آراءبحوث ودراسات

عباس المناصرة يكتب: تاريخ الآداب الإنسانية.. «بدايات ومؤثرات» (3)

Latest posts by عباس المناصرة (see all)

(7)الأدب الإسلامي قبل الرسالة الخاتمة

 

الأدب الإسلامي إذا أخذناه بمفهوم الآية الكريمة (إن الدين عند الله الإسلام)، فإنه يعني أدب الأمم الإسلامية التي عبدت الله على دين التوحيد، من آدم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء، في الرسالة الإسلامية الأممية،لأن جميع الأنبياء كان مضمون رسالتهم واحد وهو أن: (اعبدوا الله مالكم من إله غيره)، فكيف عبر المؤمنون عبر حقب التاريخ عن مشاعرهم تجاه الحياة ومواقفهم ومعاناتهم؟ لا شك أنهم استعملوا اللغة التي هي أداة الأدب قال تعالى: (خَلَق الإنسان علمه البيان)، ولكن الكتابة والتدوين هو الذي تأخر عند الإنسان، والإنسان تعلم اللغة مبكرا قال تعالى: (وعلّم آدم الأسماء كلها)، لأنه جاء بالخلق المباشر من الله سبحانه وتعالى، وليس له أب ولا أم ولا بيئة يتعلم منها اللغة، ولذلك عوضه الله سبحانه وتعالى بالتعليم المباشر، وكانت حياة الإنسان على الأرض في بدايتها تقوم على الكلمة المسموعة والمشافهة، ولأنه لم يتوصل إلى الكتابة والكلمة المكتوبة إلا في فترات متأخرة من التاريخ، ولذلك ضاع كثير من علم الإنسان وتجاربه وثقافته وآداب هو فنونه، وطواها النسيان لتأخر الكتابة والتدوين.

 

لكننا نعود ونقول أنه منذ أن نفخ الله سبحانه وتعالى الروح في آدم عليه السلام، وجعل له قلباً ينبض بالحياة بين جنبيه،والإنسان يحمل مشاعره، ويشعر بموقعه تجاه الحياة والأحداث ويعبر عن نفسه وهمومها، وهذا هو الأدب بعينه،أنه باروميتر يقيس جدوى الحياة وفائدتها، وما تم إشباعه من طموحاتنا،وما لم يتم أو يتحقق منها، وما نشتاق إلى تحقيقه، ولذلك نحن نتخيل أن الآداب والفنون التي أنتجها المؤمنون والمسلمون الأوائل من أتباع الأنبياء في جميع مراحل الإسلام، من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته الذي ورثت حمل رسالة من بعده،كلها تمتاز بالخيال الفني الواقعي،وبلاغتها وبيانها وأدبها مرتبط بعقيدة التوحيد، وهم يختلفون عن خيال وفنيات الأمم الوثنية، الذي قام على الأساطير والخرافات والسحر، وسبب هذا الافتراق واضح وجلي، يقوم على مقدمة منهجية ومنطقية، هو أنهم استمدوا أدواتهم الفنية من ماده الواقع كما فهمه هؤلاء المسلمون الذي عاشوا تحت ظلال عقيدة التوحيد، وهي العقيدة الواضحة المعالم في تفسير الحياة ووجود الإنسان، ومقصد خلق الله له، لأنهم تلقوها ناصعة جليه على يد الأنبياء في مختلف العصور.

 

ورغم أننا لا نملك نصوصا قديمة تثبت ما ذهبنا إليه علي منتجهم الأدبي، لأن العصور الموغلة في القدم كانت تقوم على الثقافة الشفوية قبل اكتشاف الحرف، وتوصل الإنسان إلى الكتابة والتدوين، وحيث ضاع الكثير من تجارب وعلم الإنسانية وخبراتها وطواه النسيان، إلا أننا لا نعدم بعض الأدلة والمؤشرات التي تؤيد ما ذهبنا إليه، وتقوي الميل العلمي إلى الأخذ بها، والاستفادة منها وهذه الدلائل هي:

 

(1) نستطيع أن نستدل على ذلك في بعض ما ورد من نصوص الإنجيل ومن التوراة، ورغم أنه لا يعتد بما فيهما من الحقائق المحرفة، وذلك للبعد الواضح بين تاريخ هذه النصوص وعصر التدوين الذي دونت فيه، إلا أننا يمكننا الاستفادة من ما ورد فيها من قطع تحسب على فنون الأدب: (كالقصص والأمثال والشعر والغزل)، التي كتبها مدونوا التوراة للتعبير عن ذواتهم، ونلاحظ أن هذه النصوص لا يوجد فيها الخيال المجنح الذي يمتد مع الأساطير والترهات، التي تستثمر في بناء النسيج الأدبي التي لمتألفها عقلية أتباع ديانة التوحيد على اختلاف مسمياتها (الأديان السماوية).

 

(2) والدليل الثاني: أن مما لاحظناه وجدنا أن الباحث الفرنسي ارنست دينان سبقنا إلى تأكيده، ذلك حين اتهم الخيال السامي في التوراة بأنه خيال واقعي غير ممتد في جانبه الأدبي لأنه لا يشبه الآداب الإغريقية وخيالها المجنح القوي، الذي يعتمد على الأساطير والمسرح والملاحم، ثم عمم ذلك على الخيال في الآداب السامية ومنها (الأدب العربي).

 

(3) ونحن نؤكد نفس الفكرة،فيما ورد إلينا من نصوص أدبيه تمثل بقايا الأدب الإسلامي في العصر الجاهلي العربي, من بقايا المسلمين أتباع سيدنا إسماعيل عليه السلام، فيها سمات الأدب الإسلامي بواقعيته في الأبنية الفنية وفي خياله المستمد من الواقع الطبيعي، أو من المخيلة الدينية التي تحمل بقايا دين التوحيد في العصر الجاهلي، ومن أمثال ذلك قول زهير بن أبي سلمى الذي يعتبره بعض الباحثين من أواخر الموحدين على دين إسماعيل عليه السلام وفي معلقته الشهيرة:

 

* فلا تكتمن الله ما في صدوركم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

* يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينقم

 

وكذلك ما نراه من عقيدة التوحيد والاعتقاد بالبعث ويوم القيامة في كثير من أشعاره،وبخاصة قصيدته المعروفة باللامية التي يقول فيها:

 

* ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أَرى

من الأمر أو  يبدوا لهم ما بدا ليا

 

* بدا ليَّ أن الله حق فزادني

إلى الحق تقوى ما كان باديا

 

* بدا ليَّ أن الناس تفنى نفوسهم

وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا

 

ويلاحظ الباحث في لغة زهير الفنية أنه يمتاز بالخيال الواقعي الذي يخدم الموقف الشعوري، وذلك من خلال البلاغة والبيان الأدبي الذي يستمد صوره وتشبيهاته من الواقع اليومي وخبراته ببساطته وعمقه، ومن أمثله ذلك تشبيهه لموكب مجموعة من النسوة المسافرات المتجهات إلى وادي الرس كتوجيه اليد إلى الفم لا تخطئه ولا تحيد عنه، ومن خلال صورة فنية تمتاز بالبساطة والصدق والعمق، وبهذا السهل الممتنع ذلك بقوله:

 

بكرنَ بكوراً واستحرن بسحرهِ فَهُنَّ لوادِ الرَّسِ كاليدِ للفَمِ

 

أو كقول لبيد في معلقته:

 

فارضَ بما قسَم المليكُ       فإنما   قسم الممالك بيننا علامها

 

ومن الأمثلة أيضا على تقنيات البساطة والدقة والواقعية عنده:

 

فلو لم يكن في كفه غيرُ نفسه         لجاد بها فليتق اللهَ سائله

 

ويمكن للدارس أن يتابع ذلك في آثار شعراء آخرين من العصر الجاهلي.

 

(8) الأدب الإسلامي مع الرسالة الخاتمة

 

ثم جاء النبي الخاتم لرسالة الإسلام الكاملة المهيمنة على ما سبق من هدي الإسلام للأمم الإسلامية السابقة، وجاء هذا الإسلام الكامل الشامل، الذي يخاطب الإنسانية بكاملها، بما يتناسب مع نضوج البشرية في طورها الحضاري الأخير، يخاطب جميع الأمم خطاب جامعاً، بعد أن كان يخاطبهم في السابق مخاطبة الأجزاء والشعوب والأقوام والقبائل، جاء دور الإسلام الكامل الذي يخاطب البشرية كافة في قوله تعالى:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)،

وقوله تعالى أيضا:(وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً، ولكن أكثر الناسٍ لا يعلمون).

وقوله تعالى:(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).

وجاء الكتاب المقدس لهذه الرسالة الخاتمة والمعجزة الخالدة(القرآن الكريم) و(الحديث الشريف)، لنجد أن مرجعية هذا الدين الخاتم تعتمد لغة البيان والأسلوب الأدبي المحبب لدى البشر، ومخاطبة العقل البشري خطاباً أدبياً معجزاً خالداً، يدفعه إلى التفكير والتأمل في الواقع  الكوني المحيط بما يحتويه من مسخرات الحيوان والنبات والجماد والهواء والنجوم والكواكب والسماء والأرض، وكلها في صورها البلاغية مستمدة من الواقع الذي لا خرافة فيه ولا أساطير ولا سحر ولا عرافه، وبعيداً أيضاً عن جدل الفلسفة وجفاف أساليبها وطباعها.

 

وهذا ما صنعه القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من تأثير وتأسيس في الأدب الإسلامي، من أدب اللغة العربية ثم امتدت أثيره مع انتشار الإسلام في الآداب الإسلامية ولغات الشعوب الإسلامية الأخرى، وكلها توكيد للبلاغة الواقعية البعيدة عن صناعات الخيال الوثني المجنح، وذلك لأنها تميل إلى الصدق الفني الذي يخدم الصدق الواقعي الذي أشرنا إليه في الواقعية الإسلامية واقعية (الغيب والشهادة)، ويمتد مع المخيلة التي صنعتها العقيدة الإسلامية ليكون الخيال الإسلامي قائماً على البلاغة الواقعية والبيان، الذي يؤكد الاتصال بالمضامين التي ترسمها العقيدة الإسلامية والنظام الشامل للإسلام في ذهن المسلم، لأن الخيال الإسلامي يمتد حيث تمتد العقيدة الإسلامية، حين ترسم صورة كاملة عن الحياة، من بداية خلق الكون إلى نهاية يوم القيامة، وما تتعلمه الذاكرة الإسلامية من تفاصيل عن العقيدة ومقصد وجودنا في الحياة،وأوامر الله سبحانه وتعالى بحال مخلوقاته صغيرها وكبيرها إلى حقائق يوم القيامة وتفاصيلها وما يحدث في الكون من انفراط لعقد، كواكبه ونجومه، وظهور الجنة والنار وأحوال الخلق وتفاصيلها.

 

وهذا الأمر الذي نكشفه من سمات بلاغة الواقع والبيان الحق، هو ليس سمة سلبية لآداب أمم التوحيد والإسلام، بل هو تأكيد على هوية مستقلة لآداب هذه الأمم الموحدة العابدة لله سبحانه وتعالى في مذهب مترابط لآداب هذا التوحيد التي أنتجتها أجيال المؤمنين في عصور الأنبياء وأتباعهم، وبالذات الإسلام في عصر الرسالة الخاتمة، عصر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته الوارثة لهذا الدين إلى نهاية الزمان، وهو أمر مرتبط بعقيدة التوحيد ووضوحها في عقول  المؤمنين، حين فسرت لهم الحياة ومقصد وجودنا فيها ووضحت لهم العلاقة مع المخلوقات التي سخرها الله لهم، وبذلك لم يقع عقل هذا المسلم في الخوف من الكائنات ولم يعبدها، و ظل متصلا بعلم الوحي و بخالقه، ولم يحتاج إلى صناعه الأساطير والأديان الوثنية والخرافات لتفسير الحياة، ولا وقع في تمجيد الذات والدوران حولها والروحنة والترويض،ولذلك جاء أدبه متطابقاً مع خياله الذي امتد مع عقيدته، هذه سمة آداب التوحيد والموحدين لله عبر عصور التاريخ، وهي تدل على نضج العقل ووضوح الهدف وبلاغة الواقع،لأنه لم يقع في البدائية والمراحل الطفولية والتفلسف التي وقع فيها العقل المنفصل، الذي انقطع عن الوحي ورفض التلقي منه. وهذه الفرية التي أطلقها بعض المؤرخين من المستشرقين، وبالذات أرنست رينان الفرنسي حين زعم أن الأدب العربي والإسلامي في مجموعهِ متخلفاً، إذا ما قورن بالآداب الإغريقية (اليونانية والرومانية)، وأن كثيرا من الألوان تنقصه كالقصة والمسرحية والملاحم الشعرية والأساطير التي تدل على سعه الخيال المجنح وامتداده، ونسي هؤلاء أن الأساطير مرتبطة بثقافة العقل الوثني المنفصل عن علوم الوحي، وأن الخيال السامي والإسلامي هو خيال أمم التوحيد، ولم يدرك أن هذا الأدب هو أدب الحياة الإنسانية الراقية، التي تخلصت من الخضوع للطبيعة والأوهام والآلهة التي صنعها الوثني من أوهامه.

 

كما أن هذا المؤرخ وقع في هذا الخطأ الجسيم قد خالف منهج العلم والعدل، حين قاس الآداب الإسلامية على ما أُلف من الآداب الأوروبية الإغريقية، حيث جعل هذه الآداب نموذجا يحتذى ويقاس عليه، فمن الذي اعترف له بصحة هذا المقياس النقدي وسمح له أن يجعل من هذا الأدب نموذجاً؟!أليس هو العقلية الاستعمارية العنصرية المدفوعة بحالة الاستعلاء الأوروبي، وهي حاله مؤقتة ونهايتها إلى زوال بإذن الله، ولا يرددها إلا تلاميذ الاستعمار من المستغربين في بلادنا.

 

ولو أننا عكسنا القياس وخالفنا هذا المنهاج، لقلنا أن آدابهم هو أدب الإنسان المتخلف، الذي وقع تحت رحمة الطبيعة حين اختار البدائية،وانفصل عن علم الوحي فوقع في صناعه الأساطير والآلهة، وجعل الحرية المطلقة معبوده وهدفه ومنهجه الذي يركض وراءه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى