بحوث ودراسات

علاء سعد حميده يكتب: ملامح مشروع إصلاحي نهضوي ( 3- 3 )

علاء سعد حميده
Latest posts by علاء سعد حميده (see all)

خصائص المشروع الإصلاحي النهضوي وملامحه

1 – إصلاحيون لا إسلاميون

2 – جزء لا يتجزأ من المجتمع

3- وطني الانتماء إنساني التوجه

4 – إعلاء قيم إنسانية عامة.

5- مدني الرؤية والمؤسسات والآليات

6 -يعتمد العلنية الكاملة

7 – يعلي من قيمة التخصص

8 – التسكين القانوني.

9 – نهضوي شامل وليس سياسي.  

10 – تكاملي لا تنافسي.

11 – إعادة الاعتبار لمؤسسة الفتوى الفقهية.

12 – تغلغل اجتماعي لا سيادة وعلو(اجتماعي لا سلطوي).

13 – احتوائي لا تخاصمي (وطني شامل غير استقطابي).

14 – محضن لكل القوى الفاعلة في المجتمع.

1- إصلاحيون لا إسلاميون

الإصلاح مصطلح شرعي ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، والتراث الإسلامي، بينما مصطلح الإسلاميون لم يرد في التراث الإسلامي كله سوى مرة واحدة كعنوان لكتاب «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» للإمام أبي الحسن الأشعري، الكتاب يتناول فرق مختفلة تنتسب إلى الإسلام عقيدة وتختلف في الأقوال، والكتاب بهذا المفهوم لم يعلِ من شأن الإسلاميين، لم يمنحهم ميزة إضافية فوق كونهم مسلمين!

فتجديد الفهم للإسلام لا يعدو تأكيد ما هو قائم بالفعل قرآناً وسنة.. والجميع مدعوا بصدق وإخلاص إلى شراكة كاملة لا تقصي أحداً ولا تتميز على أحد.. فكل من يحمل قيم الإصلاح إصلاحي بلا تمييز..

2 – جزء لا يتجزأ من المجتمع  

عطفًا على الخاصية السابقة، فإن المشروع الإصلاحي والقائمين عليه جزأ لا يتجزأ من المجتمع لا يتميز عنه، لا ينفصل، ولا ينعزل، ولا يتقوقع، فالمجتمع المحيط مسلم في مجموعه، والإصلاحيون محتسبون متطوعون لا يرجون في الدنيا جزاءً ولا شكورًا، ولا يرجون لأنفسهم تميزًا إلا تميز العمل والبذل والجهد والعطاء.. فأمتنا المسلمة بمجموعها هي جماعة المسلمين وهي أمة المسلمين.. ولا مجال مطلقَا لإنزال مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه والاستناد إلى مواقف مارسها النبي أو أصحابه الكرام –رضي الله عنهم أجمعين- مع قوم مشركين أمثال (أبو جهل وأمية بن خلف وأبو لهب وبن أبي معيط، وغيرهم)، من سرِّية بعض المواقف والاجتماعات، أو من خدع تفرضها الحرب وتقبلها السياسة مع الخصوم والأعداء، لاستدعائها في ممارستها مع أبناء الأمة باعتبارهم خصوماً ومنافسين.. وهذا لعمري في القياس عجيب.. فالصف المسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفر عن أمة مسلمة ممتدة شرقًا وغربًا تاريخًا وحضارة، وأن هذه الأمة الواحدة عرَّفها القرآن الكريم {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} [سورة الأنبياء:92، وهذه الأمة الواحدة تتعدد بها مستويات الصلاح والخيرية دون أن يكون هذا الاختلاف مسوغًا لاعتبار أبنائها أو جزءاً منهم خصومًا وأعداء..

وأخوَّتنا التي أمر بها الإسلام «إنما المؤمنون أخوة» ممتدة لتشمل كل أبناء الأمة، ودعوة المصلح إلى إصلاحه دعوة حب وحرص وأخوة، وليست دعوة رياسة وزعامة وتفاضل وتفاخر..

ودعاة الإصلاح وإن استلهموا نظرياتهم من شرق أو غرب ما لم ينفوا عن أنفسهم إيمانهم بدينهم ويقينهم بشموله وصلاحه، فإنهم روافد إصلاحية لنفس هذا المشروع..

لقد فعل الصحابة رضوان الله عليهم الشيء ونقيضه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غير الثوابت القطعية، وأقرهم النبي على اختلافهم.. حتى علق الفقهاء بأن هؤلاء أئمة أهل النص الظاهر، وأولئك أئمة أهل المقاصد «صلاة العصر في بني قريظة»..

وهب أن فريقاً من دعاة الإصلاح استلهم التجربة اليابانية في التصنيع أو التعليم، واستلهم فريق آخر التجربة الماليزية، أو الألمانية أو الأمريكية، فأي هذه الفرق ينتسب إلى الإسلام ومشروعه الإصلاحي؟!

كلهم ينتسبون على ما بينهم من تناقض في النظرية، إلى الإسلام وإلى الأمة وإلى المجتمع المسلم، وإلى المشروع الإصلاحي..

ولذلك مشروعنا جزء لا يتجزأ من المجتمع لا يقصي أبناءه ولا يتميز عليهم ولا ينفصل عنهم، ولا ينعزل أو يتقوقع أو يسود عليهم، وإنما المصلح رجل من قومه {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} الشعراء/ 109

3 – وطني الانتماء إنساني التوجه

فالوطنية المحلية هي طريق تحقيق الأممية «الإقليمية» ثم العالمية.. وهذا مفهوم في الإسلام منذ أمر الله تعالى نبيه بترتيب أولويات الدعوة وخص أهله وعشيرته بالبداية والاستهداف بالدعوة: {وأنذر عشيرتك الأقربين} الشعراء214،

وعالمية الإسلام التي عبر عنها المولى تعالى بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء107، لم تنافِ يومًا الانتماءات البيئية المحلية للمسلمين، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المأمور الأول على وجه الأرض بفهم وتطبيق شعائر الإسلام وتعاليمه وتطبيق شعار الأخوة الإسلامية الجامعة تطبيقًا تذوب فيه كل هوية بيئية محلية، ينادي المسلمين حتى آخر عهده: بمعشر المهاجرين ومعشر الأنصار.. واجتمع بالأنصار– بمفردهم- في أعقاب غزوة حنين في قضية توزيع الغنائم المعروفة ثم دعا لهم في نهاية الاجتماع بخصوصية «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» [25]،

كان هذا في أواخر العام الثامن الهجري.. وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينادي في حجيج بيت الله الحرام بعد انقضاء فريضتهم «يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل الشام شامكم، يا أهل العراق عراقكم»[26]..

إن قضية الشعور الوطني العاطفي قضية مركوزة في الفطرة الإنسانية، لقد خير النبي صلى الله عليه وسلم الشيماء «أخته من الرضاعة ابنة حليمة السعدية» والتي أسلمت بعد حصار الطائف بين أن تنضم إليه أو تعود إلى باديتها، فاختارت «بعد الإسلام وإعلان الشوق لأخيها النبي» العودة إلى باديتها[27]!!

ولقد أشرنا من قبل إلى تقدير الإسلام واحترامه للخصوصية الثقافية للشعوب، فنزل القرآن الكريم على سبعة أحرف، راعت لهجات العرب المختلفة، ولم يُصدِّر الصحابة رضوان الله عليهم في فتوحاتهم ثقافتهم البيئية إلى الشعوب التي فتحوها بالإسلام، وإنما دعوا إلى قيم الإسلام العامة وثوابته الراسخة، ثم تركوا الشعوب تنعم بخصوصياتها التي لا تتناقض مع مبادئ الدين، فاختارت أغلب الشعوب المسلمة أن تدخل الإسلام دون أن تغير لغتها الأصلية رمز هويتها البيئية والثقافية والحضارية، فكان احترام تنوع واختلاف البيئات سببًا من أسباب الانتشار العظيم للإسلام في مناطق شاسعة من العالم..فتوطين المشروع الإصلاحي ومحليته،

هو نشأته وتشكيله من خلال بيئته ليجيب على أسئلة أبناء المجتمع ويلبي احتياجاتهم ويساهم في حل إشكالياتهم، فحتى على مستوى القطر الواحد تختلف مشكلات المجتمع الحضري عن المجتمع الريفي وكذلك عن المجتمع البدوي،

فلكلٍ مشكلاته الناتجة من طبيعة نشاطه السكاني وظروفه البيئية والجغرافية والمناخية.. حتى أن توطين المذهب الفقهي بما يناسب تباين البيئات والشعوب أمر بديهي عمل به الإمام الشافعي فكان له مذهبًا في مصر يختلف عن مذهبه في العراق..

والإصلاح يدعو إلى احترام أعراف الناس الثقافية ما لم تتعارض مع ثوابت الدين وتوجهاته وأوامره ونواهيه المحكمة..

وتوطين المشروع الإصلاحي لا يخل بشروط وحدة الأمة ولا يتعارض معها..

فمشروع الإصلاح إنساني التوجه يحترم حقوق الإنسان ويعلي من قيمته ويعمل على المشترك الإنساني العام في رحابة وسعة، انطلاقًا من البيئة المحلية مرورا بالدولة القطرية فالأمة الإقليمية والدينية إلى العالمية الإنسانية..

4 – إعلاء قيم إنسانية عامة

هذا المشروع الإصلاحي لا يترك قيمة إنسانية رفيعة، ولا فضيلة من الفضائل، ولا مثلاً من المثل العليا، ولا خلقًا حسنًا من مكارم الأخلاق إلا تبناه ودعا إليه وحث عليه.. ولا يوجد خلق سيء أو قيمة سلبية إلا قومها وواجهها وحذر منها، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. «حلف في الجاهلية لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت»..

5 – مدني الرؤية والمؤسسات والآليات

مشروع مدني مدنية كاملةلأنه غير متصور أن يكون عسكريًا ولا يمكن أن يدعوا إلى إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية بحال..

وهو كذلك لا يمكن أن يكون ثيوقراطيًا «دينيًا بالمعنى الكنسي»، ولا شبه ثيوقراطي..

فأهل السنة والجماعة لا يعتمدون مبدأ ولاية الفقيه المعتمد لدى الشيعة الإثنى عشرية، ولذا فمؤسسات مشروع الإصلاح مدنية بامتياز، حتى المؤسسات والهيئات الشرعية منها، لأنها تعتمد آليات ووسائل ومواصفات المؤسسات المدنية، من انتخاب الأكفأ، ومحاسبة القيادة ومجالس الإدارات وشفافية ووضوح الأهداف والمناهج والبرامج والوسائل، وكذلك وضوح وشفافية القرارات..

مع تفعيل ضوابط وسمات العمل المؤسسي بمنهجيته المعروفة، فالاختلاف بين المؤسسة وبين الطريقة «الصوفية»، أو الجماعة «دينية كانت أم اجتماعية»..

الهيكلية أي (القانون الأساسي واللوائح الدقيقة المنظمة للعمل على أن تكون واضحة وعلنية وشفافة يطلع عليها جميع الأعضاء بغير حجب أو منع أو ضبابية- ضوابط وحقوق وواجبات العضوية- وظائف مجالس الإدارات- عقد الجمعيات العمومية العادية والطارئة وغير العادية- تشكيل مجالس الإدارات بالانتخاب من قبل الجمعية العمومية- رقابة ومحاسبة المجالس المنتخبة على تنفيذ البرامج ومدى تحقيق الأهداف وعلى التمويل وأوجه الإنفاق- ضوابط عزل وتغيير الإدارة، أو رئيسها أو بعض أعضائها إن اقتضت الضرورة- وكذلك ضوابط الحرمان من العضوية أو تجميدها أو الفصل من المؤسسة..

معايير التصعيد والترقي في العمل الإداري والمناصب التنفيذية المختلفة داخل المؤسسة- اعتماد مبادئ الكفاءة كمعيار أساسي في الترقي بعيدا عن الشللية والعلاقات الشخصية.. إلى آخر الهيكلية المعتمدة في العمل المؤسسي الكامل)، لضبط الأداء ومنع الانحراف ومواجهة أي نوع من أنواع الفساد الإداري أو المالي أو التطبيقي للمناهج والبرامج.. والتجانس في التخصص، ووضوح الرؤية لدى الأعضاء، والاستفادة من كافة الطاقات وتوظيف الكفاءات.. ثم المراقبة والمحاسبة الدائمة التي تضمن معايير التطوير والجودة.. والانضمام إلى المؤسسة تعاقد مشروط وواضح بين المؤسسة والعضو.

6 – يعتمد العلنية الكاملة

المشروع الإصلاحي علني بالكامل لا مجال فيه للسرية مطلقًا.. فهو علني الغاية وعلني الأهداف وعلني المناهج وعلني الوسائل وعلني المؤسسات وعلني الأفراد والمنشغلين به..

7 – يعلي من قيمة التخصص

الإيمان بشمول مشروع الإصلاح، واتساع مطالبه لكافة جوانب الحياة، لا يعني حتمية شمول دعاته والقائمين عليه والعاملين تحت لوائه والمؤسسات الرافعة لأهدافه ومبادئه..

بل على العكس من ذلك  يدعو إلى احترام التخصص الدقيق الذي يحقق أعلى مراتب الجودة والتطوير والكفاءة في الأداء..

مما يحتم الدعوة إلى إنشاء مؤسسات مجتمع مدني متخصصة في مختلف مجالات العمل الإصلاحي العام بحيث توظف أعلى الكفاءات التخصصية أكاديميًا وتطبيقيًا، وتعنى بتوظيف ودمج ورعاية المواهب المتميزة كل في تخصصه ومجاله، على أن تعمل هذه المؤسسات بشكل مستقل ومتواز في نفس الوقت مع غيرها لتحقيق التكامل نحو هدف نهضوي واحد واضح وكبير..

8 – التسكين القانوني

فلا يضع المصلحون أنفسهم، ولا يضعون الدعوات الإصلاحية ولا مؤسسات المجتمع المدني القائمة على المنهج الإصلاحي تحت طائلة القانون، وذلك بالتحري الدقيق لكل الإجراءات والوسائل التي تجعل عمل المؤسسات والدعوات والأفراد عملا ينسجم مع القوانين المحلية المعمول بها داخل الوطن..والإصرار على التسكين القانوني وإعطاء الأولوية الكبرى لهذا الملف الأخطر والأهم واعتماد مبدأ الجهاد القانوني..

إن الدعوات الإصلاحية التي تكافح كفاحًا مريرًا للتواجد وممارسة عملها على الأرض والانتشار في المجتمع والتغلغل إلى الإعلام، تستطيع إذا وضعت على رأس أولوياتها الحصول على وضع قانوني مع الإصرار والدأب، أن تحقق تسكين قانوني مقبول.. أو تتحرك في المساحات التي لا تضعها تحت طائلة القانون، والتشبث بالتسكين القانوني الكامل..

9 – نهضوي شامل وليس سياسي

هذه الخاصية أهم خصائص المشروع الإصلاحي النهضوي، وهي عنوان المشروع والدليل عليه، وهدف المشروع الأساسي «النهضة لا السلطة، تمكين الأمة وتقوية المجتمع في مواجهة تغول السلطة»..

وتحقيق نهضة الأمة في كافة المجالات.. مع الإصرار على عدم الاستدراج إلى منافسة أو خصومة سياسية أو فكرية ولا يهدف بحال إلى الوصول إلى السلطة..

مع الترويج لقيم العدل والعدالة وتوسيع قاعدة الشورى والمشاركة المجتمعية في صنع القرار السياسي، ومحاربة الظلم والاستبداد والدعوة إلى الحرية وغير ذلك من القيم السياسية المطلقة..

وحسب الإصلاح أن يكون مشروعا رحبًا واسعًا يجمع ولا يفرق، يتألف المتخاصمين ولا يخاصمهم، يستشار رجاله فيشيرون، ويضعون الخطط ويرسمون البرامج ويحتضنون الجميع ويصلحون بينهم..

10 – تكاملي لا تنافسي

عطفًا على الخاصية السابقة مشروع الإصلاح تكاملي لا يخاصم مشاريعًا قائمة، ولا يسعى إلى هدم ما هو كائن ليبني فوق أنقاضها، أو يرث تركتها..

فالعمل الإصلاحي في ميزان مشروعنا تراكمي، يكمل بعضه بعضًا، ويقوي بعضه بعضًا، فإذا كانت رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم لدين الإسلام العظيم كدين خاتم، باعتباره لبنة سدت ثغرة في بناء متكامل عظيم رباني التوجيه رسالي الوظيفة «بناء الأنبياء»، فمشرع الإصلاح هو موضع لبنة في التراكم الحضاري للأمة. الذات..

11- إعادة الاعتبار لمؤسسة الفتوى الفقهية

ثبت عبر تاريخ المسلمين ظاهرة تسييس الفتوى في فترات طويلة أو ما يعرف بظاهرة «علماء السلطان أو شيوخ السلطة»..

بحيث أصبح للحاكم سمى نفسه خليفة أو أميرًا أو سلطانًا، فقهاء ومفتين يفتون بما يوافق رأيه أو هواه، ويزينون له عمله، ويبررون قراراته..

وفي المقابل أصبحت حركات المعارضة في حاجة ماسة إلى فقهاء يؤصلون لهم ثورتهم وخروجهم..

ويظل العلماء والفقهاء المستقلون هم الذين يحفظ الله تعالى بهم الأمة من الضلال في الحق والزيغ في الدين..

وواجب الإصلاحيين توقير واحترام مؤسسات الفتوى الشرعية، ومعاونة العلماء والفقهاء على الاحتفاظ باستقلالهم الذي يفرضه عليهم الشرع والعلم بعيدًا عن التسييس والأدلجة، والتوظيف من قبل الفرقاء سياسيًا وفكريًا..

فنحن في أمس الحاجة إلى أن نعيد لمؤسسات الفتوى الشرعية اعتبارها واحترامها.. وألا تستخدم في مناصرة طرف على حساب طرف..

فالاختلاف في الفروع والجزئيات والتفاصيل لا يمكن أن يوظف إلا لصالح الأمة يضيف إلى تنوعها تنوعًا، هذا الاختلاف الراقي الذي وصفه بن تيمية: «باختلاف تنوع لا اختلاف تضاد»..

ولذلك فعلى المشروع الإصلاحي أن يدعم العلماء دعمًا معنويًا وأن يطلق دعوته كذلك داخل المعاهد العلمية التي تؤهل العلماء ليستمر تتابع أجيال من العلماء المستقلين الذين لا يميلون مع المتخاصمين ولا يأخذهم الاستقطاب السياسي والفكري في تياره الجارف..

وأن يحاول المشروع رسم الصورة الذهنية الصحيحة لعالم الدين الجليل الذي لا يخشى إلا مولاه عز وجل.. وأن يذعن المصلحون والإصلاحيون أنفسهم للعلماء، ليقتدي بهم العامة في الإذعان لأهل الذكر..

12 -تغلغل اجتماعي لا سيادة وعلو (اجتماعي لا سلطوي)

الإصلاحيون يمتزجون بالمجتمع كما يمتزج الحليب بالماء.. ويتغلغلون فيه ويرتبطون بكل جزيء من جزيئاته..

والسطحيون أو المتعجلون أو الدخلاء لا يتغلغلون في المجتمع حتى ولو طفوا فوقه.. فإنهم في النهاية يسهل إزالتهم عبر ظاهرة التوتر الاجتماعي مع اختلاف الكثافة الإنسانية بالمنظور الاجتماعي البحت..

الإصلاح يتغلغل في المجتمع ليعلو به لا ليعلو فوقه، ويسود بالمجتمع لا ليسوده.. ويمكِّن له لا ليتمكَّن منه، ويساعده على أن يتشارك في الحكم واتخاذ القرار لا ليحكمه ولا يتخذ القرارات نيابة عنه..

13 – احتوائي لا تخاصمي (وطني شامل غير استقطابي)

14 – محضن لكل القوى الفاعلة في المجتمع

تم شرح هذين الملمحين باستفاضة خلال الملامح السابقة للمشروع.. وتم وضعهما في نقاط منفصلة في ختام الملامح للتأكيد وترسيخ المعنى، فالإصلاح يجمع ولا يفرق، لا يستقطب ولا يساعد على الاستقطاب..

وهو الأخ والساعد لكل القوى والمؤسسات والدعوات الإصلاحية الفاعلة في المجتمع، يتقوى بهم ويتكامل مع جهدهم، ويضيف إليهم، ويخدم على مشروعهم الإصلاحي في اتساق وتعاون على الخير والتقوى..

هوامش

[25] – سنن بن ماجة- كتاب المقدمة- فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- باب فضل الأنصار

[26] – كتاب غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر- الفن الثالث وهو فن الجمع والفرق- القول في أحكام الحرم

[27] – وردت قصة تشفع الشيماء في سبي هوازن في الجعرانة في كتاب زاد المعاد في خير هدي العباد الجزء الثالث فصل غزوة حنين، وفي كتاب السيرة الحلبية في سيرة المأمون إنسان العيون المجلد الثالث ص94- أما مسالة إسلامها فمحل بحث- دراسة إيهاب عطا ببوابة الأهرام العربي بتاريخ 11-11-2013

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى