آراءأقلام حرة

صلاح المكاوي يكتب: المَـقَامَــةُ القِطَـــارِيَّة

صلاح المكاوي

حدَّثنا ابْنُ أبي العينين، قال: وانْصَرَمَ ثُلُثـا عام ألفين وسبعةَ عشرَ من الميلاد، وعلى مشارف شهر ذي الحجة عام ألفٍ وأربعمائة وثمانٍ وثلاثين من هجرة خير العباد، أضنى البلادَ صيفٌ قائظْ، يُخرجُ لسانَـه للعباد غائِظْ، بات الناسُ من شدَّةِ الحَـرِّ يتأففون، ومن نارِ الأسعارِ يكتوون، إذْ بهَظَت أسعارُ المحروقاتْ من البنزين والسولار والمشتقاتْ، وكذا الماءُ والغازُ الكهرباءْ، والأطعمةُ والكساءُ والدواءْ؛ فطارَ صوابُ الناسِ ورَشَدُهم، ولازَمَهم همُّهم وغمُّهم، ولطمُوا الخُدودَ وشَقُّـوا الجُيوبْ، وضلُّوا سبُلَهم والدُّروبْ؛ فما إن أفَاقُـوا من غـلاءٍ فائت إلا وأتْبَعَه آخـرُ صَائِتْ، ويصيحُ المُتضرِّرُ قَـدْرَ ما يصيحْ ، فيذهبُ ما يقولُ هباءً في الريحْ!

وبَيْنَا أنا على هذا الحالْ؛ من قالوا وقيل وقالْ، إذْ هاتَفَني ابنُ عمٍّ لي في الشَّمالْ، وبصوتٍ متحرِّقٍ شَـرَعَ يقول: اشْتقنا لمُصافحةِ مُحَيَّاكم والمُثُـولْ ، فالعمُّ مُغتمٌ والزوجةُ إلى أُفُـولْ!

فهلّا جئتَ على عَجَـلٍ للزيارة، وهذا خبرٌ مني وإشارة؟

ننتظركَ على أحرِّ من الجمـرْ، ولْتركبْ الإكسبريسَ من ميت غمرْ، ولا يأت معك زيدٌ ولا عَـمْرْ؛ فأشرتُ على الزوجةِ بأن تصنعَ الفطيرْ، وتأتي بالجُبنِ المُعتَّقِ قليل النظيرْ، ثم يمَّمْنا شطـرَ الإسكندرية، نستقلُّ قطارَ بورسعيد الأبيَّة بعد لأْيٍ ومشقّة؛ فقد بَعُدت علينا الشُّقَّةُ.

يزعقُ مُزمجرًا بوقُ القطارْ؛ ويُطلقُ العاملُ صافرةَ الإشْعـارْ؛ لتصبحَ ميت غمر منه في إدْبارْ، فتسمعُ جنباتُ قرى المركزِ صوتَ البُـوقْ؛ فتُصغي له الشوارعُ ومن في السـوقْ.

يتلوَّى القطارُ أرْقطًا كالثعبانْ؛ فتئنُّ من تحته صُلبُ القُضبانْ؛ وكأنه الجبلُ قد جَثَم على صدر الإنسانْ ، فاسْتحالت عظامُه هشيمًا فما كان.

جلس على المقاعدِ المُهْترئةِ من جلسْ، وكان من نصيب الباقي النَّصَبُ والفَلَسْ، إذْ حُشِروا في العربات تختلف أضلاعُهم، لا تستقرُّ على الأرضِ من الزِّحامِ أقدامُهم؛ وكأنهم إلى المجهولِ يُساقون، أو إلى حتْفِهم يُدفعون!

اعتلتْ الحقائبُ والأغراضُ الأرفُفْ، وتمدَّدَ الشبابُ حِذاءَها تحت الأسْقُفْ، وتشبّثَ كلٌ بما برَزَ فوقَه وحولَهْ فاقدًا حَـوْلَه وطَوْلَهْ!

يقول الراوي: وكان أن بلغَ مني الجهدُ مبلغَه، إذْ أتى على جُـلِّ صبري فأفْـرغَهْ، والزوجةُ يتصبَّبُ من جبينِها العرق، تتشبَّثُ في تلابيبي خشيةَ الغَـرَقْ، فأمواجُ البشرِ تهدرُ غاضبة، والأجْبِنةُ العابِسَةٌ مكشِّرَة ومُقطَّبة!

إنه السفرُ قطعة من العذابْ، فامْنُن علينا اللهم بالإيابِ بعد الذهابْ!

تناسَيْنا الآلامَ والأوجاعْ وسَرَحَتْ أبصارُنا والأسماعْ، نرمقُ في المدى خُضْرَ الحقولْ، إذْ لا حدَّ فيها يمنعُ أو يحولْ، بُسُطٌ من سُنْدسٍ قد مُدَّتْ، موصولةٌ ما ضاقت ولا قُـدَّتْ.

الفلاحون ما بين رائحٍ وغادي، هذا أسكتَهُ الهَمُّ وذاك صائحٌ يُنادي، المعزُ والضأنُ تعدو وترتَعْ، ومن المروجِ تأكلُ فتشبعْ، سنابلُ الأُرزِ بإبداعٍ سُطِّرتْ، وأرزاقُ العبادِ في اللوحِ قُدِّرتْ، الجداولُ تترقرقُ بالماءِ النَّميرْ، ينسابُ سَلْسَلًا من فيضِ الغَـديرْ، فسبحان الخالق البديع القديرْ!

سوقٌ هي الدنيا قد نُصِبْ، قليلهُ راحةٌ وكثيرهُ النَّصَبْ، ل اندرى من الخاسرُ فيه ومن الرابحْ، وفجأة تصرخُ بأعلى صوتِها المكابحْ! فيترنَّحُ الواقِفُ وينكفئُ الجالسْ، ثم ينزلُ الركابُ ويصعدون وتختلفُ المجالِسْ.

أسرع القطارُ ينهبُ الأرضَ نهْبا؛ ليجُوبَ القُطْرَ شرقًا وغـربَا.

انفرطَ خلفَنا -سريعًا- عِقْـدُ المحطاتْ: (زفتى)، (السنطة)، فـ (طنطا)، ثم (كفر الزيّاتْ) والبصرُ منطلقٌ لا يحُدُّه حدودْ، تلوحُ من بعيد (التوفيقية) ثم (إيتاي البارودْ)، فهوِّن اللهمَّ علينا السفرَ ياودودْ!

يطيرُ القطارُ مجتازًا الكباري والجسورْ؛ ليُعلنَ عن قدومِ مدينةِ النورْ؛ عاصمةُ البُحيْرةِ دمنهورْ، يقفُ القطارُ ليلتقطَ الأنفاسْ، ثم يمرُقَ بعدها كالسهمِ في حماسْ، فيخترقُ ( أبوحمص) ثم (كفر الدوارْ)، وهنا أفقتُ بعد غثيانٍ ودُوَارْ: من ربع قرنٍ من الزمانْ ،عُيِّنتُ هنا معلمًا للغةِ القرآنْ في قريةٍ تُدعى (قومبانية لوقين) مع صُحبةٍ هم الوردُ والرياحينْ، وها هي المدرسة سامقة، فهل تَرين ؟ سقاها الله أيامًا مازالت غضّةً من سنين!

يقول ابنُ أبي العينين : يتهادي -على مضضٍ- القطارْ، مستجيبًا لأمـرِ الانتظارْ؛ فهناك نظيرٌ قادمٌ على نفس القضبانْ، يطوي الأرضَ من قاهرةِ المُعِزِّ الآن، نحن إذًا قُبالةَ محطة (خورشيدْ)، ومحطة (سيدي جابر) ليست منها ببعيدْ ،

تقول الزوجةُ وقد امتقعَ لونُها ورَفَّتْ عينُها : أشعرُ بانقباضٍ في قلبي، سلِّم سلِّم ياربي!

يأتي النظيرُ مُندفِعًا كالريحْ، يُنذِرُ طويلا ببوقه ويصيحْ؛ ظنًّا منه أن طريقَه مفتوحْ، والبحرُ يضحكُ له ويَلُوحْ والإسكندريةُ بأسرارها تبوحْ.

قطارُ القاهرةِ يزعق ثم يزعقْ، والغـربانُ فوق قطارِنا تنعقُ ثم تنعقْ!

ياألله! القطاران على ذاتِ الطريقْ!، لطفُك ربي فمن يُطيق؟! تنطلقُ من الأفواهِ الشِّهاداتْ، تُحلّق عاليًا في السماواتْ، وانطلقت سهامُ الدعواتْ؛ تستمطِـرُ من اللهِ الرحَمَاتْ!

يا ألله!! يصطدمُ بشدةٍ القطاران، فيسمعُ صوتَهما الثَّقَـلان، فتسقطُ من قِطارِنا عرَبتان، ويتجندلُ جـرَّارُ القاهرة، بعدما نالَ مِنَّا المُؤخِّرة، وكأنَّ صاعقةً نزلت من السماءْ، أو زلزالًا ارْتجَّت منه الأرْجَـاءْ، أو بركانًا انفجَـرَ في الهواءْ؛ فتناثرتْ على إِثْـرِهِ الدِّماءْ، وتبعثرت حولنا الأشْـلاءْ!

ودوَّى الصُراخ في الآفاقْ في مشهدٍ رهيبٍ لايُطاقْ ، فالسماءُ في أعينِ الناجين غَامَتْ، وكأن القيامةَ قد قامتْ: دماءٌ خَضّبت قُضبانَ الحديـدْ كسابقتها في قطارِ الصَّعيدْ، عـروسٌ تندِب بحسرةٍ زوجَها ، وتلطِمُ وردًا على خَـدِّها ؛ لقد أعدَّ مع البحرِ مفاجأةً لها، أمٌ تبحث عن صغارِها والرُّعبُ يقتلعُ قلبَها، هذي حقائبُ مُزِّقت وتلك أوراقْ، وهذا وجهٌ وضيءٌ غَـرَبَ بعد إشراقْ، عناقٌ وبكاءٌ وفِـراقْ!

واستحالَ المكانُ إلى ساحةٍ للوغَى بعدما فاضَ الدَّمُ وطَغَى!

تُنتزعُ الجُثثُ من بين الأعوادْ، أحسبُهم -عند ربي- من الأشهادْ؛ فمن فاضَت أرواحُهم كانوا بالعشرات، وعُـدَّ المصابون هنالِك بالمئات، وتلك عرباتُ الإسعاف تتهادي باستخفافْ فلم نأبه بها وحملْنا الجرحى على الأكتافْ، خابَ وخسرَ المُسعِـفون؛ من أفعالهم ألا يستحون؟! يلتقطون صور السلفي ولا يبالون؟! فليس القابضُ على الجمرِ كمن يده في الماءِ الغمرِ! ولله دَرُّ الشاعر طه رضوان حين قال :

وطني الأصمّ ،أسامعٌ صوتَ الرَّدى ** صوتَ الهديرِ مع العويلِ على المدى؟

هـذا قطـــارُ المـوتِ يقبلُ نحــوَنا ** والقهــرُ يُرسِـلُ ذلّهُ كي يشهَــدا

أسَمِعتَ صوتَ الطفلِ يصرخُ باكيًا ** أمّي ، أفيقـي ثُمّ مـــاتَ مُمَــدّدا؟

أرأيتَ شيخًـا كـانَ شمسَ سعــــادةٍ ** ما ذنبُ هـــذا أن نــــراهُ مُــوَسّــــدا

أشلاؤهم تبْكي و تهتفُ : موطني ** مــاذا جنينا ؟ ثم يُخْرِسُهُمْ صَـــدَى

يا ويْحَ قومِي سلّمُــوا بِمَهانَتِي ** و أنا الذي استبْسَلتُ في وجـهِ العِـــدا

أنا لمْ أصَدِّقْ فيكَ زورَ حديثِهِم ** ووهبتُ روحي إن يَحِنْ وقتُ الفِـدا

باللهِ يـا وطني أجبْني صادقًا ** أتحبّنـا ؟ أم أنّ غـــدْرَك قـد بـَـدا ؟

يقول الراوي: وأحْمَـدُ الله أن نجَّاني وزوجتي، وردَّ عليَّ روحي ومُهجتي ، فقد كنا من القطارِ في الخَاصِرَة فلم تُصبْنا أقْـدارُ المُؤخِـرة، ويأبى الغَـمُّ إلا أن يعقبَه غّـمّْ ، فقد خُبِّرْنا بموتِ زوجةِ العَـمّْ؛ فزادَ البلاءُ وكسانا الهَمّْ، وشَرَعْنا نجُـرُّ من يأسٍ أقدامَنا، ونَلْعَـقُ من ألمٍ جِـرَاحَنا، نتحسَّسُ سيارةً لنلحقَ بالعَـزَاءْ، مُخلِّفين وراءَنا ساحةً للفناءْ، فألهِمْنا اللهمَّ الصبرَ حتى اللقاءْ!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى