بحوث ودراسات

علاء سعد حميده يكتب: ملامح مشروع إصلاحي نهضوي (2 – 3)

علاء سعد حميده
Latest posts by علاء سعد حميده (see all)

أهداف المشروع الإصلاحي النهضوي وغاياته

أما غايته الكبرى فهي التمكين للأمة لإقامة النهضة الكبرى في جميع المجالات، النهضة التي تجعلنا في مقام الريادة قيميًا وأخلاقيًا، وعلميًا وتقنيًا وثقافيًا، واقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا،

ريادة قيادة وتوجيه إلى خير البشرية لا بهدف السيطرة والاستحواذ ونهب مقدرات الأمم والشعوب.. وعندما نطلق غاية نهضة الأمة، فهي نهضة أممية تبدأ من نهضة الأوطان المحلية المكوِّنة لها..

وأما أهدافه فهي تمكين المجتمع في مواجهة تغول الدولة العصرية الحديثة، عن طريق نشر ودعم ثقافة المجتمع المدني، وتقوية المؤسسات الأهلية – مشاركة ودعمًا وتأسيسًا ومساندة- للقيام بدورها الفاعل على كافة المستويات مما يقلص دور الحكومات إلى أقل قدر ممكن لتنظيم وتقسيم العمل بين هذه المؤسسات الاجتماعية القوية، في إطار الدولة القطرية السائدة، فالمشروع الإصلاحي لا يهدف إلى الاستحواذ على الحكومات، ولا يعد إصلاحها- الإصلاح السياسي- هو الطريق الحتمي والوحيد للوصول إلى الإصلاح الشامل، وإنما على العكس من ذلك يهدف إلى إصلاح مؤسسات المجتمع وهيئاته وجمعياته لتقوم بدورها الأصيل في سد حاجات الشعوب وحل مشكلات المجتمع وصولاً إلى تحقيق قدر من رفاهيته ومن ثم إطلاق نهضته الكبرى على كافة المستويات..

وشعار مشروع الإصلاح «مجتمع قوي قادر على تحقيق متطلبات النهضة فضلاً عن تلبية احتياجات أفراده، بحيث تصبح الدول المركزية أكثر رمزية لوحدة المجتمع وتماسكه وسلامته وقوته».. أو “تقوية المجتمع لا إضعاف الدولة”.. “الإصلاح لتمكين المجتمع وليس بغرض تمكين الحركة الإصلاحية”.. ودفع المجتمع للقيادة وليس التمكن من السيطرة عليه وقيادته.. الامتزاج الإصلاحي بالمجتمع والتغلغل فيه في مقابل نظرية السيادة والعلو..

مشروعية الإصلاح

الدعوة إلى الإصلاح تستمد شرعيتها من التاريخ والتجاربوالواقع أيضًا، فهي آلية من آليات بناء وتطوير وبقاء وانتعاش المجتمعات والدول،فهي حتمية اجتماعية تجدها في الشرق والغرب، وفي بلاد المسلمين، وفي أوربا، كما تجدها كذلك في أقصى الشرق في اليابان أو الصين.. فالإصلاحيون والمصلحون تجدهم في كل عصر ومصر، والإصلاح في الإسلام مرتبط بأوامر الدين، فممارسته جهاد عظيم، مما يجعل الدعوة إلى الإصلاح مشروع وطني واجتماعي رائد وفي نفس الوقت عبادة وجهاد وطاعة لله عز وجل..فالدعوة للإصلاح في الإسلام ترتبط بالحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة بالمصطلح الفقهي، كما ترتبط بدائرة التجديد كما بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم..

الحث على الإصلاح في القرآن الكريم

قال تعالى {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود88

«وقالَ مُوسى لأِخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ»

والإصلاح والتبيين شرط من شروط التوبة: “إلا الَّذِينَ تابُوا وأَصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير من أخص خصائص العمل الإصلاحي وفي هذا قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران:104

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ آل عمران:110

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة:71

 ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ المائدة:79،78

الحث على التجديد والأمر بالمعروف في السنة النبوية

حديث تجديد أمر الدين عنأبي هريرة:«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها»..

أما الأحاديث الواردة في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة، نكتفي منهابـ:

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»

وحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم »(15).

الحث على الإصلاح والأمر بالمعروف في أقوال أهل العلم

«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد الدائم المفروض على كل مسلم، وهو أصل مهم من أصول الدين, ولا قيام لشريعة الإسلام إلا به وهو “القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، ولو طُوي بساطه وأُهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد».[18]

مارتن لوثر وحركته الإصلاحية بأوربا

لقد كانت حركة الإصلاح اللوثرية في القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا محاولة ملائمة أو تكيف Adaption  مع التحولات التي سادت الفكر والثقافة والعلوم، ولم تمس جوهر النصرانية، وبرأي الأستاذ الطعان «أن حركة الإصلاح الديني بمضمونها تعبر عن التوفيقية بين متطلبات عصر النهضة ومتطلبات العالم القديم». [19]

إن دعوة مارتن لوثر وحركته الإصلاحية والتي استحق بسببها لقب المصلح في التاريخ الأوربيreformer وهي تسمية يستحقها فعلاً[20]  تؤكد على الطبيعة الخاصة لمشاريع الإصلاح في كل زمان ومكان..

فالإصلاح أولا فكر إبداعي يدعو إلى التطوير والتجديد والتغيير وحذف الرديء وإضافة الجيد..

والإصلاح ثانيا لا يتوقف عند حد التنظير، فدعوة الإصلاح ليست عملا أكاديميا يقدمه باحث كدراسة أو بحث أو كتاب إلى المكتبات الأكاديمية ثم لا ينبني عليه عمل..

وإنما لابد أن تتحول دعوات الإصلاح إلى حركة فاعلة في المجتمع تحقق بشكل عملي أغلب ما تم التنظير إليه..

وهذا يتطلب ثالثا أن تكون نظريات الإصلاح وأفكاره عملية واقعية قابلة للتطبيق في حياة الناس..

والملمح الرابع أن المصلحين يدفعون أثمانًا باهظة، فالدعوة إلى الإصلاح تضحية وجهاد تقوم على الغُرم المادي والمعنوي،

وليس طريق الإصلاح طريقًا مفروشًا بالورود، ولا تحقق دعوات الإصلاح لمطلقيها المجد الذاتي أو رفاهية العيش ولذا يجب أن يكون المصلح مخلصًا لدعوته مضحيًا في سبيلها متحملاً لكل أذى يصيبه حتى تثمر دعوته..

ثقافة العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني«ثقافة الإصلاح وآلياته»

يمثل التطوع أحد الأركان الرئيسية لبناء المجتمع المدني، باعتباره تنظيمات وسيطة تقع ما بين الدولة والأسرة، لا تستهدف الربح وتسعى إلى تحقيق الصالح العام، وتعكس جهودًا إرادية تطوعية..

وحسب مجموعة من خبراء الأمم المتحدة في حلقة بحثية سبقت العام العالمي للتطوع 2001م، حول مفهوم التطوع باعتباره «تخصيص وقت وجهد، بشكل إرادي حر،

ودون الحصول على أرباح مادية، لمساعدة الآخرين والإسهام في تحقيق النفع العام/الصالح العام»، ولعل قيمة هذا التعريف ترجع في أحد أبعادها إلى توسيع معنى التطوع ليضم أشكالاً متعددة من التطوع لا تقتصر فقط على أشكال التطوع النظامي داخل منظمات لها إطار مؤسسي وقانوني وإنما تشمل أيضًا أشكال التطوع غير النظامية والتي تتم بشكل تلقائي، وفي إطار لا ينظمه القانون في بعض المجتمعات المحلية..

فالتطوع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإطار الثقافي والاجتماعي القائم فيه وبمدى ترسخ «ثقافة التطوع» فيه والتي تعني «مجموعة من القيم والاتجاهات والممارسات، التي تحث على التطوع وتدعمه وتعلي من قيمة السلوك التطوعي».

وثقافة التطوع بهذا المعنى تعد محصلة لعملية تنشئة اجتماعية طويلة تتم عبر وسائط التنشئة المختلفة (الأسرة، المؤسسة التعليمية، وسائل الإعلام، الأحزاب السياسية، الجماعات المهنية، النوادي الاجتماعية والرياضية)..

وقد شاع مصطلح (منظمات المجتمع المدني)في تسعينات القرن العشرين كي تكون سلطة خامسة خارج الحكم في الدول الحديثة، وهي عبارة عن شبكات غير حكوميـة تتشكل من أفراد المجتمع المدني لتحقيق أهـداف تُرسم مسبقًا لتنمية المجتمع ورفع مستوى معيشة الشعب، وكذلك تعمل على رفع الحيف الذي يطال بعض الشرائح والفئات من المجتمع وضمان حقوق الإنسان، ومن أهم الأدوات لتحقيق ذلك ما يعرف بالتشبيك.

وبالرغم من حداثة فكرة التشبيك على منظمات المجتمع المدني وانتشارها ببطء، إلا أنها تمثل نقطة ضوء في تمكين المنظمات الأهلية غير الحكومية من تأدية دورها في تفعيل المشاركة الشعبية في صنع القرارات التنموية كما تمثل فرصة لبناء القدرات المؤسسية لتلك الجمعيات والمنظمات وتمكينها من فنون إدارة العمل المدني كما أنه يوفر مناخ التنسيق بين جهود الدعوة وزيادة وعي المجتمع ومشاركته في حل مختلف القضايا العامة والتنموية. [21]

وتُعرف منظمات المجتمع المدني بأنها تلك المنظمات التي تعمل في المجال الجمعي بين الدولة ومنشآت القطاع الخاص والتي تهدف إلى تعظيم رأس المال الاجتماعي، بجانب الدفاع عن مصالح أعضائها والمصالح القومية وتقوم بعمل طوعي دون مقابل، كما أنها تختلف عن الأحزاب في أنها لا تسعى إلى السلطة.[22]     

وتتكامل منظمات المجتمع المدني مع منظمات العمل الطوعي في تقديم خدمات اجتماعية وعلمية وتثقيفية، وفي كل المجالات التي يتقاصر فيها دور الدولة، لذلك يأتي دورها تصحيحي تكميلي في عملية التنمية والتغيير الاجتماعي.. [23] 

وحول تأثير منظمة المجتمع المدني على المجتمع الوطني وعلى مفهوم المواطنة. أورد د. أنطوان مسرة أنه حسب رأي المفكر سرغاي كوفاليف «المجتمع المدني هو المجتمع الذي لا ينسب للدولة بل الدولة هي التي تنسب للمجتمع».

من خلال هذه المفاهيم فإن منظمات المجتمع المدني تستطيع عند انتظامها تحت مفاهيم وقيم مدنية وأخلاقية دعم الإنسان بالانتقال من الحالة الفردية إلى حالة المواطنة وتنمية هذا الإنسان من فرد إلى مواطن يتمتع بكافة الحقوق المتوجبة له ولكن أيضا بكافة الواجبات التي تفرضها مواطنيته..إن حالة المواطنة هذه ترتقي بالمجتمع الوطني إلى مجتمع العدالة والمساواة والتنوع والتعدد والديمقراطية.. وكلما انخرط المواطن في منظمات المجتمع المدني, كلما استطاع أن يساهم في تحسين وتقدم ونمو مجتمعه الوطني.[24]

الهوامش

[18] – إحياء علوم الدين,2/ 143. إحياء علوم الدين,2/ 143.

[19] – د. عبد الرضا الطعان: تاريخ الفكر السياسي الحديث، ص229ـ231

[20] – د. ضرغام الدباغ مارتن لوثر ودعوه الاصلاحية رابطة ادباء الشام 19-5- 2012

[21]- منظمات المجتمع المدني النشأة الآليات وأدوات العمل وتحقيق الأهداف أ‌. محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي مستشار التدريب وبناء القدرات

 [22] – عبد الرحيم أحمد بلال – القضية الاجتماعية والمجتمع المدني في السودان- دار عزة للنشر والتوزيع – ص 38.

[23] – د . هاجر ابوالقاسم محمد الهادى – ورشة منظمات المجتمع المدنيورقة بعنوان :مفهوم منظمات المجتمع المدني ودورها في السودان

 [24] – دليل حول تأثير ودور منظمات المجتمع المدني في محيطها المحلي والوطني «جمعية» الهيئات الأهلية للعمل المدني لبنان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى