مقالات

شد الرحال إلى الأقصى لكسر الحصار

المرابطون حول الأقصى

حواجز عسكرية، بوابات إلكترونية، كاميرات تراقب المكان وأجهزة تلتقط الصوت عن بعد، عملية تفتيش شخصي دقيقة يخضع لها كل من يمر في البلدة القديمة بمدينة القدس متجهاً إلى المسجد الأقصى المبارك، إجراءات أمنية مشددة جديدة توحي بأنه مقبل على معسكر للجيش أو أنه على مدخل سجن عسكري لا على دار عبادة تخص المسلمين وحدهم دون غيرهم، أصبح هذا المشهد حاضراً في المسجد الأقصى المبارك ابتداء من يوم الأحد الماضي بعد أن قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بإغلاقه منذ يوم الجمعة أمام المصلين المسلمين، وبمنع رفع الأذان من على مآذنه وبمنع إقامة الصلاة فيه في خطوة غير مسبوقة منذ احتلال مدينة القدس عام 67؛ مما يثير القلق من سوء نية سلطات الاحتلال المبيتة للمسجد الأقصى المبارك، فهي إجراءات خطيرة واعتداء على عقيدة مليار وسبعمائة مليون مسلم في العالم، وانتهاك مقصود وممنهج لحرياتنا وحقوقنا في أداء شعائرنا التعبدية التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، إن هذه القرارات التعسفية المتلاحقة وغير القانونية تستدعي تحمل الأمة مسؤولياتها العقدية والوطنية بالتصدي لها وإفشالها.

مشهد مرعب أعاد إلى أذهاننا أحداث مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف بمدينة الخليل، فقد خطَّت يد الغدر يومها في ذاكرة الأيام سطوراً حمراء؛ وسفك الحقد الصهيوني المسعور أزكى الدماء، وفيما بعد شكلت السلطات الإسرائيلية لجنة شمغار الصورية بحجة التحقيق في المجزرة وكأن العدالة تنتظر من المجرم! أصدرت اللجنة قرارات تنطوي على مكافأة الجاني ومعاقبة الضحية، فبعد انتهاء حظر التجول المفروض على المدينة لأكثر من شهر وإغلاق الحرم لعدة أشهر؛ فوجىء أهل المدينة بتقسيمه، فقد خصصت سلطات الاحتلال أكثر من ثلثي مساحته للمستوطنين اليهود، وجعلت الباقي فقط للمسلمين، وحتى هذا الجزء الضئيل مفاتيحه بأيديهم، يغلق بالكامل أمام المسلمين في الأعياد الدينية اليهودية ويفتح للمستوطنين واليهود يصولون فيه ويجولون، وهكذا هودت سلطات الاحتلال الجزء الأكبر من الحرم، وحددت عدد المصلين فيه وأوقات دخولهم إليه، ونفذت التقسيم المكاني والزماني فيه، بينما منحت المستوطنين اليهود حرية دخوله متى شاءوا، في خطوات متلاحقة ترمي إلى تحويله لكنيس يهودي.

إنها ذات الأحداث والأهداف والأجواء، وذات المقدمات والآثار والتداعيات، فما يجري اليوم في القدس وبلدتها القديمة والمسجد الأقصى المبارك هو ذاته ما جرى بالأمس القريب في الخليل وبلدتها القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف، وهو ذاته ما حذرنا منه الأمة مسبقاً في كل مرة يتعرض فيها المسجد الأقصى المبارك لإجراء احتلالي باطل، فتجربتنا مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية طويلة، وخبرتنا بأساليبها ووسائلها عميقة.

لكن خيبة أملنا لم تكن متوقعة أبداً، لم نتوقع ردود الفعل الباهتة لحكام الأمة وعلمائها وأبنائها والتي لم تَرْقَ أبداً إلى مستوى الحدث وضخامة العدوان على عقيدتها ودينها وشرفها، لم نتوقع هذا السكوت والصمت المطبق على استفزاز سلطات الاحتلال لمشاعرهم الدينية واستفرادها بالمسجد الأقصى المبارك للهيمنة عليه وتقسيمه وتهويده بالقوة، فهذا التقصير في حمايته ينذر بتفريط الأمة بسائر مقدساتها لأنه جزء من عقيدتها وعنوان كرامتها، وإن هان عليها فسيهون عليها المسجد الحرام والمسجد النبوي، أما شعبنا الفلسطيني الصامد الصابر المصابر المرابط فلن يقف متفرجاً على ما يجري في القدس والمسجد الأقصى المبارك، وكأني به قد أدرك أنه تُرك وحده في الميدان، فهاهم أبناؤه يتصدون وحدهم حاسرين بصدورهم العارية لكل ما يحاك لتصفية قضيتهم وأسسها وثوابتها، لأن القدس والمسجد الأقصى المبارك جوهرها ومركزها وعنوانها، وهو مهوى أفئدة الأمة لقوله عز من قائل {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ} الإسراء1.

لكل ذلك فإنني أطالب فصائل العمل الوطني الفلسطيني بالوحدة الحقيقية الشاملة وإنهاء الانقسام بكل جدية، والاتفاق على برنامج عمل وطني أساسه إنهاء الاحتلال والتصدي لمخططات تصفية القضية الفلسطينية وتدنيس مقدساتنا الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، وأناشد أبناء شعبنا الفلسطيني وبالأخص أهل مدينة القدس والأرض المحتلة عام 48 كما عهدناهم دوماً، وكل من يتمكن من أبناء الأمة تحدي قرارات الاحتلال وشد الرحال إليه للصلاة والمرابطة فيه، وأن يكثفوا حضورهم الدائم فيه وفي الحرم الإبراهيمي الشريف، وأن يواصلوا الزحف إليهما لمواجهة الأخطار المحدقة بهما والرامية إلى تهويدهما بالكامل، وألاَّ يبالوا بالإجراءات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على دخولهما، لإفشال مخططات التهويد التي تتهددهما.

وأذكّر الجميع بثبوت الأجر الكامل عند الله جل وعلا لمن يتوجه إليهما بنية شد الرحال ولم يتمكن من الصلاة فيهما لأن حكمه كالمُحْصَرُ وهو الذي يُمنع رغماً عنه لظرف قاهر أداء العبادة، قال صلى الله عليه وسلم {لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ : المسجدِ الحَرامِ ومسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومسجدِ الأقصى} رواه البخاري، وشد الرحل كناية عن السفر لأنه من لوازم السفر، وقال صلى الله عليه وسلم {فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي هذا ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة} رواه البيهقي وصححه الألباني.

ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثيْن الشريفيْن وغيرهما من الأحاديث الكثيرة بين المساجد الثلاثة لغاية عظيمة ودلالة كبيرة : أن التفريط بواحد منها تفريط فيها جميعاً، وضياع أحدها إيذان بضياعها جميعاً، وأن الأمة تحمل مسؤولية حمايتها جميعاً والدفاع عنها جميعاً والحفاظ على هويتها العقائدية المنتسبة إلى هذه الأمة المسلمة، إنها مسؤولية تحرير ما يقع منها تحت الاحتلال، فالتهديد لأي مسجد منها تهديد لها جميعاً وتوطئة للنيل منها، وزوال أحدها من أيدي المسلمين ووقوعه في أيدي غيرهم هو في حدّ ذاته تهديد للمسجدين الآخرين بل للبلاد الإسلامية بأسرها، فكلها مقدسات إسلامية واحدة للأمة الواحدة.

لكل تلك النصوص والأدلة، ولهذه العلاقة الفريدة بين المساجد الثلاثة أقول: إن المسجد الأقصى المبارك أمانة في أعناق الأمة وأبنائها شعوباً وحكاماً، فلا تفرّطَ فيه ولا تتنازلَ عنه ولا تتقاعسَ عن حمايته وتحريره من الأسر، ولا تصمتَ أو تقفَ متفرجة مكتوفة الأيدي في مواجهة أيّ انتهاك لحرمته وتدنيس لقدسيته، بل تهبُّ أبد الدهر لنصرته واستنقاذه من قيود الأسر كلما وقع في أيدي المحتلين الغاصبين.

إن شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك وزحف مئات الآلاف من أبناء شعبنا للصلاة فيه الذي شهدناه في شهر رمضان المبارك على الرغم من قيود سلطات الاحتلال الإسرائيلية الغاشمة وإجراءاتها الظالمة ينبغي ألاّ يتوقف أبداً؛ ليس لأبناء الشعب الفلسطيني وحده فقط بل للأمة بكاملها، لأنه أولاً ليس مسجداً خاصاً بالشعب الفلسطيني وحده فقط بل هو مسجد الأمة بكاملها، ولأن ذلك إحياء لشعيرة شد الرحال إليه وتمسك بحقهم فيه والذود عنه أمام المخاطر التي تتهدده والمؤامرات التي تحاك ضد هويته وبنيانه.

وأؤكد بطلان جميع إجراءات سلطات الاحتلال في المسجد الأقصى المبارك كما أكدتُ سابقاً بطلان إجراءاتها في الحرم الإبراهيمي الشريف، وتنافيها مع المبادئ والحريات والحقوق التي قررتها كافة الشرائع الإلهية والاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي تحرم ازدواجية العبادة  في مكان واحد لأكثر من دين، فالمسجد الأقصى المبارك بجميع مكوناته التي يضمها السور والبالغة مساحته (144) مائة وأربعة وأربعين دونماً هو مسجد خالص للمسلمين لا حق فيه لليهود تماماً كما الحرم الإبراهيمي بكل أجزائه ومكوناته.

وفي الوقت ذاته أحذر سلطات الاحتلال الإسرائيلية من اتخاذ أي قرار يمس قدسية وهوية المسجد الأقصى المبارك الإسلامية والسيادة عليه، ومن إجراءات تهويد مدينة القدس وطمس هويتها العربية والإسلامية وتنفيذ مخططاتها وبالأخص مخطط 2020 الرامي إلى تهجير أهلها قسراً وتزوير مشهدها التاريخي والحضاري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى