بحوث ودراسات

طارق فكري يكتب: مفاهيم في صناعة الثورات

Latest posts by طارق فكري (see all)

صناعة الثورات تُبنى على أحداث وظواهر تراكمية، قد يكون لها امتداد تاريخي، يتم إبرازه وصهره في مفاهيم تولد قناعات، تكون بدورها سبباً رئيسياً في قيام الثورة ضد نظام بعينه، مثل تاريخ الحُكَام العسكريين ومفهوم ارتباط الحاكم العسكري بالديكتاتور، أو مثل فساد تاريخي لأسرة مالكة، قد يكون سبباً في قيام ثورة ضد وريثها.

 كما أن قيام أي ثورة حدثت من قبل، سقطت، أو نجحت، كانت ركيزتها الأساسية هي المطالبة بالحرية مهما تعددت الأسباب، والمطالب حولها، فمحورها الذي عليه تدور هي الحرية وبناءً عليه:

 وجب تغذية هذا المحور وربطه بالفساد، وتكميم الأفواه، والتبعية المَقيتة للغرب، والتدهور الاقتصادي، وضياع حقوق الدولة الخارجية، وضياع حقوق المواطنين الداخلية، والمشاركة في الهيكل السياسي للدولة.

 ولا تقوم الثورات وتُبنى على سببٍ واحد، أو حدثٍ فردي، ولكن قد يكون سبب ما أو حدث بعينه هو من نزع الفتيل لتتفجَّر الثورة، مثل ما حدث في تونس مع بوعزيزي، الذي وجد كل التونسيين أنفسهم فيه، وجدوا القهر والظلم والقمع وممارسات الديكتاتور الفاجر تسحقهم، وتسحق حقهم في عيشة كريمة عادلة، فانتحار بوعزيزي كان بمثابة بداية نزف الجرح، مع أن الجرح القديم.

 لا يكفي دخول البلاد في تدهور أو سقوط اقتصادي، ولا يكفي دخولها في حالة موات سياسي، أو ضياع الأمن الجنائي، طالما أنه لا توجد كتلة حرجة قوية تمثل المعارضة، في فترة ما، لتتحول بدورها لكتلة ثائرة، عند الدخول في طَوْر صناعة الثورة، مع مساندة شعبية لها من جميع قطاعات وطبقات الشعب، كُل هذا مصحوباً بمنهج قمعي، وتنكيل بالمعارضين، وضياع للحقوق المدنية والسياسية؛ تُعَد مقومات تُصنع بها الثورات ،وتنبعث منها زفرات الشعب الغاضب على تلك الأنظمة المُستبدة.

 المطالب الفئوية لا تصلح لصناعة ثورة؛ لأنها لو دخلت مرحلة الثورة من السهل القضاء عليها ببعض الامتيازات للقيادات، أو التصالح حول بعض الفُتات، ولكن تشترك المطالب الفئوية بجانب مطالب الحرية، والديمقراطية، ومحاربة الفساد؛  لِيُفجروا ثورة تَصنع بالحرية وطناً وبالديمقراطية دولةً.

 الثورات لا تُبنى في ظل طائفية عرقية كانت أو دينية، وما حدث في لبنان خير شاهد ودليل، فكل طائفة ذهبت لتجمع لنفسها ما يقويها ويُساندها، فهزمتهم التطلعات الطائفية الضيقة، ولو قدموا المصلحة العليا للوطن بِمُثُل المواطنة الإنسانية لنجت طائفتهم ونجوا جميعًا، ولكنهم استمتعوا بأوجاعهم واجتروا طموحاتهم.

 المستبدون في كل مكان وزمان، أحسنوا اللعب بورقة الطائفية، لإرهاب الأقلية أحيانًا، أو اتهام الأغلبية بالتعدي على الطوائف العرقية، أو الدينية وتحويل مسار الثورات أمام الشعوب، وتشويه أهدافها، ومقاصدها؛ فلا تُصبح بذلك ثورة شعبية، ولكنها تتحول لمطالب من فئة معينة، أو فصيل بعينه فيسهُل القضاء عليها.

 الثورات الأيدلوجية تمت صناعتها، وانطلقت تحمل أيدلوجيتها، ونجحت وبَنَتْ دولا تقوم على هذه الأيدلوجية، مثل الثورة الخمينية في إيران والثورة الشيوعية البلشيفية.. وغيرها.

 ولكن ليست كل الدول والمجتمعات تصلح وتنضج فيها الثورات الأيدلوجية، وخصوصاً مجتمعاتنا العربية مع أنها مجتمعات إسلامية تحمل روح التمركز حول دين بعينه أو قبيلة بذاتها ويرجع ذلك إلى أن:

 منطقتنا العربية منطقة مستهدفة تدين بدين مُستهدف من قوى الهيمنة والمصالح الغربية والأمريكية، فتم زراعة أيادي للغرب في صورة أيدلوجيات ليبرالية، وعلمانية ترفض الأيدلوجية الإسلامية كما أنه لن تقبل الأيدلوجية الإسلامية ثورات تحمل أيدلوجية علمانية أو ليبرالية مع وجود حُكام لهم تبعية مشبوهة مع الغرب يقويهم الغرب ويُساندهم حتى لا تكون إسلامية.

 يجب أن يَعيَ رجالات التيار الإسلامي أن الطريق هو طريق الثورات الشعبية والتفاف الشعب حول مطالب ومفاهيم لا تختلف عليها أي أيدلوجية {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} نصنع بها حلف فضولٍ جديد، يجد فيه كل ذي مطلب مطلبه مع تباين المطالب ،واختلاف الطبقات الاجتماعية، والدرجات العلمية.

 لن تنجح ثورة تفتقد المحاور الثلاث لصناعة قلب الثورة في الكتلة الحرجة وهم: النُخب والمثقفون -العمال والحرفيين- الطلاب.

يجب أن تتشكل قلب الثورة من هذه المحاور، وما غاب في ثورة مصر هو محور العمال والحرفيين والاعتماد الكُلي على الطلاب، فمظاهرات الطلاب داخل الحرم الجامعي تُسدد هزائم للنظام القمعي، وتُعطي عنوان لبلد غير مستقر سياسيًا، ولكنها لا تكسب أرض ولا تعطي خُطوات تقدمية فهي بمثابة سلاح الطيران يُضعف قوى العدو، ويفتح ثغرات في جبهاته، ويفقده من قوته، ولكنها لا تكسب أرضاً ولا تُحسم معركةً.

 والسؤال الآن: هل العالم العربي أرض خصبة لصناعة الثورات؟

 بالفعل العالم العربي أصبحت شعوبه شُعوبًا فاعلة ومتفاعلة مع الأحداث، والتطورات السياسية الداخلية والعالمية، وهذا هو الوقت لصناعة ثورات ناجحة تَبني الأوطان، وتُحرر السياسات.

 ويجب أن ننتبه: أن الأصل في الثورات السلمية، وما حدث من تسليح الثورة  في سوريا وليبيا صورة استثنائية صحيحة؛ فلو ظلت الثورة على سلميتها ما بقى سوري واحد، وما عاش ليبي حُر على أرض ليبيا؛ لأن سفاحي ليبيا وسوريا لهم وضع خاص في التعامل مع معارضيهم يُرجع فيه للتحليل النفسي لهم لدى أخصائي التحليل النفسي، وتاريخهم الدموي الأبرز بين مستبدي الوطن العربي.

 الديكتاتور يَقتات ويَستمد قوته من العنف؛ وذلك بتحويلها لقضية إرهابية تُهدد أمن العالم  يلقى بها الدعم الدولي الذي يرتجيه، فلا تُعطوه هذه الفرصة، ولا تُعطوه تصريح بدفنكم وإخماد ثوراتكم.

 ولتكن سجون الباستيل في الوطن العربي شُعاعاً يُعطي النور لثوراتكم وزاداً تستمد منه الثورات قوة وعزماً لتحرير الأحرار، فسجن الباستيل في فرنسا كان هو بمثابة الفتيل الذي تفجرت به الثورة وتحررت فرنسا من الديكتاتورية والاستبداد.

 وإياكم والإحباط فهو طريق الفشل ووجدت أن أكثر ما يُحبط الثوار أمرين هما:

  • وجود قوة عسكرية تُساند الديكتاتور. ● وجود إعلام موجه لصالح الديكتاتور.

 – أما عن وجود قوة عسكرية تُساند النظام فهي بلا شك عقبة أمام الثورات، وعلى الأخص في عالمنا العربي الذي كان للمحتل دورٌ في تَوْلية الجيوش زمام الأمور بها، ولكن ليست عقبة مستحيلة في تجاوزها أو تطويعها؛ وإن كانت تُطيل أمد الصراع وتؤخر صناعة الثورة سواء في الثورات المسلحة، أو الثورات السلمية.

 الكلام هنا عن علاقة الجيوش بالثورات السلمية، فالمتأمل في الوضع المصري، يجد أن الجيش لم يترك مُباركَ كرهاً، وإلا لقام عليه مُنقلبًا، فتخليه عنه؛ لأنه وجده نظام قديم مُتهالك سيجني الجيش من وراء تمسكه به خسائر سياسية واقتصادية، فكان لزامًا البحث عن حليف جديد ليتحكم من خلاله في جزء من الحكم ليحصل به على امتيازاته وبناءً عليه:

 مع الفشل الاقتصادي والسياسي، وضياع حق الدولة الخارجي، وغضب الشعوب ،وتدهور النظام السياسي، وتشويه واجهته الدولية؛ لن تراهن ساعتها الجيوش على خاسر فتخسر معه، ولكن ستبحث عن حليف جديد ،وشريك تربح من ورائه، فالجيش الإيراني بعد ما أعمل القتل في الشعب الثائر تراجع أمام إصرارهم وصدورهم العارية لينتصر الشعب وتعلو راية الحرية، كما أنه يجب عمل دراسة منهجية لتعامل الثورات مع الجيوش؛ تعمل هذه الدراسة على تحييدهم وكسب ولاؤهم، فهم جزء من هذه الشعوب العربية المكلومة المظلومة.

 – أما وجود إعلام موجه لصالح الديكتاتو، فتأثيره وقتي ينتهي مفعوله، مع اصطدام الناس بمرارة الواقع وبزوغ فشل النظام السياسي.

 ثورة ٢٥ يناير من كان يملك الإعلام فيها؟

 بلا شك نظام مبارك البائد، ومع هذا تغلبت الثورة عليه وانتفضت، والثورات الغربية الفرنسية والروسية، قامت، والأنظمة المستبدة هي من تملك الإعلام، مع أن الربيع العربي يملك الآن السوشيال ميديا بقوة.

  وما حدث بعد الانقلاب وما قبله من هجوم إعلامي، وتهييج مشاعر الغضب ذهب أثره ، واندثر تأثيره مع إخفاقات النظام وفشله في كل الملفات الداخلية والخارجية، وانقلب أنصار النظام من القاعدة الشعبية على النظام مُتهمينه بخداعهم، والكذب عليهم.

 أُحب أن أُنوه لأمر هام:

 أحياناً يطول الصراع مع وجود قوى غاشمة تقمع المُتظاهرين وتسجن أفراد الحراك الشعبي، فهل من العقل مواصلة الحراك؟

 أقول: هناك فرق بين الحراك الذي يتخلل فترة صناعة الثورة، والحراك وقت انفجار الثورة، وتوقد الزحف الشعبي؛ فأما الحراك وقت صناعة الثورة فهو حالة من التدريب والاستكشاف وإحياء القضايا الشعبية، والإبقاء على الاستنفار الثوري للكتلة الحرجة، وإعطاء رسائل للشعب في الحارات والأزقة والقرى بأن الثورة قادمة، والنظام إلى زوال؛ فمع هذا كله لا مانع عند زيادة القمع، وخطورة الموقف، أن يتوقف الحراك الثوري لحين، ثم يعاود الكَرّة في وقت أنسب، حتى نحافظ على الكتلة الثورية محفوظة الدماء، بعيدة عن المعتقلات، كما أن زيادة وقوة قمع الحراك الثوري يُحدث حالة من الخوف والتراجع عند قطاع شعبي تحتاجه الثورة وتسعى لضمه، أما في حالة الثورة فيشتد القمع والتنكيل ثم تضعف الآلة القمعية ليكون النصر والتمكين بمشيئة الله.

 قامت الثورات قديماً، على طبقة النُبلاء الحاكمة، أو المُتحكمة في اقتصاد البلاد، الناهبة لثرواتها، أو كما كان يُطلق عليهم في بعض البلدان بالإقطاعيين، أما الآن فهناك إقطاعيين في صورة عصرية، عبارة عن قيادات مؤسسية تتبع الدولة، ورجال أعمال يُشكلوا بهذه المؤسسات قوى تركيع الشعب ونهب ثرواته، وبهم يُحصَّنُ ويُقوَّى النظام السياسي الاستبدادي، وبمثل هؤلاء ننسج المنهجية التي تقوم عليها الثورة لنصل للغضب الشعبي عليهم وعلى النظام السياسي.

 وأخيرًا.. قبل أن نقول انطلقت ثورتنا الشعبية، يجب أن نضع اختبارًا مُهمًا، به نعرف مدى صلاحية الشعب، والوقت المناسب، لإطلاق الثورة؛ وهو اختبار العصيان المدني، فكما أنه يُضعف النظام، فهو يختبر مدى اقتناع الشعب بالصورة، وتفاعله معها، ففي مرحلة صناعة الثورة، يتم إطلاق دعوات العصيان، من وقت لآخر، وليكن عصيانًا جزئيًا، يخُص جزئية بعينها، مثلما أطلق الأمريكان العصيان عن دفع ضرائب الحرب، ثم يوَسّع العصيان تدريجيًا، وعندما يكتمل العصيان، ويستجيب الشعب بقوة فلتكن ثورة شعبية عارمة، تُرجع الحقوق وتكسر القيود وتُعيد المال المسلوب وتصنع دولة الحرية والكرامة.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} سورة محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى