مقالات

شهر رمضان.. بين التصالح المجتمعي والتوافق السياسي

Latest posts by طارق فكري (see all)

 [starbox] – قد تَبَدَّى رمضان يتلألأ، يُرسل روائح المحبة والإيمان، تَقترب معه نسائم الرضوان؛ فتُصيب النفس بِنشوة الرضا، وتمسح عنها يأس القنوط، وتجدد معها أمل النجاة، وتبعث فيها روح القنوت؛ لِيسري فيها حب الإله.

 – {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة، شهر الهدى والرضا والتسامح يمهد الله له ويُهيأ له بشهر شعبان فيه ليلة النصف من شعبان، يُطالب فيها المؤمن بتطهير قلبه من كل حقد أو كره.

– عن أبي موسى قال: قال رسول الله: [إن الله تعالى ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن] صححه الألباني.

 فهي دعوة للسلم المجتمعي وتطهير القلوب قبل دخول شهر الله المعظم، وكأنها محطة لتصفية الأجواء المجتمعية، وتصحيح المسار لأبناء الأمة للدفع بهم في طريق الوحدة، والاعتصام حول ما يَرفع قيمتهم،ويُصلح بلدهم، ويُقدِّس أوطانهم، ويُنهي حالة الانقسام التي جعلت منهم شعبين متخاصمين؛ مما ترتب عليه ضعف الجسد المصري وحدوث حالة من الإيدز المجتمعي، سمحت لأعداء الوطن من الصهيونية العالمية والماسونية المقيتة بأذرعهما المختلفة بقمع الأمة المصرية وتركيعها، وتعبيدها، وتكميم أفواهها وتقزيم دورها العالمي في قضايانا العربية والإسلامية.

لن يغفر الله لمشركٍ ومشاحن في ليلة النصف، فهل يغفر له في رمضان؟

 فهلموا أفرادًا ونُخبًا ومؤسسات لننزع فتيل الكره بيننا ونُذيب التشاحُن مع بعضِنَا لنُعلي مصالح الوطن العليا على خلافتنا الشخصية لِنلتَف ونَصطف لِنُنقذ وطناً يضيع وشعباً يغرق.

– ويقول صلى الله عليه وسلم: [إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب،وصفدت الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة] الطبراني في الكبير.

تُفتّح أبواب الجنة كلها، وتُغلّق أبواب النار كلها، وكأنها صفحة جديدة يفتحها رب العالمين مع البشر كلهم يتغاضى عما اقترفوه في حقه طول العام، ألا يدعونا ما يفعله الله لنا نخباً وأفراداً ومؤسسات أن نفعله مع إخواننا في الدين، أو الوطن، وننسى جراحتنا وآلمنا، ونتعايش سوياً في ظل الحرية والديمقراطية،وقبول الآخر لكي ننقذ وطناً غاب عن ركب الحضارة، وقطار التقدم.

 يا باغي الخير أقبل: كم يرتفع النداء لكل باغِ الخير للوطن وأهله أقبل بالاصطفاف، والتعاون، وإصلاح ذات البين (والصلح خير)، فما من خير أفضل من الصلح بين أفراد الشعب، وبين نخبته ومثقفيه، ومؤسساته الشامخة،والالتفاف على كلمة سواء تجمع الشمل وتُعزِزُ الاصطِفَاف الوطني تجاه الصهيونية العالمية.

ويا باغي الشر أقصر: يا باغيَ تفتيت الشمل أقصِر، يا من تُشعل فتيل الفُرقة والبغضاء أقصِر واتقي الله، ولا توقظ جراحات الماضي عند الإسلاميين، والليبراليين، والعلمانيين.

– فهذا الذي يريد أن يُشعل الفُرقة مُبتَغَاهُ أن لا يصطف أبناء الوطن ومؤسساته لرفعته وتخليصه من الفرقة والتيه، والتبعية المُذلة لشعبنا ووطننا، فتلك مؤامرات تُحاك بِحرفةٍ فانتبهوا لها يا إخوة الوطن والدين.

– ويقول عليه الصلاة والسلام: [جاءكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، ينظر الله على تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله] صححه الألباني.

 شهر يُنزِل الله فيه الرحمة؛ فلما لا نتراحم ونتغافر فيما بيننا نحن أهل الوطن الواحد، وننسى ما شنه كل منا على الآخر من حروب كلامية إعلامية، فتتت المُفتَت، وقزمت المُقزَم، وجعلت من طلاب الحرية لقمة سائغة تلتهمها ذئاب الديكتاتورية العالمية صليبية كانت أو صهيونية، وتُضعِفُ بها جبهة النضال الشعبي السلمي ضد سُرَّاق الوطن وقَوادي الصهيونية العالمية.

– وما زال دُعاة الحرية في بلدي من ناصريين، وشيوعيين، وليبراليين، وعلمانيين يكيلون الحرية، والديمقراطية بمكيالين، فهم يريدونها لهم خالصة من دون الإسلاميين.

 فهل يأتي رمضان ليَرقى بالنفس ويطهرها من الكره والأنا؟

– أتى رمضان والأمة تُغرد تغريدة واحدة، والكون يَعزف مَعَنَا مقطوعة واحدة، فالكل صائم، والكل يُفطر، والكل يُصلي ويتقرب لربه؛ فما أجملها من دعوة لكل باغ للحق، ولكل طالبٍ للحرية، ولكل مناضلٍ صامد، أن تعالوا لنغرد جميعاً داخل السرب، ونعزف جميعاً مقطوعة الحرية والسلام ضد الفراعين،الذين استعبدوا الناس، وقالوا ما نريكم إلا ما نرى، وما نهديكم إلا سبيل الرشاد.

– ثم يدعونا رسول الله في رمضان بقوله [فأروا الله من أنفسكم خيرًا]

 فهل يرى الله منا خيراً لبعضنا نحن أبناء الوطن المكلوم إسلاميين كُنا أو علمانيين أو ليبراليين أو محباً للوطن بدون توجه أو مؤسسات حكومية.

 هل يرى الله منا وحدةً واصطفافًا؟ أم يجد فينا من في قلبه كرهاً والتفافًا؟!

– فهل يرى الله من القائمين على أمر مصر الآن بابا للصلح والتغافر والعفو وإرجاع الحقوق لأهلها ؟

لما لا وهم مسلمون تغشاهم الله بنفحات رمضان فسجدوا وصاموا وقاموا لله، ننتظر منهم عملا صالحا هو أن يُخرجوا كل مسجون ويمسحوا على دمعة طفل غُيب والده بين غياهيب السجون فكم تساوي هذه الدموع عند الله الرحيم ؟

 كل عام وأنتم متصالحون.. كل عام وأنتم إخوة مصطفين.. كل عام وأنتم بخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى