آراءبحوث ودراسات

بل هي الدولة التي يريدها الإسلام كما نفهمه!! (2)

Latest posts by علاء سعد حميده (see all)

دعنا من التصنيفات المسبقة.. والتيه في غياهب المصطلحات ومدلولاتها ومعانيها.. وقبل تصنيفي بالإسلامي أُنوِّه على أنَّ مصطلح الإسلاميين في ذاته مصطلح دخيل على التراث والثقافة والفكر المسلم.. فلم يَرِد هذا المصطلح قديمًا إلا من خلال كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للشيخ أبي الحسن الأشعري (ت324هـ).. وهو تصنيف تناول الإسلاميين باعتبارهم فِرقًا إسلامية وليس المقصود بالإسلاميين هنا القائمين بأمر الدعوة أو الإصلاح أو الأكثر انتسابًا للإسلام.. وإنما المقصود بهم الأكثر بُعدًا عن المنهج الأصيل للإسلام.. فصفة الإسلاميين أساسًا صفة مرفوضة، وعلى الدعاة إلى الإسلام أو دعاة الإصلاح أو أهل الحسبة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يتمسكوا بالمصطلحات التي وردت في القرآن الكريم والسنة الثابتة وهي تندرج بين الدعاة والمصلحين والمحتسبين والمجاهدين والمرابطين إلى غير ذلك من المصطلحات المتفقة مع ثقافتنا المسلمة..

 

نأتي بعد ذلك إلى طرح الأستاذ محمود سلطان في مقاله تحت عنوان: “لست علمانيا وأفضل العيش في نظام علماني”.. وخلص إلى أنَّ المطلوب: “نظام يقف عند مسافة واحدة من جميع الأديان، يتعاقب على الحكم فيه، من يختاره الناس، سواء كان علمانيًا أو إسلاميًا أو مسيحيًا أو بلا دين أصلاً.. يخضع لرقابة المؤسسات الدستورية والقانونية والمنتخبة، وبفصل صارم بين السلطات الثلاث: لا ولاية للسلطة التنفيذية “الرئيس” على القضاء أو على البرلمان، بل يستدعيه القضاء إذا أخطأ ويقيله الناس أو البرلمان إذا قصَّر، ويحيله إلى المحاكمة إذا ارتكب من الجرائم ما ينزع عنه شرعيته.

 

هذه هي الدولة المدنية العلمانية التي تناضل القوى الوطنية من أجل تأسيسها.. ولكن في دولة الخلافة “الدينية/الطائفية”، يترك الخليفة للقضاة الفصل في منازعات الناس العادية.. أما المعارضة السياسية، فكان يعتقلها أو يستدعيها إلى قصره، ليقوم بنفسه بقطع الرؤوس وحرق الجثث أو تقطيعها وإذابتها في النهر.. أو تعليقها بالسنوات في الشوارع وعلى أبواب عاصمة الخلافة، تحت مظلة دينية زينها له الفقهاء والعلماء ومن بينهم كبار رواة الحديث!!

 

هنا يقع الأستاذ محمود في خلط بين ما يريده الإسلام كما نفهمه كمسلمين، وبين تاريخ المسلمين الذي يقع غالبه خارج مظلة ما يريده الإسلام ويكفله حال الالتزام الحقيقي بمنهجه.. الإسلام عُني بالمضامين أكثر مما عُني بالمسميات والمصطلحات، وحذَّر من الأقوال البراقة الخالية من المضمون فيقول تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَۗوَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205))سورة البقرة.. العبرة هنا بمطالب الدولة في الإسلام القائمة على العدل وأداء الأمانات إلى أهلها والمساواة بين الناس وتحقيق قدر من التكافل الاجتماعي وتطبيق مبدأ الشورى، ونزع القداسة عن البشر، إنَّ ادعاء حاكم مستبد ما بأنَّه يحكم باسم الإسلام وبنظام الإسلام ثم تشيع في عهده ثقافة مضادة للعدل أو لأداء الأمانات.. هي مدحوضة حتى ولو عضّدَها حديث نبوي يلقيه شيوخ السلطان في مسامع الناس ليل نهار.. فلا طاعة لحاكم يجلد الظهر ظلمًا ويأخذ المال سُحتًا، إذ كيف يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالف أمر القرآن الكريم وتوجيه، يقول الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58))سورة النساء..

 

( 2 )

هل يريد الإسلام كما نفهمه أو كما يفهمه عموم المسلمين دولة؟ وحتى نخرج من الخلاف الأكاديمي حول ما هية الدولة الحديثة في علم السياسة وتاريخ نشأتها وما إلى ذلك، دعنا نحصر تعريف مصطلح الدولة هنا بمفهوم السلطة، هل يريد الإسلام من المسلمين إقامة سلطة حكم مسلمة تقوم على تمكين القيم التي أقرها ودعا إليها الإسلام في حياة الناس؟ نتلمَّس الإجابة في عدة إشارات من القرآن الكريم، عدا الأحاديث النبوية الشريفة التي قد يُساء تأويلها، أو حتى في حال ثبوتها ثبوتًا قطعيًا مع قطعية دلالتها، يروي تاريخ الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم، أنّها لم تكن منتشرة بينهم الانتشار الذي يجعلها من المعلوم من الدين بالضرورة، وإلا لتحاكموا إليها في كل خلاف شجر بينهم! وهو الأمر الذي لم يثبته التاريخ!

 

ففي القرآن قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗوَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(41)) سورة الحج، وفيه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)) سورة النساء.. ثم يتبعها تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ).. فمن هم أولي الأمر إن لم يمثلوا السلطة الحاكمة؟! بعض المحدثين يقولون أن الحكم مقصود به القضاء وليس بالضرورة السلطة التنفيذية، فماذا يفيد حكم القضاء مهما بلغ من العدل إن لم تكن هناك سلطة تنفيذية قادرة على إنفاذ أحكام القضاء العادلة؟

 

آيات الحدود في القرآن: القصاص في القتل، وقطع يد السارق وجلد الزاني، وحد القذف.. من المعني بتطبيقها إن لم تكن سلطة تنفيذية تقوم بإنفاذ أحكام السلطة القضائية العادلة والمستقلة؟

 

 

آيات القتال في القرآن، حيث لم يشرع القتال في الإسلام إلا بعد الهجرة أي بعد استقلال المجتمع -الأمة وقيام الدولة- السلطة، وإلا لو ترك القتال في الإسلام لآحاد الناس كما فرائض الكفاية، بدون قيام دولة وجيش وحكومة لقتل الناس بعضهم بعضًا في الطرقات، ولشاعت ثقافة الذئاب المنفدة وهي ثقافة متطرفة تنافي قيم الإسلام.

 

هذا ما يفهمه عموم المسلمين من مطالب القرآن الكريم، كما أنَّ التاريخ والسيرة يتضافران في إثبات قيام دولة للمسلمين على أرض الواقع، فالدولة في الإسلام إن لم تكن فرضًا قرآنيًا فهي سنة تطبيقية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فما هي مواصفات أو مطالب الدولة –السلطة- كما نفهمها من منهج الإسلام؟

 

( 3 )

مقومات الدولة كما نفهمها من منهج الإسلام:

 

1 – لا قداسة لبشر ولا عصمة، وبالتالي لا قداسة لحاكم، والحاكم ليس ظل الله على الأرض.. لقد أكَّد القرآن الكريم على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرّقًا بين وظيفته الرسالية وبين وظيفته الإمامية فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) سورة الكهف 110، والتطبيق النبوي الكريم جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم” تعقيبًا على حادثة تلقيح النخيل.. وجاء فهم الصحابة رضوان الله عليهم لهذه الحقيقة جليا في مثل مشورة الحباب بن المنذر إذ يقول: أهو منزل أنزلكه الله ما لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر؟ أم هي الحرب والمكيدة؟ إذ نزع الإسلام القداسة عن الحاكم والعصمة فلا مسوغ لديه لاستبداد أو علو في الأرض.. فاختياره حاكمًا مرتبط بالاختيار الحُر للأمة.

 

2- حُرية العقيدة وهي مكفولة بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) سورة البقرة 256، الإسلام لا يقبل تصرفات المكرَه، فمن نطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، يظل مؤمنًا، فهل من أُكره على النطق بالشهادتين وقلبه جاحد بهما يدخل في عداد المسلمين؟

 

3- المساواة بين ساكني الدولة في الحقوق والواجبات المدنية، أو بعبارة أخرى وقوف السلطة الحاكمة على مسافة واحدة تجاه كافة مواطنيها –كما ينادي الأستاذ محمود سلطان في مقاله-، أو بعبارة معاصرة: دولة المواطنة.. “كان صلى الله عليه وسلم يعترف بحقوق اليهود والنصارى، ويخطئ من يتوهم أن التبرأ من ديانة اليهود المحرفة يلزم منه ظلمهم ومصادرة حقوقهم، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم وجود اليهود في المدينة، وكتب في دستور المدينة: “يهود بني عوف أمة مع المؤمنين”، وتكفل لهم بجميع أنواع الحقوق:

 

أ. حق الحياة: فلم يقتل يهوديا إلا من خان وغدر.

 

ب. وحق اختيار الدين: حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحدًا على الإسلام، عملا بقوله سبحانه وتعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة 256، وكتب في ميثاق المدينة: “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم “.

 

ج. حق التملك: فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على تجارتهم معهم.

 

د. حق الحماية والدفاع: فقد جاء في ميثاق المدينة:”وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة”

 

هـ. حق العدل في المعاملة ورفع الظلم: وذلك مقرر في صحيفة المدينة حيث جاء فيها: “وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم”، وقد عدل النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم ولو كان ذلك على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل رضي الله عنه لم يقضِ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، حتى دفع النبي صلى الله عليه وسلم ديته من أموال المسلمين، والقصة في البخاري (6769) ومسلم (1669)، ولما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه، كما في البخاري (2525) ومسلم (138).

 

بل ومنحهم النبي صلى الله عليه وسلم حق التحاكم فيما بينهم إلى قوانين دينهم، ولم يلزمهم بقوانين المسلمين ما دام طرفا القضية من أتباعهم، إلا إذا ترافعوا إليه صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه الحكم بينهم، فكان حينئذ يحاكمهم بشريعة الله ودين المسلمين، يقول الله سبحانه وتعالى: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة 42.

4 – دولة الشورى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )(38)سورة الشورى.

 

5 – التمثيل النيابي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. أخرجه البخاري.

 

6 – الفصل بين السلطات: قصة القاضي شريح الذي قضى بالدرع لليهودي ضد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وإن لم تثبت ثبوتًا قطعيًّا، إلا أنَّ شيوعها في الثقافة والوجدان المسلم عبر تاريخ المسلمين يؤيد أن الثقافة المسلمة تقبل مبدأ الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.

 

7 – الأُمة مصدر السلطات: فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.. الأمة في وعي الخلفاء الراشدين هي التي تولي الحاكم وهي التي تعزله.

 

8 – السلطة التشريعية: في صورة أهل الحل والعقد الذين يعرفهم العلماء بأنهم القادرون على إنفاذ العقد الاجتماعي بين الحاكم والأمة، والحل منه، فمن لم يملك قرار الحل ليس من حقه أن يعقد للحاكم، لأن المتقابلين حلا وعقدا مترابطان!

 

9 – العدالة الاجتماعية: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) سورة الحشر 7

 

10 – دولة الدستور أو التعاقد بين الحاكم والأُمة: دولة الوثيقة المكتوبة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، التي يعتقد المؤرخون أنها أقدم وثيقة مكتوبة للدولة في التاريخ!

 

11 – قبول مبدأ الحكم الذاتي: أقر النبي صلى الله عليه وسلم باذان حاكم اليمن على حكمها حتى وفاته، وجيفر وعبد على حكم عُمَان، المنذر بن ساوى على البحرين.

 

12 – قبول التعدد العرقي والثقافي: نموذج بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي.. وقرابة 70% من مسلمي العالم غير عرب ولا يتحدثَّون اللغة العربية، واللغة هي الوعاء الثقافي لأي أُمة.. مما يدل على قبول عالٍ جدًّا يندر مثاله للتنوع العرقي والثقافي داخل الدولة المسلمة!

 

13 – قبول المنجز الحضاري البشري وبناء التراكم عليه: دولة المسلمين لن تعيد اختراع عجلة الحضارة منذ البداية، وشعارها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. فالرسول الكريم لم يدَّعِ لنفسه تأسيس مكارم الأخلاق، وإنما إتمام ما سبق من مكارم الأخلاق.. وفي أخذه لمشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق كوسيلة دفاع عسكرية لم تعرفها ثقافة العرب دليل على قبول المنجز الحضاري البشري والمراكمة عليه، وهو المبدأ الذي عمل به عمر بن الخطاب عندما أسس نظام الدواوين، إن هذا المبدأ على وجه الخصوص يتيح لدولة المسلمين الأخذ بآخر وأفضل ما وصل إليه البشر في علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد فضلا عن التقنية والعلوم التجريبية، والبناء عليه والمساهمة فيه.

 

هذه المبادئ العامة مجرد إشارات كلية كاشفة، ومعبرة، تحتاج إلى عقول مبدعة في رسم التفاصيل، وهي تلبي كل المطالب التي من أجلها يطالب من يطالب بدولة علمانية.. ثمة مطلب واحد لا يمكن تحقيقه -ليس بمنطق الشرع وحده- وإنما بمانع من المنطق والعقل.. لا يمكن أن يصبح رئيس الدولة -المجتمع المسلم-غير مسلم.. فمن واجبات الحاكم للدولة المسلمة إعلان الجهاد وهو فريضة شرعية إسلامية لحماية المقدسات الإسلامية، فكيف يقوم بأداء هذا الواجب الذي يعد ركنًا أصيلا من أركان الدولة في الإسلام حاكم غير مسلم؟ ناهيك عن تطبيق القوانين المدنية التي يؤصل لها الإسلام في المجتمع والدولة المسلمة!!

 

(4) أين تاريخ المسلمين من هذه الأسس أو المبادئ أو المطالب التي تكفلها الدولة المسلمة؟

 

لا شك أنّ فترات طويلة من تاريخ المسلمين تم خلالها تلاعب الدولة أو النظم الحاكمة بالنصوص الشرعية من أجل توطيد أركان الاستبداد في المجتمعات المسلمة، بل يمكن القول إنّ تاريخ الاستبداد والتلاعب بالنصوص الشرعية وتمكين الحاكم عن طريق تأصيلات تشرعن الظلم والفساد والاستئثار بالحكم وجعل الفقه والشرع في خدمة الحاكم، هذا التاريخ طويل جدًا مقارنة بتاريخ الخلافة الراشدة التي مثَّلت القيم الأساسية للدولة في الإسلام.. لكن مجرد صلاحية هذه القيم للتطبيق والتطوير والتعاطي مع الواقع ثبت بحكم التاريخ، مما يجعل عملية استدعائها والبناء عليها وتطويرها وفق مقتضيات العصر قائمة إلى قيام الساعة.. فالعبرة ليست بمدى طول الفترة الزمنية للتطبيق الأمثل بقدر ما هي في القابلية العملية للتطبيق..

 

فترة الخلافة الراشدة أنجزت كثيرًا من مطالب الدولة في الإسلام مع شهود بعض تراجعات نسبية عن تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة بشأن الحكم الذاتي الذي أقره النبي في الأقاليم التي أعلنت إسلامها، على العكس ركزت فترة الخلافة الراشدة على مركزية تعيين الولاة باعتبارها إمبراطورية ممتدة الأطراف ومع ذلك أنجزت الخلافة الراشدة تطورًا لافتًا في طريقة اختيار الحاكم وصلت إلى ترشيح ستة من كبار الصحابة لاختيار الحاكم من بينهم وهو سباق انتخابي سبقت به تطور التاريخ السياسي..

 

ثمة قضايا لم يكن الزمن ولا سياقات التاريخ ولا أحوال الدول المجاورة يسمحون للدولة الراشدة بحسمها فظلَّت معلقة، منها قضية التداول السلمي للسلطة وبقاء الحاكم مرهونًا بالموت أو العصيان الجلي لأوامر الله.. لكن الخلافة الراشدة التي أبدعت في نحو إحدى عشر عامًا تحويل اختيار الحاكم من البيعة على استخلاف ولي عهد واحد إلى نظام الانتخاب من بين مجموعة من المستخلفين المرشحين.. كان مؤملا منها أن تنجز الكثير من تطوير الفكر والأداء السياسي إذا مد له الخط الزمني على استقامته.

 

نسوق تاريخ الخلافة الراشدة باعتباره تاريخا واقعا وحقيقيا تمت إقامته على أرض الواقع.. بصرف النظر عن مصطلح الخلافة الذي بات يزعج مفكرين كثر.. ولا أقصد من سوقه أن الإسلام يريد من الدولة دائمًا أبدًا أن تكون على شكل الخلافة أو الإمبراطورية، فهذا في تقديري أمر يتغير مع الزمن ويمكن تطويره بسهولة لينطبق على الدولة القطرية الوطنية، وعلى نماذج أخرى من الاتحادات أو التقاربات بين مكونات الأمة المسلمة.. مثل الكونفدرالية أو السوق المشتركة، أو الاتحاد والتكتل الاقتصادي الصناعي، أو غيرها من أشكال التعاون..  على خلاف الشكل الإمبراطوري التقليدي الذي كان سائدًا في العالم حتى نحو قرنين من الزمان..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى