أقلام حرة

عبد الله عبد الغني يكتب: الذين خُـلِّـفوا

الذين خُـلِّـفوا

 

أُقيمت صلاة الفجر، فنهض القاعدون وقاموا واصطفوا خلف الإمام الذي نبههم بأن يستووا ويسدُّوا الفجوات، ولا يدعوا للشيطان ثغرة يدخل منها ،

ساد صمتٌ وسكون لا يقطعه سعال ولا تنخمات، ثم كبّر الإمام تكبيرة الإحرام، وقرأ الفاتحة ومنها إلى سورة التوبة، قاصدا مباشرةً الآية 117 .. (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)


أغلب الحاضرين كانوا من هؤلاء الأنصار والمهاجرين، ويسمعون الآن بآذانهم الإمام الذي هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبلغهم بتوبة الله عليهم وفوق التوبة بشارة أخرى بالرحمة والرافة .
الآيات نزلت للتو، ويتلوها رسوله على الناس لأول مرة وهم في الصلاة .


أي سعادة تلك ؟ وهل تمالكوا أنفسهم وقاوموا البكاء ؟ وكيف فعلوا بعد الصلاة ؟ وبعد الانصراف؟
كيف دخلوا على زوجاتهم ؟ فكل منهم لا يحمل قفصا من الفاكهة أو لفافة من اللحم ، بل يحمل بلاغا وبشارة من خالقه ،


هل قـبّل أحدهم أطفاله وأهله وتحاضنوا جميعا ؟ .
أما أنت فكنت واحدا من الثلاثة الذين خُلِّفوا ،
انتقل الإمام للآية 118 ، سمعته يتلو فيك وعنك (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)


تعلم ويعلم الناس أنك واحد من هؤلاء الثلاثة، وتسمع رسالة ربك إليك بالعفو والمغفرة والرحمة ،
تشعر أن الجميع يشيرون إليك حتى وهم في الصلاة ، تدور أنت بخاطرهم الآن ، جارك الذي يلامس كتفك، وجارك من الخلف، وكل من يستطيع رؤيتك أو تمييزك يحسدك الآن على تخصيصك من دون الناس وإشهارك وإبلاغك بالتوبة ،
تتنقل بين المساجد المختلفة فتسمعها من إمام آخر ،


تختفي بين الناس في المساجد أو في صفوف المصلين فوق رمال الصحراء والناس في سفر فتستمع إلى كلام ربك فيك أنت ،
يفتح جارك صفحة مصحفه فيمر عليها بصوته فتشهق أنفاسك خوفا وفرحا لأنك المقصود بذلك ،
(هل تتخيل معي وتعيش شعور الذين عاشوا فترة نزول الوحي ثم قصدهم الله بايات واشار اليهم اما بالمغفرة او بالعذاب ؟!)


لقد امتدت حياتهم بعد نزول الآيات لسنوات طوال.. فكيف عاشوا وكيف ناموا واستيقظوا وباعوا واشتروا وتزوجوا وهم بشعور من هو تحت نظر ربه ؟


هل تجرّأ أحدٌ من أصحاب التوبة بعد ذلك على معصية أو حتى ذنب صغير ،


لم يخبرنا أحدٌ عن حياة هؤلاء من بعد التوبة .

 
 
 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى