آراءأقلام حرة

عادل الشريف يكتب: أيهما أغلى.. السنة أم كنوز الدنيا؟

ووقفنا في المقال السابق على عجيبة من عجائب دلائل الأعجاز في لغة القرآن التي اصطفى لها الله تعالى حشدا من أطايب خلقه قاموا بواجب الإحسان في ميدان لغة القرآن أحسن قيام، فكأنهم وقد انسحب على عملهم بركة الإعجاز الذي جعله الله لكتابه أن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكأنهم أيضا قاموا بسد كل الفراغات التي تجعل لغة القرآن متينة البناء المنهجي القياسي وإلى درجة أن يقوم البعض مثل نافع وابن الأزرق في رصد غريب القرآن ويستلهما من الشعر كديوان للعربية معاني هذه الكلمات الغريبة على الأذن العربية الأصيلة، كما يرصد غيرهم الكلمات التي استضافها العرب من لغات الحضارات المجاورة كسندس وقسورة وكأن القرآن يكرس ويوقر كل ابجديات واقعهم ليشمله في كتابه المخاطب لهم، ومن العجب أن معظم الذين أبدعوا في لغة العرب كانوا من غير العرب في لفتة رائعة تبين القيمة الجمالية الأعظم لهذا الكتاب ولغته الأخاذة المبهرة، فقصصهم جميعا تتلخص في أنهم ذهبوا إلى مدارسة اللغة فقط ليتمكنوا من القراءة الصحيحة للقرآن، فإذا بهم تأخذ بألبابهم هذه اللغة مثل غواصي البحار الذين قد يفقدون حياتهم نسيانا لأنابيب الأكسجين من عظم دهشتهم بالعجائب التي ينظرونها في عالم البحار، وتشتهر هذه الموتة عندهم بدهشة البحر.

 

فظل هؤلاء يدرسون ويغوصون ويتألقون حتى انقلبوا من طلاب علم اللغة إلى أساتذتها وفقهائها فكان نتاجهم مثلما رأيتم يا عاشقي اللغة وآدابها وكنوزها خاصة في معين القرآن.

 

وفي ذات الاتجاه كانت السنة، ولم تكن أقل حظا من اللغة بل كانت أوفر حظا لان من بكوا يوم وفاة النبي وكادت أرواحهم تغادرهم من غيمات الحزن البنفسجية التي أغرقتهم وألجمتهم، لدرجة أن كلمات معدودة لأم أيمن حاضنة النبي  تُجهش أبا بكر وعمر وتغيبهما في موجة بكاء جارفة لايفيقان منها بسهولة ( لم يحزنني في فقد النبي قدر انقطاع وحي الله عن الأرض )، وأرى أن يوم بكاء النبي هو ذات يوم استيقاظ أزواجه وأصحابه لحتمية حفظ سنته وسيرته،  فلم تكن زوجاته أمهاتنا ليغفلن عن أمر ربهم {واذكرن ما يُتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة}..  (الأحزاب)، والحكمة طبعا باتفاق أهل العلم السابقين واللاحقين هي سنته، فالعطف هنا يقتضي المغايرة، فالآيات بذلك غير الحكمة،  وإذا كانت الحكمة تعني أن يكون الشيء في موضعه، فكل كلماته في موضعها، وكل أفعاله في موضعها، وصفاته وتقريراته وأوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم كلها في مواضعها الدقيقة، وإذا كان الممسوخون الذين قصروا ماعون الدين على القرآن يقولون عن قوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) يقصد به القرآن دون سواه، فلهؤلاء نتهمهم في مصداقيات عقولهم فإن منطوق القرآن لا يتجاوز معشار ما نطق به النبي بعد بعثته الشريفة، وهل كان الله مبالغا وهو يزكي كل ما نطق به، وكان يمكن أن يقول (وما يتلوا من قرآن عن هوى… مثلا)، ولكنه تعالي زكي نطقه كله حتى وهو يجيب سائله خباب عن موقع بدر أنها الحرب والمشورة والمكيدة كان لا ينطق عن الهوى،  وأيضاً وهو يشاور السعدين حول ثلث ثمار المدينة إلى غطفان ويرضى برأيهما كان لا ينطق عن الهوى،  وهو يشاور للخروج لأحد وينفذ عكس مراده كان لا ينطق عن الهوى،  ولما قال لمؤبري النخل أنتم اعلم بأمور دنياكم لم يك ينطق عن الهوى، فكان طيلة حياته بعد البعثة لا ينطق عن الهوى،  فأين يذهب نطقه وفعله وقراراته وتقريراته ومحاوراته ومشاوراته.. أين تذهب السنة يا أيها العدنان الغلبان..

 

إذا هانت عليك السنة يا مسكين الفهم فلم تهن علينا، فإذا كانت نوبة بكاء الأصحاب على فراقه قد توقفت برحيلهم فما زلنا نحن نبكي فراقه ونغبط الأصحاب الذين راوه، وفاطمة تسألهم في أسى الشجي الحزين يومها (أهان عليكم أن تحثوا التراب على وجه نبيكم..)، لم يهن عليهم ولا علينا، وحتى اليوم نستحضر سنته لنزاحم الأصحاب رفقته وهو شاخص فينا بحكمته وسنته ونبوته ورحمته وأبوته وقيادته وحنانه و….  السنة حياة للنبي فكيف نميتها.. كيف يا كارم؟، كيف يا حسام؟، كيف يا عدنان؟.

 

أعرف إجابتكم السمجة أنكم لا تنكرون السنة، وعدنان لم ينكر السنة، فأقول: يا مساكين إذا أسقطتم كمال صحة كل مسانيد السنة فلقد أضحت كلها نهبا للريب والأخذ والرد ولا يعول عليها كماعون تشريع أبدا، أبدأ، وأنتم تعرفون ذلك وتستهبلون، ولذلك فإن مقال الغد إن شاء الله عن مكانة السنة في التشريع الإسلامي فتابعوا يرحمني ويرحمكم الله،  الكفار يصبرون على باطلهم إلا تصبرون على أغلى حق على هذه الأرض؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى