آراءبحوث ودراسات

طارق فكري يكتب: المشترك الإنساني في مقاصد الشريعة

Latest posts by طارق فكري (see all)

المشترك في مقالي ليس مشتركا لفظيا يدل على أكثر من معنى، بل هو مشترك قيمي تلتف حوله كل الأيدلوجيات والنظريات الاجتماعية، والتوجهات السياسية بما يحققه هذا المشترك من كونه ثابت من الثوابت الإنسانية أو الحقوق السياسية، وتلك الثوابت أو المشترك لم تغفل عنه مقاصد شريعتنا الغراء في كلياتها الخمس، أو جزئياتها التشريعية.

 

– أمرنا الإسلام بالتراحم للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وليس للمسلمين فقط، وعلمنا النبي تقدير الأرواح واحترامها حتى ولو كانت كافرة برسالته فقام احتراما وتقديرا لجنازة يهودي فقال الصحابة من حوله إنه يهودي يا رسول الله قال أليست نفسا، هنا يوجهنا النبي لمشترك إنساني يجمع الإنسانية تحت ظل الرحمة وتقدير الإنسانية ليصنع جوا عاما من السلام العالمي وهذا السلام يخدم الكليات الخمس فهو حفظ للنفس والمال والدين والنسل، كما أن إشاعة الرحمة والتقدير بين العالمين مستهدف عام لدى تشريعنا الإسلامي بالعقيدة وبدون العقيدة كرابطة جامعة بين المسلمين ومن غيرها مع غير المسلمين.

 

– العقيدة الإسلامية ليست إعلان أو ميثاق خصومة مع من لم يؤمن بها، فلا نجالسه ولا نبيع منه ولا نشتري بل أُمرنا في جزيئات تشريعنا أن نبيع ونشتري ونتزوج ممن خالفنا في العقيدة بل، نتحالف معه عسكريا، كما نهينا أن نترحم عليه ولكن نعزيه ونذكر مناقبه الدنيوية،ثبت في «صحيح مسلم» من حديث الليث بن سعد عن موسى بن عُلًيّ عن أبيه: أن المستورد القرشي -وكان عنده عمرو بن العاص رضي الله عنه-؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس». قال عمرو بن العاص له -للمستورد القرشي-: أبصر ما تقول! قال: وما لي أن لا أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إن كان كذلك؛ فلأن في الروم خصالاً أربعاً:

الأولى: أنهم أحلم الناس عند الفتنة.

الثانية: أنهم أسرع الناس إفاقةً بعد مصيبة..

وعد الخصال الأربع وزاد عليها خامسة.

 

وفي رواية له

 

وقد روى الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال عن الروم: إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَسْرَعُ النَّاسِ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَإِنَّهُمْ لَخَيْرُ النَّاسِ لِمِسْكِينٍ وَفَقِيرٍ وَضَعِيفٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَالرَّابِعَةُ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَإِنَّهُمْ لَأَمْنَعُ النَّاسِ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ. قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الصحيح قال أهل العلم: هذا الكلام من عمرو بن العاص لا يريد به أن يثني به على الروم والنصارى الكفرة؛ لا! ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم وكونهم أكثر الناس إلى أن تقوم الساعة لأنهم عند حدوث الفتن هم أحلم الناس؛ ففيهم من الحلم ما يجعلهم ينظرون إلى الأمور ويعالجونها؛ لأجل أن لا تذهب أنفسهم, ويذهب أصحابهم.

 

هذا حاصل ما قاله السنوسي والأبي في شرحهما على «صحيح مسلم».

 

أليس الروم وقتها كانوا أعداء الأمة ومحاربين لها؟ ومع ذلك لم يمنع ذلك عمرو بن العاص من ذكر محاسنهم لنتعلم.

 

– مشترك إنساني أنهم مثلهم إنسانيا كمثل غيرهم من المسلمين فيهم الصالح والطالح.

قال الله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران – آية 113) 

وقال: {وَلَتَجِدَن أَقْرَبَهُمْ موَدةً للذِينَ آمَنُواْ الذِينَ قَالُوَاْ إِنــا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَن مِنْهُمْ قِسيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}، (سورة المائدة – الآية 82)

كما قال الله {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ }، ( سورة آل عمران – الآية 75)

فلا تظن أنهم مع فساد عقيدتهم لم تؤثر فيهم الفطرة التي فطر الله الناس عليها بل فيهم وفيهم.

 

– كما أن حسن الخلق ومكارم المعاملة لم تُعدم في الإنسانية بغض النظر عن كفرها بالعقيدة الحقة قال رسول الله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) أي أن النبي لم يبعث لينشئها من عدم ولكن ليتمم عليها، وهذه بنت حاتم الطائي وقعت في الأسر،قالت لرسول الله:أنا بنت حاتم الطائي”.

بعدما ذكرت من خصال أبيها وأخلاقه، فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه”.

 

ثم قال لأصحابه: “خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق” هي كافرة أُسرت في حرب أي في عداد المحاربين وحسن خلق أبيها الكافر كان لها فداءً وشافعا.

 

– إنسانية النبي تتجلى عند لحظات ضعف العدو وعند موته

 

لتكون رسالة حب وسلام مثل ما حدث مع كبير المنافقين بالمدينة، فلقد عفا رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ابن أبي سلول مرارا. وزاره لما مرض، وصلي عليه لما مات، ونزل علي قبره، وألبسه قميصه، وهذا الرجل هو الذي آذي رسول الله صلي الله عليه وسلم في عرضه يوم حادثة الإفك» فيقول عمر لرسول الله صلي الله عليه وسلم: أتصلي عليه وهو الذي فعل وفعل؟ فيقول النبي صلي الله عليه وسلم: “يا عمر. إني خُيّرت فاخترت قد قيل لي: “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ”. ولو أعلم أني لو زدت علي السبعين غفر له لزدت.

 

– رسالة هدفها الأعظم هي السمو بمعاني الإنسانية، فلو قام احد اليوم بما فعله رسول الله مع أحد الذين تهجموا واعتدوا على الإسلام لقامت الدنيا وما قعدت كيف تفعل ذلك مع من أراد أن يبدل دين الله بقوانين وضعية ويحولها إلى علمانية.. وهو هو رسول الله الذي رفض قتل بن أبي سلول وقال حتى لا يقول الناس محمد يقتل أصحابه محافظة منه على الهدف الإنساني الأعظم لرسالة الإسلام، كما أن رسالة الإسلام من وظائفها نشر الإنسانية والرحمة للعالمين حتى لو لم يؤمنوا برسالة محمد أو بربوبية الله الواحد الصمد.

 

دخول الإسلام بالسيف في بلاد ما لم يكن لفرض الإسلام عليهم جبرا وقهرا إنما كان لنصرة فئة مظلومة مثلما حدث في مصر حيث راسلت الكنيسة قادة المسلمين وهيئت لهم الفتح والدخول أو لاعتداء دولة على مسلمين أو حلفاء لدولة المسلمين ثم يخيرونهم أن الجزية أو الإسلام.

 

 

المشترك الإنساني رسخه النبي صل الله عليه وسلم عندما فتح مكة ما تظنون أني فاعل بكم قالوا أخ كريم وبن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال رسول الله عن فتح مكة اليوم يوم المرحمة.. ليصنع النبي مجتمع متعايشا تعايشا سلميا، ألم تلحظ في ردهم على رسول الله قالوا أخ كريم ولم يقول رسول رحيم أي أنهم ما زالوا على كفرهم مع أنهم دخلوا في الإسلام بعدها طوعا وحبا..

 

لو كان فتح مكة في يومنا هذا لتعالت الأصوات نريد دم سمية ومصعب نريد مال صهيب الرومي نريد محاكمات لكل من نكل وآذى رسول الله وأصحابه وقتلهم، هذا هو المشترك الإنساني الذي يجمع الرسول عليه الإنسانية بعيدا عن العقيدة.

 

– المقال القادم عن المشترك السياسي في مقاصد الشريعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى