آراءأقلام حرة

عبد الله عبد الغني يكتب: ما بعد الحياة

الفيلم الوثائقي “ما بعد الحياة – علم التحلل الغريب”

في الفيلم الوثائقي الرائع “ما بعد الحياة – علم التحلل الغريب” حيث يتم إجراء معملي على مرأى ومسمع من الجمهور والكاميرات المثبتة في كل زاوية وركن ومنضدة من منزل زجاجي أُعد خصيصا لمراقبة مرحلة تحلل وتعفن أصناف مختارة من الأشياء: دجاجة مذبوحة تُركت في درجة حرارة دافئة، تفاحة، كسرة من الخبز، بيضة نيئة، ثم خنزير مذبوح ومسلوخ، وعلى مدى شهرين كاملين هم عُمر التجربة، جرت مراقبة الأحداث من قِـبل الباحثين على مدار الساعة وكتابة الملاحظات،

الجمهور كان حاضرا يوميا وشريكا في التجربة، فالحافلات كانت تنقل سيّاحا ورحلات مدرسية وكل من له اهتمام ويستطيع تحمّل رؤية العفن يتوحّش والفِطر يربو ويكسو الأشياء،

اما المشهد الأكثر صدمة، ويصعب على أغلب الناس مجرد النظر إليه، فهو تحلل الخنزير، والمرحلة الأخيرة التي تفقس فيها عشرات الملايين من اليرقات والديدان وتقوم بتفجير الجثة والخروج منها ثم الانقضاض على الخنزير بوحشية ونهم وتسابق محموم،

حين تنتهي الديدان والحشرات واليرقات من التهام الجثة تماما وتخليصها من أي شكل من أشكال الحياة فإنها تهيم على وجهها في المكان، لا تعرف ما تفعل،
ثم يبدأ مشهد من المشاهد التي قصدتها من سرد قصة هذا الفيلم، وهي أن الديدان والحشرات واليرقات قد بدأت في الالتفات إلى مصدر آخر للطعام، وهو أن يأكل بعضها بعضا، ويبدأ الصراع بين مئات الملايين من الديدان المكدّسة والمتزاحمة فوق بعضها ثم الفناء.

أما الذي استدعى إلى ذاكرتي هذا الفيلم الموجود على موقع علوم العرب وبثته الجزيرة الوثائقية، فهو  ما يبدو أننا نتجه إليه من مصير الديدان، إذ من الجلي أن هناك من يدفع المصريين بالذات في اتجاه هذا المصير،

تفكك اجتماعي وتكـوّر فئات منه على بعضها كجزر متنافسة ومتناحرة، انصهار لمنظومة القيم والأخلاق وذوبانها وسيلانها على الأرض، غلاء معيشة يجعل الانكفاء على النفس وكفّ اليد عن مساعدة الغير خيارًا إجباريا ،

انحسار للعلاقات البـنّاءة لما فيها من مجاملات وزيارات اجتماعية بين أصدقاء العمل والجيران والأقارب،
استشراء القتل والجرائم والسلب والنهب والنصب وقسوة القلب للدرجة التي لم تعد أخبار الحوادث تثير أحدا أو تلفت انتباه من يسمع،

بينما شهدنا في بعض الفترات كيف كانت تُخصّص جرائد للحوادث وينادي الباعة بعنوان الحادث ليتخاطفها المارة في الشوارع، والميادين،

أخشى أن نكون الآن في اللحظات الأخيرة التي سيستدير الناس فيها إلى بعضهم البعض، إذ لم يعد يكفيهم أن يلتهموا الآخرين ويعتاشوا عليهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى