الأمة الثقافية

صلاح المكاوي يكتب: الـمَـقــامَــةُ الكُــوخِيَّـــة

صلاح المكاوي
صلاح المكاوي

حكى ابْنُ أبي العينين، قال:

ولمّا ضاق بي العيشُ وساءت الأحوالْ، وكثُر الهَـرْجُ وعمّ الابتذالْ، وتنَازعَتْني الهمومُ من عَـوَزٍ وإقلالْ، وانفضَّ من حولي الصَّحبُ والخِلّانْ بعد تكالُبِهم على الأرضِ والبُنيانْ، ونهِمهم في المالِ وحِيازتهْ،إذْ شَرعُـوا في تقديسهِ وعبادتهْ؛ هِمْتُ على وجهي تسبقني دموعي، والهمُّ يعتصرُ قلبي ويُمزِّقُ ضُلوعي؛ أرومُ صديقي نهـرَ البوهيّة، ألتمسُ ـ بشغفٍ ـ ضِفّتَه البحريّة؛ فما زال على عهدِي به وفِيًّا، ومُذْ صاحَبتُه دامَ لي صَفيّا، فهمَمْتُ بين يديهِ بالمثولْ، وجعلتُ أخاطبُه أقول: هل أكونُ مُتطفِّلا إن رُمْتُ صُحْبتَك أيُّها النّهـرْ؛ أركضُ فـارًّا من ضجيجِ الحياةِ وظُلمِها والقهـرْ؟ بعيدًا.. بعيدًا عن أدرانِ وحمَاقاتِ البشـرْ، حيثُ الأمان في جِوارك فلا خوف ولا خطـرْ مُخلّفًا ورائي وجوهًا كالحة، ونفوسًا خرِبةً طالحة أبَتْ إلا الجعجعةَ والجدالْ، وغَضِّ الطّرْفِ عن حميدِ الخِصالْ؛ فمَسُخَت بِقُربِهم الحياة، فبئسَ رِفاقًا الجُفـاة!

يقول ابْنُ أبي العينين مُخاطبًا النهـرْ، مُسْتاءً من الحُمقِ والنذالةِ والعُهـرْ:

هلّا منحتني مترين في مثيلهما؟ هما فقط لا غيرهما؛ فوق ضفَّتِك أيها الهُمام بين كوبري “البوها” و”سمبو مقامْ”؛ لأبْتنيَ عليها كُوخًا من قَشٍّ وقصبْ، وبعضِ الفروعِ من الخشبْ، إذْ لا صخَبَ لديكَ ولا نَصَبْ، قُدّامَ النخلةِ العجـوزْ، التي كنّا لتمرِها نحُوزْ، هاهي قد انحنَي عُـودُها، ونحَل قحفُها، وذبُلتْ عراجينُها، وتدلّي من يبَسٍ جريدُها، بجوارِ الصَّفْصَافةِ التي تتراقصُ منها الأوراقْ فترِفَّ وتهْفـو باشتياقْ؛ لتلتمعَ وجَنَاتُها بالنضرةِ والبهاءْ كفتاةٍ خَجْلى قد اسْترَقَتْ خَلْوةً في المساءْ؛ فألقتْ بشعرِها المُنسدلِ ليسبحَ فوق موجِكَ على استحياءْ، هُنالِك قُبالةَ شجرةِ الكافورِ العتيقة؛ الأم كانت هي والأختُ والصديقة، فما زال لِحَاؤُها سِجِلًّا مُفعمًا بذكرياتنا، ومازالت القلوبُ المنقوشةُ عليها تنبضُ بحبِّنا، رغمِ نفاذِ سِهامِ الحُبِّ فيها، وأبدًا أبدًا لا تُدْمِيها!

نَعَم، فوق ذلك النجيلِ النديّ الأخْضَرْ، كم تمرَّغنا عليه فنسِينا أنفسَنا ولم نشْعـُرْ! والتَّنهيدُ يتصاعدُ إلى السماءْ فيتبخّرْ؛ ليحِلَّ في الصدورِ بَرَدٌ وسكينةٌ من جديدْ، فينشرحُ الصَّـدْرُ ويأنسُ الوحيدْ!

أصطحبُ معي قليلَ زادي، وبعضَ أغراضِي وعتادي: مُصْحفي، قلمي وأوْراقي، والمُنتخب من الكتبْ، وبعضَ الخبزِ الجافِّ فلا يُصيبُه العَطَبْ، وشيئًا من الملحِ المُحَوَّجِ بأسْودِ الفُلْفُلْ، والسُّكر والشاي وحبّاتِ القَـرَنفُل، و مِن جَـرَّة المِشِّ تتفتّقْ قطعتين من الجُبنِ المُعَتّقْ، مع قرونِ الشَّطّةِ الحمْراء المُخلَّلة، والقُلَّةِ الفُخَّاريةِ بخَيْشتِها المُبلّلة، ومِسْرَجَتي والسِّنَّارة ثم الدرَّاجَة، وليس لي بعد ذلك مأربٌ ولا حاجة.

أستلقي على ظهري في رحابِك الفَسيحْ؛ لتُطبِّبَ بدني المُعَنَّى وقلبي الجَرِيحْ، لا يحدُّ بصري إلا صفحةُ السماءِ الزرقاءْ، والمروجُ الفسيحةُ الخضراءْ، يفوحُ الأريجُ من الزهورِ تسبقُ الإثْمارْ؛ فيضُوعُ العَبَـقُ في الليلِ والنهارْ، تُلامِسُ قدماي ماءَك الفُراتْ ينسابُ سَلْسَلًا فيُحيي المَوَاتْ، توضِئُني بمائِك فوق الأحْجَارْ، مُحكمةٌ رُصّت في الجِسرِ بإبهارْ، أُصلّي أمام الكوخِ لله الخالقِ البديعْ، تعالى المُنعِمُ ونعمَ الصَّنيعْ!

يقول الرَّاوي: ولقد عهِدتُك ـ أيَّها النهـرُ ـ كريمًا، لا ضنينًا أو لئيمَا؛ أصطادُ الأسماكَ بسنَّارتي من جَـوْفِكْ، تأْنسُ بي فيزول خوفُكْ، تبوحُ لي ولك أبوحْ، أقرأُكَ كـ كتابٍ مفتوحْ، تمنحني الصبرَ والأناة كما جُدْتَ لأجدادي الأُبَـاة، أُضرِم النارَ في جَافِّ الجَـرِيدْ، فتشتعلُ ثم تربو وتَزيدْ، أُلقي بالأسماكِ فيها فتتقلبْ، وتتلوّى من الجمرِ وتتصلّبْ!

يا ويْحِي! إنها مازالت حيَّة؛ عفوُك اللهم؛ فإنَّما العملُ بالنيّة!

ها هي تتقافَـزُ هاربةً من النارْ! فقنا اللهم حرّها ياغفّـارْ!

تضربُ النارَ الأسماكُ أذيالُها إلى أن تهدأ ثورتُها وتفقدَ آمالَها، تستسلمُ وتنفرجُ خياشيمُها، ثم يسيحُ وَدَكُها وتفوحُ رائحتُها، فيسيلُ على إِثرها الُّلعاب، وتنشغلُ بطيبِ مذاقِها الألبابْ!

أُقمِّـرُ الخبزَ على النارِ فيحمرُّ ويُحَمَّصْ؛ ليتشبّهَ بالفطيرِ ويتقمَّصْ، أُوشِّي الأسماكَ بالمِلحِ والليمونْ؛ فيُسرُّ برؤيتهِ الناظرونْ، ألتقطُ القليلَ من يانعِ الجرجيـرْ؛ ليكتملَ بذلك التَّحضيرْ، تفوحُ رائحةُ الجُبنِ المعتّقِ كالفسيخْ، ولْتُضربْ بعُرضِ الحائطِ لحومٌ على السِّيـخْ!

الله الله .. ما أشهاهُ من مأكولْ، وما أطيبهُ من مأمُولْ!ٍ

طعمٌ لا صِنْـوَ له لذيذْ؛ ذاك اللحمُ الحَنيذْ!

اللهم لك الحمدُ أن أغنيْتنى عن عِبادِك، وأسبَغْتَ علىَّ وافِـرَ آلائِك!

أشربُ ماءً فُراتًا كالسُّكرِ المُذابْ، يتحَدَّرُ إلى حَلْقي كشَهْدِ الرُّضَابْ من قُلَّتي الفُخَّارِيَّة المُعلَّقة بغُصْنِ الصَّفْصَافَة، وشَغَّالاتُ النحلِ تَطِنُّ حولَها طَـوَّافَة!

يا ألله! إنها الجنةُ الغنّاءْ؛ ماءٌ وهـواءٌ، سحبٌ وسماءْ، خِصبٌ ونَماءْ، جمالٌ وبهاءْ، يانعٌ وفضاءْ، وعُزلةٌ عمّن كنت أحسبُهم أصدقاءْ!

الفلاحون يسُوقون مواشيهم بِطانًا آيبين، وقد أَلْقُـوا بأجسادِهم المُنْهَكَةِ مترنِّحين، فوق عَرباتِهم الخشبيَّة المُحمَّلةِ ببعضِ الأغْـرَاضْ، راضين قانِعين بلا جُحُودٍ أو امْتعَاضْ، قرصُ الشمسِ يُلوِّحُ مُودِّعًا إيذانًا بالغـروبْ؛ فيَشْرُدُ الذِّهْـنُ وتنقبضُ القلوبْ، ثم تكتسي السماءُ خلفهُ بأحْمَـرِ الشَّفَـقْ؛ ليستعدَّ الليلُ بالغَبَشِ والغَسَقْ!

يتسللُ الليلُ خِلسةً فيبسُط على الكونِ رِداءَهْ، والنجومُ زاهراتٌ ترصِّع بإبداعٍ سمَاءَهْ، تسابيحُ تسْبَحُ حولي لا أَعِيها، وتراتيلُ بيّناتٌ لا أُخفيها فـ ” كلٌّ قَد علِمَ صَلَاتَه وَتسْبِيحَه” ألهمَهُ اللهُ وجادَت به القَـرِيحَة، تعزِفُ الطيورُ ألحانَها الشَّجيّة، مُترنّمةٌ وبأعشاشِها حَفيّة، فتحتضِنُ ـ بلهفةٍ ـ فِراخَها، وتَبُثُّها حنينَها ودِفئَها، أضيءُ الكُوخَ بمِسْرَجتي، وأستلقي بُرْهَـةً لتَنْشَطَ ذاكِـرتي، يَعمُّ جنباتِه الدِّفْءُ والأُنسُ والنورْ، فتحْقُـرُ في عينيَّ شاهِقُ الدورِ ومُنِيفُ القصورْ، القمرُ البدرُ يتلألأُ في السماءْ، يُسرِفُ في إرسالِ ضوئه في المساءْ؛ ليُغلّفَ المكانَ بغِلالةٍ من فِضَّة، تنثالُ تَتْـرَى سابِغَـةً غير مُنْفَضَّة!

سبحان البديع ما أعظمهْ، وما أكرمه وما أحلمهْ!

يقول ابنُ أبي العينين: قصيرةٌ هي اللحظات الجميلة كحلمٍ يانعٍ فوق الخميلة! فها هي سعادتي لا تطُـول، إذْ سُرعانَ ما أصابَها الذُّبُـولْ؛ فالشمسُ تشرقُ على النهرِ مكشِّرًا عن أنيابهْ، وقد أرغَى وأزْبَـد لِروَّادِه وأحبابِهْ، يزأرُ كالأسدِ الهَصُـورْ، فيفـورُ طميُه ويثورْ؛ فهنالِك كـَرَّاكةٌ آتيةٌ من بعيـدْ، ترْتَجُّ الأرضُ من خَطْـوِها الوئيدْ، تُهيلُ الجسُورَ وتُفـزعُ الأسماكْ، وتُنهِكُ قُـوَى النهرِ أيّما إِنْهاكْ، تُعكّـرُ صَفْـوَ الماءِ النّميرْ، وتمحُو من صفحتهِ أنغـامَ الخَـريرْ، تُطيحُ بالأشجارِ الهاجِعَة، فكأنَّما قد وقَعَت الواقِعة!

انتفَضَتْ فَـزِعَةً من أعشاشِها الطيـورْ، وسَبحَتْ الهوامُ خارِجَةً من الجُحُورْ؛ تتساقطُ في المياهِ الزَّغَبُ والفِـراخْ؛ فيعلو النعِيبُ ويرتفعُ الصُّراخْ!

ولم يكن كُوخِي بمَنْأي عن الهلاكْ فقد نُصِبَتْ له المَكَائِدُ والشِّرَاك، إذْ سَحَقتْهُ الكَـرَّاكَةُ -شُلَّت ذِراعُها- بكفِّها كلُقْمةٍ سائغةٍ تَحلُو لها، وأجْهَـزَتْ بالطينِ علي أنْفَـاسِهْ وأتتْ على كلِّ أحْـرَاسِهْ؛ فانْدرَسَتْ -تحت الطينِ- معالمُهْ، وطُمِرِتْ -بلا رحمةٍ- ملامِحُه، فلا تكادُ تسمعُ له الهَمسْ كَأَن لم يغْنَ بالأمسْ!

فانطرحْتُ مُسلِمًا ظهري لجذعِ نخلةٍ بالية كانت بالأمس سامِقةً عالية، وأرَحْتُ رأسي المثقلةَ بالهمومِ إلى راحتي؛ بعدما ذبُل مَقْصِدي وتلاشَتْ غايتي، وشَرَعَتْ ترمُقُ عيناي الكُـوخْ، وكيف تَهَاوَى بعد شُمُـوخْ، يبكيه قلبي بعد أُفُـول، ولسانُ حالي يقول: وذهبَتْ أحلامي الصغيرةُ سُدَىً تحت الجنازِيرْ، وتلاشَتْ مع الريحِ آمالي وكُوخي الأثيـرْ، ورجَعْتُ صِفـرَ اليدين لِذَيّاكَ المصيرْ!

ولكن لا، لن أمُوت ولن أعُـودْ، وسأجمعُ القشَّ عُـودًا بعد عُـودْ؛ لأُقيمَ الكُوخَ ولو حلَّتْ جحافـلُ أو حُشُودْ، فلسْتُ أقلَّ من أسرابِ العصافيرْ؛ فما برِحَتْ تُحلِّقُ فوق رأسي وتطيرْ، تنسِجُ أعشاشَها بعـزمٍ من حديدْ؛ فلربَّما يأتي الزمنُ السَّعِيدْ، فننْعَمُ -حتمًا- بالعيْشِ الرَّغيـدْ؛ لذا سأبني كُوخِي من جديدْ، سأبني كُوخِي من جديدْ!

فشاطَرنِي الشاعر طه رضوان ما في خاطري يجولْ، وانبرى يُردِّدُ ويقـولْ:

الأرضُ أرضي والبحارُ بِحاري ** حتى الطيورُ بجوِّها أطياري

لكنّ لي حُلْمًا أقضّ مضاجعي ** و أذلّ روحي قسوةُ الإعصارِ

لملمتُ كلّ حقائبي في دفتري ** و تركتُ قهرًا صحبتي ودِيارِي

وجعلتُ نهرَ النيلِ خيرَ مُرافِقٍ ** و جعلتُ منهُ خِزانَةَ الأسرارِ

أشكو له تحتَ الدموعِ مَهانّتي ** والقلبُ ينزِفُ ظلمةَ الأســـوارِ

فأبى الطغـاةُ العابِثــون حياتَنا ** وتعمّـدوا قهْــري بكلِّ نَهَـــــارِ

قد زيّفوا التاريخ فِي أحلامِنا ** و العهــرُ أصبحَ سِلعة التّجّـــارِ

صارتْ دموعُ النهرِ نزفًا جاريًا ** والصيدُ عـادَى طُعْمَةَ السّنّــارِ

لكنني سـأعــودُ رغمَ ظـلامِـهم ** لأعيدَ نــورَ الفجـرِ بالأمطــارِ

وسَنُسْكِنُ الأطيارَ في أفنانِنا ** والشمسُ ترسلُ نــورَها للسّــاري

الأرضُ أرضي يا طغاةُ فأبْشِرُوا ** إنّي علمتُ خلاصَها بقراري

سنعـود نبني المجـدَ في أوطانِنا ** إنّ القــرارَ مَعِيشةُ الأحْـــرارِ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى