آراءأقلام حرة

عادل الشريف يكتب: تعالواْ أحدثكم عن الديمقراطية

نعم تعالوا لأن من يريد الاستماع إلى حديث عن الديمقراطية ينبغي أن يتعالى ويكبُر قلبه ويتسع صدره لأنه يريد أن يكون إنسانا غاليا، فحديث الديمقراطية حديث يقترب من القداسة لأنه من حقوق الإنسان الذي من أجل استخلافه خلق الله السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وأنزل الكتب وأقّتَ الرسل وجعل القيامة والموازين والجنة والنار.. إن الحديث عن الديمقراطية هو حديث عن أبرز جوانب النفس السوية الراضية العادلة، وضد الحديث عن الديمقراطية هو الحديث عن الظلم والبغي والطغيان.

 

إن الإنصاف يستدعي ممن يريد الحكم على شيء أن يرصد نشأته فإن وجد غرض النشأة سلبيا معادياً بادله العداء وإلا فلا.. لقد كان السيد جيفرسون القادم تاريخيا من العصر اليوناني البطلمي يمتلك مزرعة كبيرة وكان له فيها عبيد وإماء والرجل صاحب نفس طيبة وادعة أرضعته أمه رضاعة طبيعية جيدة فنشأ طيب النفس كريماً مثلما حدثنا نبينا الحبيب عن العلاقة الطردية بين كمال الإرضاع والأمير العادل.. كان السيد جيفرسون يتعامل مع العاملين في مزرعته بتواضع ومودة ويجمعهم على الطعام كما يجمعهم أيضا للتشاور معهم في شئونهم الحياتية وتنظيم الأعمال وكيف يتناوبون ومتى يستريحون وكيف ينجزون القدر الأعلى من الإنتاج الذي يستمتعون بنتاجه بعد تسويقه بأنصبة عادلة، وكانت المزرعة فعلا متميزة بين المزارع المجاورة بسعادة أهلها ووفرة إنتاجها.. لقد أطلق المفكرون على هذا المسلك بين جيفرسون وزمرته مصطلح الديمقراطية، وادُخر المصطلح في التاريخ اللاتيني للثقافة الأوروبية ، فلما قامت ثورات أوروبا الظامئة إلى الحرية والعدالة واستكمال حقوق الإنسان فاستدعت الشعوب الثائرة هذا المصطلح من ذاكرة أوروبا اللاتينية وثقافتها القديمة.

 

لم ينشأ مصطلح الديمقراطية إذن معاديا للإسلام ولا مناصراً لقضية الشذوذ الجنسي والمثليين، إن للديمقراطية تجارب كثيرة وتطبيقات عديدة وبها يصل مرسي لمنصة حكم مصر ليقود الناس على نور من ربهم وفوق رأسه ورؤوس القضاة من حوله دستور يمنعهم من تجاوز مقررات شريعة ربهم.. فلماذا أطلقتم على مرسي تهمة الكفر؟ لأنه قادم عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية، ورفضتم الدعاء له بالرحمة.. أديمقراطية يصل بها الحكام ونواب الأمة إلى منصات ومقاعد إدارة البلاد عبر صناديق إرادة الأمة يقيمون بها العدل والحرية خير؟.. أم ملكية مستبدة وحكومات فاجرة طاغية.. مالكم كيف تحكمون؟

 

هل حين أوجب الله على نبيه أن يشاور المسلمين في كل أمورهم الحياتية (وشاورهم في الأمر..) عقب مصيبة أحد التي ظن الناس أن هزيمتهم كانت بسبب الشورى فأنزل الله الأمر بوجوب الشورى على نبيه فكيف لا تجب الشورى على التوافه الشراذم المستبدين؟.. وإذا ساق الله فريضة الشورى بين فريضتين عظيمتين من فرائض الإسلام وفي إطار الاستجابة للرب الخالق العظيم الكبير المتعال وفي سورة تسمت باسمها {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}.. (سورة الشورى)، ثم يأتي الأوباش بعد هذه البيانات المفصلة ليقولوا أن الشورى مُعلمة للأمير وليس مُلزمة له بحتمية اتباع مقرراتها الحاوية لإرادة الأمة بمن فيهم من أهل حلها وعقدها.. وذات الأوباش الذين انتقصوا قدر الشورى وعالي مقامها هم هم من يحارب الديمقراطية ويرجمونها بالحجارة صباح مساء ..

 

وما أرى الديمقراطية إلا صورة للشورى ولكن الأولى باسم غربي، والثانية باسم عربي، ومصطلح الديمقراطية واسع الشهرة والانتشار وله تطبيقات عديدة ومتنوعة، بينما مصطلح الشورى لا يمتلك إلا تجارب معدودة على أصابع اليد، فلقد تراجعت أسهم الشورى منذ انحرفت الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض وفي وقت مبكر جدا من تاريخ الإسلام..

 

ولكن مرسي أحيا المصطلح وأمده بالحياة ورضي بتبعاته، ومرسي القادم المنتصر بالشورى سوف يقدم نماذج وتطبيقات أكثر ثراء تغني مصطلح الشورى عن مصطلح الديمقراطية قريبا إن شاء الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى