الأمة الثقافية

عبقرية لغة القرآن: الفرق بين (اسطاع) و(استطاع)

 

(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف – 97)

 

لا يأتي القرآن بألفاظه هكذا، وإنما لا بد من تأمل أصغر جزء فيه… ففيه من الحكم ما لا يحصى…

والسؤال: لم تغاير بناء الفعلين ( اسطاع / استطاع) ؟

عند مفسرينا اتجاهات عدة:

أضعفها… فيما نرى… القول بأنهما بمعنى واحد، والحذف هنا جاء تخفيفا… هذا اتجاه…

وقد رأى د. فاضل السامرائي ” أن الظهور عليه… أي الصعود فوق السد… أيسر من النقب، والنقب أشق عليهم وأثقل، فجيء بالفعل خفيفا مع الأخف، وجيء به مستوفى مع الأثقل فناسب “…

 

ولعلي لا أرتاح إلى هذا التفسير… على شهرته بين القوم… لأن السد عظيم ومحاولة صعوده أمر لا يقدر عليه أحد، ومن ثم فليس الصعود بأيسر من النقب، كما ذكر د.السامرائي …

والحق أني بعد بحث لم أر أفضل من تفسير أستاذي د. حسن طبل في كتابه عن أسلوب الالتفات ونصه” إن إيثار اسطاعوا في الآية الكريمة إلى جانب (يظهروه) يوحي بأن السد الذي أقامه ذو القرنين كان على درجة كبيرة من الملاسة والارتفاع أحس إزاءها أهل يأجوج ومأجوج باليأس، وتيقنوا منذ البداية من فقدانهم لوسائل تسوره، ومن ثم فإن في التحول عن هذه الصيغة إلى الصيغة الأخرى (استطاعوا) إلى جانب ( نقبا) ما يشعر بأنهم قد حاولوا فعلا إحداث هذا النقب بكل ما أوتوه من قوة، وما تهيأ لهم آنذاك من وسائل غير أن محاولاتهم في النهاية قد ذهبت أدراج الرياح أمام ثخانة هذا السد وصلابته “…

هذا الكلام على الرغم من قلة تداوله، غير أنه أوجه التخريجات وأعلاها… من وجهة نظري… وهذا يعني أن الفعل (اسطاع) دال على العجز والذهول وانعدام المحاولة، أما الفعل (استطاع) ففيه محاولة لنقب السد، لكن هيهات أن تفلح لهم محاولة…

قلت: والقرآن لا ينقضي عجائبه، والنكات لا تتزاحم… كما قال أكابر العلماء…

وكل ما سبق يصب في محاولة فهم أدنى لمرادات النص العظيم… فهو كالماسة أنى نظرت إليها ألقت عليك بأضوائها وأنوارها كما قال سيدنا العلامة د. حماسة عبداللطيف… رضي الله عنه ورحمه…

——————

د. أحمد درويش

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى