آراءبحوث ودراسات

عبد المنعم إسماعيل يكتب: إضاءات حول التيه

عبد المنعم إسماعيل
Latest posts by عبد المنعم إسماعيل (see all)

قال تعالى: قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) سورة المائدة .

التيه مفردة من مفردات القرآن الكريم لها مدلول لغوي ومدلول نفسي في حياة الأمة الإسلامية المعاصرة ويرتبط سماع هذه المفردة بعهود أزمنة الانتكاسة المتتالية ونقول :

معنى تيه في معجم المعاني الجامع – تَيْه (اسم) تَيْه: مصدر تاه ،تَيَّهَ ( فعل )، تيَّهَ يُتيِّه، تَتْييهًا، فهو مُتَيِّه، والمفعول مُتَيَّه، تَيَّهَهُ عَنْ عَمْدٍ: أَضَلَّهُ، ضَيَّعَهُ، تَيَّهَ نَفْسَهُ: حَيَّرَها، أوْ أَهْلَكَها

قصة التيه

بدأت قصة التيه التي حصلت لبني إسرائيل حال نكوصهم عن نصرة نبيهم موسى عليه السلام وكثرة عنادهم واستكبارهم.

سبب وقوع التيه باليهود هو نكوصهم عن الجهاد والحكمة حين أمرهم الله أن ادخلوا عليهم الباب أي ليس بينكم وبين نصركم عليهم إلا أن تدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وهذه قاعدة في علم القلوب، وفي علم الحروب، فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم، انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم.

وبعدها هل نفع النصح في يهود؟ وهل استجابوا لمقولة الرجلين، قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ا قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين.

أنواع التيه الذي يضرب الأمم والشعوب

التيه الحسي وهو ملازمة الاستضعاف للأمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تيه في الأفكار، وتيه في التصورات، وتيه في المشاعر وتيه في السلوك وتيه في الأخلاق وتيه في تعلم العلوم النافعة وتيه في إصلاح أوضاع المجتمعات وتيه في مجالات الاقتصاد، وتيه في مجال الاجتماعيات وتيه في مجال الإدارة، وتيه في مجال السياسة.

يرى البعض أن للتيه فوائد :-

تربية للأمة من جديد، فكما أن بنو إسرائيل تربت في التيه، وخرج منهم ذلك الجيل الذي فتح الله على يديه بيت المقدس، فإن التيه التي تعيشه أمتنا، والعلم عند الله تعالى، أنه لنفس الغرض وهذا أمر قد أرفضه فالتربية في محضن الأمان والاستقرار هي من تثمر جيل التمكين وما كان في زمن قوم موسى لا يقاس عليه لعلة وجود نبي الله يوشع بن نون على رأس الأمة فحينها يكون تلازم التربية في محضن النبوة أمر التسليم به مطلب والسعي إليه محمود شرعا.

حيث إن الأجيال الموجودة الآن في العالم الإسلامي كله من أقصاه إلى أقصاه، ليست مؤهلة لإصلاح الأوضاع البعيدة عن وسعها الخاص فمن عجز عن القيام بإصلاح الذي بين يديه فهو عن العجز لإصلاح الذي ليس في وسعه أعجز .

ليست الأجيال المعاصرة على استعداد لتحرير الأمة من التبعية إلى الريادة متى عجزت عن تحرير نفسها من التبعية للأهواء القائمة التي شقت الأمة إلى نصفين بل إلى مالا يحمد واقعه نتيجة حتمية التعصب والتمذهب الممقوت ولله الأمر .

أجيال التيه ليست مؤهلة للنهوض بالأمة ونقلها من التبعية إلى الريادة ما لم تحقق التبعية المطلقة للمنهج القويم وعمومية الانتساب للأمة والدين لا الرؤية والطائفة أو الحزب .

فالأمة بحاجة إلى إعادة التصفية والتربية تصفية ما علق بالأمة من عقائد باطلة اخصها الباطنية والإرجاء والعلمانية والصوفية التي مزقت القلوب خلف رموز الهلاك العقدي في الأمة ولله الأمر

وينظر البعض للتيه على انه فرصة لتربية جيلا على التوازي من الأهداف والأخطار التي في جميع الجوانب، ويكون الفتح والنصر على يديه.وهذا أمر بحاجة إلى إعادة نظر فلم تكن الفوضى بيئة تربية جيل يأتي بنصر والقياس على واقع بني إسرائيل قياس باطل حيث ما وقع عليهم كان في محضن نبي يعاين التربية لهم ويعيد ترتيب فكرهم وفهمهم للنصوص وهي مادة دفع التيه حال قبولها كما يريد الله عز وجل أو كما يريده محمد صلى الله عليه وسلم

تتنوع آثار التيه على مدار التاريخ فمنها انه :-

يعطل الطاقات الموجودة في الأمة ويجعلها عاجزة عن الإصلاح والتغيير فاقدة لسبل العطاء فيكون التيه نتيجة وعقاب، حتى يتغير هذا الجيل السلبي الذي شرب الضياع النفسي وقيل أن يكون مجرد أرقام في سجلات أعداد السكان وما هو إلا جيل متهالك.. وهنا تتوق البشرية عامة والأمة خاصة إلى الجيل الذي يحدث الفارق في جميع الجوانب ومنها :-

جيل يحدث الفارق المعرفي، ويحدث الفارق في عدم قبول الذوبان في عقول الظالمين ومفردات أفكارهم، جيل يعشق العطاء بكل معانيه عطاء روحي عطاء نفسي عطاء مادي يفرح بالعطاء أكثر من فرح الأخذ بالأخذ، جيل يحدث الفارق العقدي والفكري، جيل يستوعب الواقع ولا يغرق فيه ويعيش لتحقيق أحلام المستقبل ولا يجهل الوسائل الموازية، جيل يهيئ نفسه لان يكون الفتح على يديه ويرضى بتقدير الله على كل حال، جيل يعيش الإصلاح الشامل واقع حياة يدرك المأمول ولا يهجر الممكن جيل يستوعب الشمولية في التربية والإصلاح على كل المحاور .

محاور مقاومة التيه الكوني للأمة الإسلامية في الواقع المعاصر :-

المحور الدعوي:

ومن خلاله تجسيد قضية التصفية والتربية لما علق بالمنهج ورواد المنهج ووسائل المنهج غايات الأمة حيث تأمن الأمة من خلال هذا المحور إدراك مخاطر الدعوات الهدامة التي تنخر في جسد الأمة بكل وسائل الهدم وأخصها وسائل ضرب رموز الأمة من خلال اسقاط القدوة أمام الأجيال المعاصرة ولله الأمر

 المحور الاجتماعي :

وهو نجاح رواد الأمة في تحقيق الأمن الاجتماعي للجماهير حتى تأمن على نفسها من انفراط العقد الاجتماعي للأمة عن طريق نشر التعصب بين الجميع وإحياء رموز اللوثة الجاهلية في الأمة على ممر التاريخ والأجيال .

 المحور الاقتصادي:

عمدة هذا المحور أن الأمة التي تملك قوت يومها لا تملك قرارها إلا على أجساد المستضعفين التي أكلها الظلم والاستبداد من جانب والفقر والحاجة من جوانب متعددة .

 المحور السياسي :

وهو رائد المحاور حيث حين يقود هذا المحور أناس يعلمون مخاطر تمدد ظاهرة الطغيان للسياسيين وهذا ما يعقبه فساد في شتى المحاور فالاصلاح السياسي هو رأس الإصلاح حيث صلاح الراعي أمر يمتد أثره نحو صلاح الرعية تبعا

 محور إدارة الأزمات المعاصرة والمستجدة على السواء هذا المحور هو العاصم مم تكرار تجارب مر زمانها وبقي أثرها ولله الأمر فإدارة الأزمات للأمة والاعتبار أمر هام حتى لا تكرر الأمة تجارب بنفس الآليات التي سببت الأزمات.

الخصائص العامة لجيل مواجهة التيه :

جيل يتوافق مع السنن الجارية: فيدرك مفاتيح السنن فالصدام مع السنن هو أصل التيه الكوني للأمة فلا يطلب النصر بأسباب الهزيمة ولا يطلب الاعتصام بأسباب التفرق والهلاك ، لا يغالي في القدوة حتى يعصمها ولا يتتبع الزلات حتى يهدمها

جيل يستوعب تحارب التاريخ ولا يتغنى بنصر لم يشارك فيه وهو يسبح في بحار التبعية بكل صورها، جيل يدرك حقيقة التوكل وشمولية الأخذ بالأسباب والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، جيل يقود الأمة نحو إيجاد عالم لكل فروع المسائل العلمية و قائد يستوعب مشاكل الأمة في كافة المجالات، جيل يدرك أن عملية الإصلاح لا يكفيها العمل الفردي في الأمة بل بحاجة لعمل أممي جماعي تقوده الأمة بأسرها من خلال عملية توزيع الأدوار بين الجميع لعلاج كافة قضايا الأمة هنا وهناك وخاصة قضية الوعي الشامل الكفيل بأحداث نقلة نوعية في عالم الواقع المعاصر.

جيل يجسد النواة الصلبة القوية التي تنتصر على باطلها قبل خصومها تعيش الرحمة خلق عالمي معاصر تخشى مآلات التسويق العالمي لأمة لا يفهمه الواقع احتساب وهذا ليس معناه تغيير الثوابت بل حسن استعمال للأصول الثابتة في حياة الأمة كدين إسلامي لا كرؤية من مجموعة رؤى متعددة ، تحمل في ثناياها معاني تفر منها النفوس القوية بربها ودين نبيها محمد صلى الله عليه وسلم التيه عقاب من الله عزوجل لكل من انسلخ من حاضنة التسليم ب المراد الإلهي الشرعي ، التيه حين يصبح سبب لبلاد يكون العلاج سهلا أما أن يصبح التيه ظاهرة جيل أو أجيال أو فكر ترعاه الأيدي الآثمة في الأمة فهذا ما لا يتخيله عقل خاصة العقل الذي استوعب عهود العز للأمة المسلمة

التيه للأفراد والشعوب لا يقع فجأة أو يقع عبثيا أو يحدث عشوائيا كلا فدروب استهلاك نقاط التأثير داخل كل مجتمع لا يتم الوصول لقمة النجاح في استهلاك الطاقة البشرية الفعالة والناجزة في الواقع والتي هي عاصم بعد الله عز وجل، حاضنة أسباب التيه النفسي للشعوب، حاضنة فاعلية التيه النفسي للشعوب و حاضنة تتبع نتائج وآثار التيه النفسي للشعوب، طريق الخلاص من حاضنة التيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى