آراءأقلام حرة

عادل الشريف يكتب: الفهم الآخر للعلمانية

قابلت اليوم شاباً متميزاً يعيش في انجلترا وفي نهاية لقائنا سألني إن كنت أطلب منه شيئاً يستطيع فعله، فقلت له على الفور: نعم أريدك أن تبحث عن الكاتدرائية العلمانية في لندن وتصوّر لي منها بقدر ما تستطيع خاصة ما نُقش على حجارتها من تواريخ وأسماء، تعجّب الابن الكريم من تكليفي ولكني أفصحت له باختصار عن أهمية التكليف،

 

فمعظم المثقفين العرب يظنون العلمانية نتاجاً محوريا للثورات الأوروبية وخاصة الثورة الفرنسية الأم، والحقيقة أن هناك ثورة سبقت في انجلترا قبل نحو مائتي عام من الثورة الفرنسية وقد مال وانحاز فيها شباب ورجال طبقة النبلاء للنداءات الشعبية الراغبة في العدل والحرية وأسفر هذا الزخم عن صدور الماجنا كارتا (الوثيقة التي كانت تحدد مساحة سلطة الملك والأمراء على الشعب لكي لا يستكبروا على الناس ويستطيلوا)،

 

فترتبت على شبه الثورة هذه ثورة رجال الكنيسة على بابا الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية وكبار داعميه ومساعديه والمطالبة بالحد من تغول الكنيسة في ممارسة السلطة الزمنية، وانحاز قطاع كبير من الشعب الإنجليزي إلى ثوار الكنيسة من داخل الكنيسة على الكنيسة وليس على الدين المسيحي وشريعته التوراتية وأسّسوا الكاتدرائية العلمانية بمفهوم العلمانية الأصلي بتنحية سلطة رجال الكنيسة عن الواقع الحياتي للناس ، وتقليص سطوة الكنيسة التي دعمت الظالمين والطغاة بأفكار مشابهة جدا لكتاب الأمير الذي تحس أن كاتبه هو ياسر برهامي أكثر من ميكافيللي.

 

إذن أصل العلمانية هو تنحية سلطة الكنيسة ورجالها عن إدارة حياة الناس وليس تنحية الدين وشريعته من حياة الناس، وبمثل هذا الفهم أجاب جون لوك الفيلسوف الإنجليزي المؤسس لفكرة الليبرالية عن سؤال: هل نحن كليبراليين محتم علينا استبعاد مقررات الشريعة التوراتية من دوائر الإنفاذ القانونية؟، فأجاب لوك: إذا كانت تحقق عدلا وتسعد حياة وتنظم أمورًا مهمة في حياتنا فلماذا نستبعدها؟

 

وإذن فمحصلة هذا السياق أن مصطلح العلمانية والليبرالية لم ينشأ كل منهما معادياً للدين بل معادياً للظلم الذي أنتجه التوافق بين الطغاة ورجال الدين فتحول النص الممسوخ إلى مخدر، والنص اليقظ إلى غياهب التغييب، ولكني أرى بشكل يقيني أن النص الذي أنتجه فم النبي وهو يجيب مجموعة الأنصار في واقعة تأبير النخل (أنتم أعلم بأمور دنياكم) هو أكبر ثورة على الكنيسة والمسجد أيضاً إذا حاول أن يلعب نفس الدور الرخيص، وثورة على كل من يريد أن يصادر حرية الإنسان ويفرض وصاية على إبداعاته ومواهبه الفطرية الممنوحة له من ربه الخالق والذي يحب أن يرى اثر نعمته ومواهبه على عبده، ألم يقل ذالك رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟

 

ربما سيفاجأ كلامي هذا الكثيرين الذين كانوا يقتاتون على معادة العلمانية بما فيهم العلمانيين العرب أنفسهم والذين كانوا يجنحون إلى الوجهة العلمانية باعتبارها مسوغ العداء للإسلام ولدولته وشريعته وخلافته، وهم بهذا الفهم جد واهمون، وإذا قيسوا بالعلماني الغربي الحر ستراهم بين الحمق والغل والحقد يسكنون.

 

ولقد سجلت في كتابي (السلفية المعاصرة في ميزان الربيع العربي) مبحثاً في نشأة الديمقراطية وبعدما قرأه واحد من الأذكياء قال: لم أكن أبدا أعني بحيوية وحتمية الديمقراطية ولكني بعدما قرأت هذا المبحث فإنني أراها قريبا من القداسة، فقلت لقد جعلها الله مقدسة ولكن في ثوب (الشورى).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى