آراءأقلام حرة

عائدة بن عمر تكتب: السعودية.. مخاطر التحول من فاتيكان إسلامي إلى نظام علماني!

عائدة بن عمر
Latest posts by عائدة بن عمر (see all)

في البدء كانت الحركة الوهابية تمثل مناقضا فكريا وسياسيا للدولة العثمانية مما جعل بريطانيا ومعها الدول الاستعمارية التي كانت تتأهب لاقتسام الإرث العثماني تجد في حركة آل سعود حليفا منطقيا في لعبة الصراع والتنافس الدولي ،وعندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتشكيل النظام الدولي الجديد الذي يقوم على القطبية الثنائية وانطلاق الحرب الباردة بين المعسكرين (المعسكر الاشتراكي -الشيوعي- الذي يتزعمه الاتحاد السوفيتي ويضم دول أوربا الشرقية في حلف وارسو ،والمعسكر الرأسمالي أو العالم الحر– الديمقراطي- الذي تتزعمه الولايات المتحدة ويضم دول أوربا الغربية في حلف شمال الأطلسي)،نقول انه مع بداية الحرب الباردة بين القطبين ومع اكتشاف النفط الذي يمثل عصب الاقتصاد العالمي وبالتزامن مع ظهور الخطر الشيوعي ،فقد وجدت السعودية نفسها في قلب الأحداث فكان اللقاء التاريخي بين الرئيس الامريكي روزفلت والملك عبد العزيز ال سعود الذي تمخض عنه اتفاق كوينسي (بالإنجليزية: Quincy Pact) تم التوصل إليه في 14 فبراير 1945 وذلك على متن طراد يو أس أس كوينسي (CA-71)، وذلك بين الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت العائد من مؤتمر يالطا. كان من المقرر أن يدوم هذا الاتفاق 60 سنة، وتم تجديد محتوى اتفاقياته لنفس المدة في 2005 من قبل الرئيس جورج دبليو بوش. أهم ما جاء في هذا الاتفاق هو توفير الولايات المتحدة الحماية اللا مشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة، مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة.

ويرتكز اتفاق كوينسي على النقاط التالية :

1- استقرار المملكة العربية السعودية هو جزء من المصالح الحيوية للولايات المتحدة التي تقدم كذلك الحماية الغير مشروطة لعائلة آل سعود، وللمملكة بصفة عامة ضد أي تهديد خارجي.

2- استقرار شبه الجزيرة العربية وإعطاء القيادة الإقليمية للمملكة العربية السعودية ودورها الهام في المنطقة هو أيضا جزء من المصالح الحيوية للولايات المتحدة.

3- في المقابل، تضمن المملكة الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة للولايات المتحدة، دون أن تعطي حق الملكية لأي جزء من الأراضي السعودية، والشركات المتعاملة تقوم فقط بكراء الأراضي التي تعمل فيها. شركة أرامكو السعودية تتمتع باحتكار جميع حقول النفط في المملكة لمدة لا تقل عن 60 سنة…

وبسبب من الخوف الأمريكي من تمدد الاتحاد السوفيتي إلى المياه الدافئة وما يرافقه من خشية انتشار الأفكار الشيوعية فقد ازدادت أهمية المؤسسة الدينية المكلفة بإصدار الفتاوى التي تحرم التعامل مع الاتحاد السوفيتي باعتباره زعيما للإلحاد العالمي وتحريم التعامل مع الدول الشيوعية باعتبارها تمثل الأفكار الحادية تؤمن بالأفكار العلمانية، وكان ذلك يتطلب ان تقوم الولايات المتحدة بتعزيز دور السعودية في زعامة العالم الإسلامي باعتبارها التي تؤسس للدفاع عن الشريعة الإسلامية بوجه الأفكار الشيوعية ،الأمر الذي يستوجب بالضرورة السماح للسعودية برعاية وتأسيس الجمعيات والمؤسسات في أنحاء العالم الإسلامي وإطلاق يد السعودية في دعم وتشكيل الأحزاب أو الحركات السلفية في كل مكان طالما أنها تدخل في إطار الإستراتيجية العالمية لإدارة الصراع العالمي .. وتبعا لهذه الأجواء وعلى هامش الصراع كانت السعودية تدعم الإخوان المسلمين بل إنها فتحت لهم الأراضي السعودية واستفادت منهم في معركتها مع جمال عبد الناصر وفي الصراع بين السعودية والحركات القومية العربية التي تتبنى الشعارات الراديكالية.

ولكي تكتمل الفكرة وجدت من اللازم أن نتناول الأمر على جانب التحالف الشيعي مع الولايات المتحدة لتحقيق ذات الأهداف في التصدي للمد الشيوعي، فكان شاه إيران يمثل عمليا مركز الثقل الشيعي وكانت مخصصات المراجع في النجف تأتي عبر البلاط الشاهنشاهي ،ومن اجل فهم طبيعة اللعبة يكفي أن نشير إلى هذه الوثيقة المهمة والتي تم الكشف عنها في سجلات المخابرات الأمريكية لمرحلة الخمسينات في القرن الماضي:

(يقول جون وولير مدير المحطة الأولى للـ سي. آي. أي. في إيران، بداية عام 1947، وخدم هناك لمدة ستة سنوات وبعدها عاد إلى واشنطن عام 1953 لتنسيق الانقلاب ضد محمد مصدق الذي أمم في وقتها صناعة النفط الإيرانية، يقول : (بدأت الولايات المتحدة علاقتها في إيران مع رجل اسمه آية الله أحمد كاشاني الذي كان أستاذا أو مرجعية للخميني الذي أصبح آية الله خميني فيما بعد . كاشاني كان في ذلك الوقت ملك كل الإسلام في إيران . في انقلاب 1953، دفعت الولايات المتحدة مالا إلى كاشاني وقواته الدينية الذين زودوا المتظاهرين الذين خرجوا تباعا إلى الشوارع وهتفوا “يسقط مصدق! أعد الشاه”. ويضيف روبرت دريفوس أن من سخرية القدر،أن أحد السخريات العظيمة لهذه القصة كانت أن آية الله خميني،نفسه،الذي أصبح الدكتاتوري الغير متنازع عليه لاحقاً في إيران في 1979,كان في الشارع مع أستاذه، كاشاني، يهتف:ـــ”يسقط مصدق! أعيدوا الشاه! ” ..))

نظريات نهاية التاريخ

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية حقبة الحرب الباردة تغيرت المعادلة الدولية وظهرت نظريات نهاية التاريخ والقرن الأمريكي وصدام الحضارات، فصارت مراكز البحوث وصناع الإستراتيجيات في الغرب يؤشرون أن الصراع القادم هو صراع مع الإسلام وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمثل ذروة الاتجاه نحو الحرب الصليبية الجديدة كما بشر بها جورج بوش في زلة لسان هي الأقوى في التاريخ لا يدانيها سوى قول الجنرال الفرنسي الذي أعلن عن انتصاره في الشام قائلا بكل وقاحة (اليوم انتهت الحروب الصليبية : ها قد عُدنا يا صلاح الدين)..

فكانت الفكرة السائدة عند المحافظين الجدد تقوم على علمنة الإسلام أولا وهي ذات الفكرة التي عبر عنها البابا “بندكت السادس عشر” بقوله إن على الإسلام أن يتماشى مع قيم الحضارة الغربية وان لم يتغير فسيتم تغييره بالقوة).

وتأسيسًا على هذا الفهم بدأت الولايات المتحدة العمل على تجفيف منابع الفكر الوهابي باعتباره يمثل الحاضنة للفكر الإرهابي المتطرف، وكان هذا يعني بالضرورة فك الارتباط مع السعودية أو العمل على تحجيم دورها عبر دعم التوجهات الإسلامية الديمقراطية فتبنّت مراكز القرار الأمريكي فكرة الترويج للإسلام الديمقراطي. فما هو الإسلام الديمقراطي؟

الإسلام الديمقراطي المدني:

انه ببساطة متناهية يعني معركة الأفكار وفق إدراك صنّاع القرار الأمريكي، أي أنك تخوض حرباً لتغيير جوهر الدين الإسلامي ذاته، وهذا يتطلب الدخول إلى مناطق حساسة، مثل: كيفية فهم الإسلام وتفسير القرآن والفـقه، بحيـث يدعو هـذا الفهم لما تريده أمريكا، وهـو تقديم خطاب متسامح يركز على المشترك بين الإسلام والنصرانية؛ فهو خطاب ينبغي أن يخلو من فكرة الجهاد والقتال والولاء والبراء، كما يجب أن يخلو من العداء للكيان الصهيوني. وأن أمريكا لا تقتصر فقط على القاعدة وطالبان كهدف لحربها، وإنما توسع الدائرة لتشمل أولئك الذين لا يلتزمون بالمعايير الأمريكية لفهم الإسلام، ومنهم السلفيون، والذين تصفهم أمريكا بأنهم أصوليون وهابيون أي: أتباع الشيخ «محمد بن عبد الوهاب». والسلفية هي منهج في التفكير يلتزم الطريقة التي فهم بها سلف هذه الأمة الأخيار ـ وهم علماء القرون الأربعة الأولى ـ القرآنَ الكريم والسنَة الصحيحة، وهي أيضاً منهج في الإصلاح يقوم على أن ما صلح عليه أمر المسلمين في أول بزوغ الإسلام هو الذي يصلح به أمر زماننا هذا والأزمان القادمة بعدها وحتى قيام الساعة؛ فالسلفية منهج في الفهم والإصلاح معاً .

وهنا نختصر المنهج الأمريكي أو حملة الدبلوماسية العامة الأمريكية؛ التي تسعى لكسب العقول والقلوب في الوقت الذي تسعى لكسبها وفق شروطها هي؛ بحيث تضع من لا يتابعها لتكسب عقله وقلبه في خانة العدو.

يقول «فوكوياما»: أنا أرى أن التوفيق ممكن بين الإسلام كدين وبين الحداثة؛ فالإسلام يمثل ديناً ونظاماً ثقافياً معقداً للغاية، وقد أثبت قدرته على التوافق مع الحداثة في عدد كبير من المجتمعات والأفراد، ولا أرى هناك سبباً يمنع من وجود شكل حديث للإسلام، غير أن «نوع الإسلام» الصحيح لا يمكن أن يتفق مع الحداثة، والقضية الأساسية هي إمكانية وجود دولة علمانية تجعل الإسلام بين حيطان أربعة.

وقد صدر تقرير بعنوان : الإسلام الديمقراطي المدني : الشركاء والمصادر والاستراتيجيات ، قد تم إعداده بواسطة « مؤسسة راند » ، ومقرها في الولايات المتحدة ، وبتمويل من مؤسسة ( سميث ريتشاردسون ) المحافظة ، وهي مؤسسة تمويلية تقدم ما يزيد على مائة مليون دولار للمنظمات البحثية والجامعات. وهو يمثل المرتكزات الأساسية للإستراتيجية الأمريكية في التعامل والتعاطي مع ملف الإسلام والسعودية. ويؤكد على ضرورة قيام الولايات المتحدة بالطلب من المملكة العربية السعودية أن تتوقف عن دعم الإرهاب، أو أن تواجه بمصادرة حقولها النفطية وأرصدتها المالية في الولايات المتحدة. كما طالب (موراويس) بشن حملة إمبريالية من عدة مراحل على الشرق الأوسط ، ابتداءً بالعراق (المحور التكتيكي) ومروراً بالمملكة العربية السعودية (المحور الاستراتيجي) وأخيراً مصر. وقد باشرت المؤسسات الأمريكية بالإجراءات العملية، ويُنقل عن ميلت بيرد الذي أمضي أكثر من ثلاثين عاما من حياته العملية في المخابرات الأمريكية قوله: إن الإخوان المسلمين هم الطرف الأقوى في حل المشكلة مع تنظيمات مثل القاعدة’.. ويتمادي بيردن قائلا: إن ضباط المخابرات الأمريكية التقوا، ليس فقط، الإخوان المسلمين، وإنما أيضا مع غيرها من الجماعات بما فيها تلك التي خرجت منها طالبان.. كما فتحت المخابرات الأمريكية قنوات اتصال مع رجال دين ممن أصدروا فتاوي تقضي بعدم شرعية الجهاد ضد الولايات المتحدة الأمريكية وأقنعت أعضاء الجماعات المسلحة الموجودين في السجون بنبذ العنف ( الجماعة الإسلامية في مصر).كما أنها ذهبت لما هو أبعد بضخ أموال ضخمة للوعاظ المناوئين للولايات المتحدة الأمريكية بهدف خلق زعامات دينية بديلة.

المأزق السعودي :

إن المملكة العربية السعودية وجدت نفسها في مأزق، فهي المعني بهذه الطلبات الأمريكية أولا، وثانيا وجدت المملكة نفسها في سباق مع كل من إيران والإخوان، حيث إن كلا من الإخوان وإيران يقدمان نفسهما على أنهما يمثلان الإسلام المعتدل الذي يمكن أن يكون بديلا عن الوهابية واحتكارها للزعامة الدينية، ولكي لا يكون الكلام مرسلا على غير هدى فإنني استعير هنا بعضا مما كتبه محمد جواد ظريف في الـ”نيويورك تايمز” في سبتمبر من العام 2016 في مقال يتحدث فيه “عن دور الوهابية في الإساءة للإسلام وتشويهه، باعتبارها الحاضنة للفكر الإرهابي وأن أبشع نماذج إراقة الدماء فی المنطقة کانت علی ید الوهابیین”!! سبتمبر، 2016 م)) .

وفي ذات الوقت نجح الإخوان في الاندماج مع ثورات الربيع العربي في كل من مصر وسوريا وتونس وليبيا، وهنا وجدت المملكة نفسها على هامش الأحداث الأمر الذي يهدد تمثيلها للعالم السني وفقدان دورها السياسي تبعا لذلك .

وليس بعيدا عن الذاكرة مؤتمر جروزني الذي تم عقده في الشيشان والذي شكلت قراراته سابقة خطيرة في اعتبار الوهابية خارج دائرة أهل السنة والجماعة وان الأزهر هو مركز الاعتدال والوسطية في العالم الإسلامي.

خيارات السعودية ..

إن السعودية اليوم وجدت نفسها أمام الخيارات التالية في الحرب على عدة جبهات:

أولا:

العمل على إعلان الحرب على منافسيها المتمثلين بالإخوان المسلمين الذين يقدمون أنفسهم للغرب باعتبارهم يمثلون الإسلام المعتدل مما يعني سحب البساط من تحت السعودية، وهذا يستوجب الدخول في حرب مع تجارب الربيع العربي والدخول في حرب مع تركيا لكونها تمثل المنافس للدور السعودي باعتبار أن اردوغان نجح في تقديم صورة للمزاوجة بين الإسلام والديمقراطية وكانت الحرب على قطر جزءا من هذه الصورة وللمزيد يمكن مراجعة أقوال السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، الذي تحدث في برنامج حواري على قناة «بي بي إس» الأميركية عن رؤية السعودية قائلا: «إن سألت الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين ما هو الشرق الأوسط الذي يريدون رؤيته بعد 10 سنوات من الآن، فسيكون متعارضاً في الأساس لما أعتقد أن قطر تريد رؤيته بعد 10 سنوات من الآن. ما نريد أن نراه هو حكومات علمانية مستقرة مزدهرة وقوية».

ثانيا:

الدخول في حرب مع التنظيمات الجهادية التي صارت تمثل صداعا مزمنا للسعودية لانها تقدم نفسها بديلا عن الإسلام السعودي المدجن الذي يتهم باستصدار الفتاوى التي تكرس تبعية العالم الإسلامي للغرب وموالاة الكفار والطغاة ،مما يسحب عن السعودية شرعيتها في تمثيل أهل السنة في العالم ..

ثالثا:

اعتماد سياسة التحديث الاقتصادي الذي يقوم على مبدأ الاقتصاد الحر وعلمنة الاقتصاد والثقافة ومناهج التربية، وهذا سيقود إلى المواجهة مع المؤسسة الدينية إذا حاول بعض أفرادها التصدي لهذا المشروع، أو إلى فقدان تلك المؤسسة لشرعيتها وهيبتها أمام العالم الإسلامي في حال وافقت أو تبنت تشريع هذا التوجه عبر إنتاج فتاوى لا يمكن أن تصمد طويلا بل ستجعل المؤسسة تفقد ما تبقى من شرعيتها وهذا ينسحب بالضرورة على صورة السعودية أمام العالم الإسلامي من حيث إنها كانت تقدم نفسها معقلا للتوحيد ودرعا للإسلام.

وتأسيسا على هذه الخيارات يمكن القول أن السعودية في حربها مع الإخوان فإنها ستعمل على إنعاش الفكر الجهادي بل إن إضعاف الإخوان سيؤدي حتما إلى وصول جمهور الإخوان إلى قناعة مفادها أن السلمية لا تنفع وبالتالي سيتجه الكثير منهم نحو الحركات الجهادية وهكذا فإنها أمام خيارات صعبة على المدى البعيد ومن الملاحظ أن السياسة السعودية تفتقر إلى الفهم الإستراتيجي بل إنهم يعملون وفق منهج تجنب المخاطر الآنية على حساب المخاطر البعيدة ،فقد ارتكبوا الخطيئة الكبرى في التعامل مع الملف العراقي عندما استدعوا الغزو الأمريكي نكاية بالرئيس صدام حسين فكانت الفرصة الذهبية لإيران لابتلاع العراق،ثم تحالفوا مع الحوثيين فأدخلوهم إلى صنعاء نكاية ببيت الأحمر وحزب الإصلاح، فكانت النتيجة أن صارت مكة على مرمى حجر من صواريخ الحوثي والحرس الثوري الإيراني، وتستمر السياسة السعودية في التخبط في إدارة الأزمات فكانت الخطيئة الكبرى يوم أعلنوا جهارا أنهم مع نتنياهو في حربه على مقدسات المسلمين في الأقصى الشريف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى