آراءبحوث ودراسات

صلاح الإمام يكتب: حقيقة الدولة الفاطمية (1)

Latest posts by صلاح الإمام (see all)

أثار إعلان الرئيس الليبى الراحل معمر القذافي -صاحب النظرية العالمية الثالثة-  بتأسيس الدولة الفاطمية الثانية، ردود فعل قوية، حيث أعلنت لجنة الفتوى السعودية فتوى تؤكد بأن تسمية هذه الدولة التي حكمت مصر وأفريقيا بالفاطمية تسمية كاذبة، أراد بها أصحابها خداع المسلمين بالتسمي باسم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن مؤسس هذه الدولة أصله مجوسى يدعى سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان الثنوى الأهوازى.

 

وقالت اللجنة في فتواها: أن حكام هذه الدولة الذين حكموا مصر وأفريقيا لا نسب لهم في ولد على بن أبى طالب -رضي الله عنه- وهم خوارج كذبة، كفار، فجار، ملحدون، زنادقة، معطلون للإسلام، عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية، وأضروا بالمسلمين.

 

إلى هنا ينتهي مضمون الفتوى، التي أرى -من وجهة نظري- أنه قد تأخر صدورها، وكان المفروض أن تصدر عن جهة مصرية، ومما أثار حفيظتي هو تصدي من لا علم لهم بالرد على هذه الفتوى، إذ تصدى لها سياسيون، ونقاد سينمائيون، ومؤلفي مسلسلات، وأخيرا الجهلاء الذين أضحوا في غفلة من الزمن أصحاب أقلام، وهم يؤكدون قول المصطفي -صلى الله عليه وسلم- أن من علامات الساعة: (يصدق الكاذب ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة) والرويبضة هو الرجل التافه الذي يتكلم في المسائل العامة، وهذا الزمن أصبح صوت الرويبضة فيه أعلى من صوت العلماء والحكماء.

 

فالذين تصدوا للرد على الفتوى وتسفيهها من أدعياء الحداثة والعولمة والليبرالية والماركسية، وغيرها من المذاهب المدمرة والتي هي في الأصل نتاج الفكر اليهودي العالمي، لأن الدولة الفاطمية هي كما قالت عنها الفتوى المشار إليها، وكل المراجع التاريخية التي لا يختلف بشأنها إثنان قالت بذلك، ومنها: البداية والنهاية لابن كثير.. المنتظم لابن الجوى.. تاريخ الإسلام للذهبى.. تاريخ الخلفاء للسيوطي.. خطط المقريزي.. سير أعلام النبلاء للذهبي.. الكامل في التاريخ لابن الأثير.. النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى.. وفيات الأعيان لابن خلكان.. وغيرهم.

 

هذه المراجع هي التي استندت إليها في إثبات حقيقة الدولة الفاطمية، ومن لديه رأى آخر فليرد علينا بالحجة والدليل، ذلك أن وقائع التاريخ لها حرمتها، وليست مثل الكلام في قضية هالة شو، أو فيلم اللمبي، فالذي يتكلم في التاريخ لابد أن يكون قد غاص فيه، واطلع على وقائعه من مصادر مختلفة، واستخلص الحقائق من ثنايا الصحائف ومابين السطور.

 

من هو مؤسس الفاطمية؟

 

في كتاب تاريخ الخلفاء للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، نجد أنه قدم عرضا لسيرة الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم الأمويون، ثم العباسيون، وفي نهاية كتابه كتب فصلا مختصرا بعنوان (الدولة الخبيثة العبيدية)، عرض فيها لملوكهم الأربعة عشر في صفحة واحدة، وختمها بمقولة الإمام الذهبي حيث قال عنهم: كانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا.

 

واتفق ابن خلكان، والقاضي الباقلاني، والإسفرايينى، وكل المؤرخين الثقاة على أن عبيد الله الفاطمي (المعروف بالمهدي) مؤسس الدولة الفاطمية، كان والده يهوديا صباغا، واسمه سعد (وقالت روايات أخرى أن اسمه سعيد) وأخذ لقب عبيد الله من زوج أمه الحسين ابن أحمد القداح، وسمى (القداح) لأنه كان كحالا يقدح العيون.

 

وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (الجزء 15) أنه أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية، الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا الرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية، وبثوا الدعاة يستغوون الجبلية والجهلة.

 

ويقول الذهبي: أنه لما سأله السيد ابن طباطبا عن نسبه، قال غدا أخرجه لك، ثم أصبح وقد ألقى عرمة من الذهب، وقال: هذا نسبى، ثم جذب نصف سيفه من غمده وقال: وهذا حسبى!!

 

وقد أسس هذا المدعى مدينة المهدية، وتلقب بالمهدي، وأشاع نسبه إلى الإمام على والسيدة فاطمة الزهراء، وأقام دولته بالمهدية عام 297 هـ (910م)، وبدأ من منذ ذاك التاريخ في نشر دعوته بالقيروان وسائر بلدان الشمال الأفريقي، لكن علماء السنة قاوموا دعوته، وأقنعوا الناس بكفرها، وحدثت بين العبيديين وأهل السنة حروب طاحنة، فانتقل العبيدى إلى المهدية بعد أن بذل في تحصينها أموالا طائلة، ثم فكر في الانتقال إلى مصر، فأرسل عدة حملات لإخضاعها، لكنها فشلت أمام جيوش العباسيين التي قادها مؤنس الخادم.

 

واعتمد عبيد الله في صموده على إشاعة أنه المهدي المنتظر، فالتفت حوله عدة قبائل، لكن أبو عبدالله الشيعي استطاع أن يشكك البرابرة فيه، حينما واجهه وسأله: أن الإمام لايلبس الحرير وأنت لبسته، وليس له أن يطأ إلا ما تحقق أمره وأنت وطئت النساء ـ فأجاب عبيد الله: أنا نائب الشرع، أحلل لنفسي ما أريد!!!

 

واستمر عبيد الله في حكمه إلى أن مات عام 322هـ (934م)، وتولى بعده ابنه القائم بأمر الله أبى القاسم محمد حتى عام 334هـ (946م)، ثم ابنه المنصور إسماعيل حتى وفاته سنة 341هـ (953هـ)، ثم تولى من بعده ابنه (معد) وكنيته أبو تميم، ولقبه المعز لدين الله، وهو الذي انتقل بالفاطميين إلى مصر.

 

الفاطميون في مصر:

 

في عام355 هـ (966م) مات كافور الإخشيدي، واضطربت أحوال مصر، فانتهز المعز الفرصة، ولم يجعلها تمر مرور السحاب، ففكر ودبر وعزم العزم على ضم مصر التي فشل جده في ضمها لملكهم، فأقدم على حفر الآبار والاستراحات في الطريق بين القيروان ومصر، وحشد جيشا جرارا، وأسند قيادته لمولى والده (جوهر) وهو رومي الأصل وينسب إلى صقلية، وأمر المعز كل أمرائه أن يطيعوا أوامر جوهر.

 

وفي جيش كثيف يزيد على مائة ألف جندي، دخل جوهر الصقلي الأراضي المصرية في 27 شعبان سنة 58هـ (968م)، وكان الكافوريون قد هربوا من مصر بعد علمهم بأمر الجيش الفاطمي، فدخلها جوهر من ناحية المطرية بلا ضربة واحدة، وكان ذلك يوم الثلاثاء، فلما جاء يوم الجمعة التالي له الموافق 30 شعبان خطب الأئمة على المنابر للمعز الفاطمي، وأمر جوهر المؤذنين في كل الجوامع بأن يقولوا (حي على خير العمل) وأن يجهر الأئمة في صلاتهم بالتسليمة الأولى فقط.

 

وشرع جوهر بعد ذلك في بناء مدينة جديدة تكون عاصمة لهم في سفح جبل المقطم، واقترح المنجمون عليه أن يسميها (القاهرة) نسبة إلى كوكب القاهر (المريخ) الذي كان في صعود ليلة دخوله مصر، وبدأ أولا ببناء القصرين ليكونا منزل الملك ومقر حكمه (يطلق عليهم الآن بين القصرين)، ثم بنى الجامع الأزهر عام 361هـ، ليكون منبرا لفكرهم ومدرسة لتعليم المذهب الرافضي (الأزهر مذكر الزهراء) لكنه تحول إلى قلعة للمذهب السني، ومنبرا تعليميا لعب دورا تاريخيا في الحياة الاجتماعية والسياسية بمصر.

 

وصل المعز بعد ذلك للأراضي المصرية، فحل بالأسكندرية يوم 23شعبان سنة 362هـ (973م)، وعن هذه المناسبة يقول ابن كثير: “قدم المعز ومعه جحافل من الجيوش، وأمراء من المغاربة والأكابر، وحين نزل الأسكندرية تلقاه وجوه الناس، فخطبهم بها خطبة بليغة ادعى فيها أنه ينصف المظلوم من الظالم، وافتخر بنفسه، وأن الله قد رحم الأمة بهم، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرا وباطنا، كما قال القاضي الباقلانى، إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته، ومن أطاعه ونصره ووالاه، قبحهم الله وإياه، وقد أحضر بين يديه الزاهد العابد الناسك الورع التقى (أبو بكر النابلسي)، فقال له المعز: بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة، ورميت الفاطميين بسهم، فقال: ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله، فقال: كيف قلت؟ قال: قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر، قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم، فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا، ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي، فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين، فمات رحمه الله، فكان يقال له (الشهيد)، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس.” (ا0هـ).

 

أحضر المعز معه رفات أهله، وأقام لهم مقابر أمام الجامع الأزهر، وشيد فوقها القباب، وأعطى لهم قدسية، وجعل الناس يتبركون بها، وبقيت هذه المقابر هكذا حتى عهد السلطان المملوكي الأشرف خليل ابن قلاوون (1290 ـ 1293) الذي قام بهدمها، وشيد على أنقاضها خان كبير عرف باسمه (خان الخليل) وهو القائم بالقاهرة حتى يومنا هذا.

 

كان المعز منجما يعتمد على حركات النجوم، قال له منجمه أن عليك قطعا (خوفا) في هذه السنة، فتوارى عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة، فعمل له سردابا، وأحضر الأمراء، وأوصاهم بولده نزار (العزيز بالله) وفوض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، ودخل المعز ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكان المغاربة إذا رأوا سحابا ترجل الرجل منهم له عن فرسه، وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في الغمام، ثم برز إليهم بعد سنة، وجلس في مقام الملك، وظل هكذا حتى عاجله القضاء المحتوم، فتوفي في 7 ربيع الآخر سنة 365هـ، وكانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر وبعدما ملكها ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر، وجملة عمره كله خمسة وأربعون سنة وستة أشهر.

[ad id=’435030′]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى