكوني مغروراً كما تعرف !.. وهذا هو حال شخصي المثقف ،فما بالك بالذين يدعون الثقافة ،الذين ينقلون -بعد أن ينخضعون لها – حملات التشكيك فى التاريخ

،ولا يدرون أن هذا الكلام من وراءه مصالح خاصة ،يبغيها

صاحبها المدشن المبتدأ بها، حيث لا يذكرون الحقيقة كاملة، وعلى إثرها يكن التحريف والتضليل.. نحن في زمن إحراق كتب الماضي، من أجل الوقوع في فخ، أعده لنا الحاملون لسياسات ،ومبادئ عكس السياسات، والمبادئ التي كانت في الماضي.. وهذه هي قمة التطرف.

تحياتي

صديقك ريكاردو

احذروا إن الخطر قادم لا محالة..بل يحيط بنا لا إنكار لذلك.. فيحب أن نقرأ وأن نتعلم فلسفة الاختلاف.. وأن نتفقه في الدين حق التفقه.. وأن نقرأ ثم نقرأ.. وإذا قرأنا التنديد بشيء يجب أن نبحث عن العكس، ثم نحكم بعقولنا، لا بعقل غيرنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى