آراءمقالات

شارل دي فوكو، الضابط الماجن

أصبح مبشرا في الصحراء

Latest posts by د. زينب عبد العزيز (see all)

تحت هذا العنوان الفاضح نشر موقع «اليثيا» الفاتيكاني (بالفرنسية) خبر الإعلان قريبا عن إضفاء القداسة علي شارل دي فوكو، الضابط الماجن، الذي تحول إلى مبشر في الصحراء.. وفي واقع الأمر، كان من الأوقع أن يكون العنوان: “كيف يصنعون قديسيهم.. شارل دي فوكو نموذجا”، وهو ما كنت أعددته قبل أن أطالع مقال موقع الفاتيكان الذي كان من المفترض أن يُعلن أمس عن موعد إعلان القداسة رسميا.

شارل دي فوكو، الضابط الماجن
شارل دي فوكو، الضابط الماجن

وُلد شارل دي فوكو (Charles de Foucauld) في 15-9-1858 بمدينة ستراسبورج الفرنسية، وتوفي مقتولا في أول سبتمبر 1916 في مدينة تمنراست بالجزائر، حيث كان قد أنشأ ديرا صغيرا يمارس فيه تنصير الطوارق. ولقد بدأ ضابطا بسلاح الفرسان بالجيش الفرنسي، ثم كان مستكشفا ومنصرا وجغرافيا، ثم رجل دين كاثوليكي، ثم قسا، وناسكا، ومتخفيا تحت أسم وزيّ أحد الحاخامات، ثم عالم لغويات، وكل ذلك في مجال الخدمة الكنسية الچزويتية.. أي أنه من نفس فصيلة البابا فرانسيس في النشأة وفي التوجه التبشيري العتيد.. لذلك يجاهد الفاتيكان، لكن التاريخ «الماجن»، كما هو مكتوب، يبدو أكثر ضراوة.

وعندما كان دي فوكو في مدرسة سلاح الفرسان عاش حياة بذخ ماجنة بسبب أو بفضل ما ورثه عن والده. وهي ثروة تعادل مليونا يورو، يسمحان له بدخل شهري يوازي عشرة آلاف يورو، وفقا لما أورده المقال الفاتيكاني. وفي سن الثالثة والعشرين استقال ليستطلع المغرب متخفيا كيهودي. فاليهود منذ تم طردهم من اسبانيا في حرب الاسترداد، هم والمسلمين أساسا، نزحت أغلبيتهم العظمي إلى المغرب، حيث لا يزالوا يحتلون ـ ويا للعجب ـ مكانة بارزة التميّز في الدولة وفي كل شئونها..  وسمحت له جودة أعماله بالحصول على الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية، وشهرة ذاع صيتها بطباعة كتابه المعنون «التعرف على المغرب»، وذلك سنة 1888.

وبعد عودته إلى فرنسا، وعدة لقاءات كهنوتية، اكتشف أعماق العقيدة المسيحية وتم تعيينه عند اللاترانيين، وهي جماعة ممنوعة من الكلام، تعيش في صمت وتعبد.. ثم سافر إلى سوريا واتخذ رداء النساك. ثم انتقل إلي فلسطين. ومنها إلى مدينة ڤيڤييه سنة 1901، حيث تم تكليفه بمهام ليذهب للاستقرار في صحراء الجزائر وسط بني عبّاس، حيث راح يباشر مهامه التبشيرية. فتعلم لغة الطوارق وثقافتهم وألّف أول قاموس فرنسي ـ طوارقي.. ويا له من ناسك متعبد!

ومن كثرة هذه التنقلات الرسمية وغير المعلن عن هويتها، ندرك أنه كان يعمل قسا وجاسوسا منتحلا عدة جنسيات وديانات لتسهيل تسلله وسط القبائل والصحاري..

وفي أول ديسمبر 1916 تم اغتيال شارل دي فوكو على باب صومعته. وعلي الفور تم اعتباره شهيدا وكللت مهامه التبشيرية والاستطلاعية التجسسية بمؤلفات تؤكد استشهاده من أجل العقيدة، أهمها كتاب رنيه بازان سنة 1921. كما انتشر مذهبه المزدوج العملة، الناسك الجاسوس، ليُلهم العديد من النسّاك الذين ظهروا من بعده.

وسنة 1927 بدأت مراسم إعداده لطريق القداسة، لكن الإجراءات توقفت بسبب الحرب الفرنسية ضد الجزائر. وفي عام 2001 أضفي عليه البابا يوحنا بولس الثاني لقب “الجليل”، وفي 2005 أضفي عليه البابا بنديكت 16 لقب “طوباوي”، أي أن الكنيسة اعتبرته من الأبرار، وهي رتبة دون رتبة القديسين. وفي مايو 2020 اعتمد البابا فرنسيس إحدى المعجزات التي قام بها شارل دي فوكو ليفتح له باب الترقي إلى درجة قديس، التي سوف يُعلن تاريخها في الأيام القادمة.

ولو تأملنا مسيرة شارل دي فوكو، وقد تيتّم مبكرا، وانحرف أخلاقيا بكل ما بين يديه من مال، منذ مرحلة الشباب، لدرجة اضطراره إلى الاستقالة من مدرسة الفرسان من أجل إحدى فتيات الليل، التي كانت تقاسمه الحياة سرا حتى انكشف أمره واضطر إلى تقديم استقالته. ثم تم إرساله في مهمة رسمية إلى بلدة ستيف في الجزائر الفرنسية، واصطحب معه عشيقته رغم أنف قائده. فتم حبسه لسوء خلقه الفاضح، ثم تم رفته من الجيش لسوء خلقه.

وتمر الأيام في جولاته الاستطلاعية التجسسية، وعند سماعه بأن فيلقه في الجيش يحارب في تونس تقدم بطلب الالتحاق بالخدمة. فتم قبوله شريطة التخلي عن عشيقته لينضم لرفاقه الذين كانوا يحاربون في جنوب وهران بعد الثورة التي قادها الشيخ أبو إمامة ضد الغزاة الفرنسيين.

ثم استقر شارل دي فوكو في الجزائر في شهر مايو 1882، وراح يدرس اللغة العربية والإسلام واللغة العبرية. إذ كان قد التقي بالحاخام مردخاي آبي سرور، الذي طلب منه أن يكون مرشده ونصحه بتغيير اسمه وشكله كي يبدو يهوديا ولا يلتفت إليه أحدا في البلد المحرم على المسيحيين آنذاك. فتبني دي فوكو الزي اليهودي، وأطلق لحيته المزودة على الجانبين بضفيرتين نحيلتين، وسكن في الحيّ اليهودي متخذا اسم الحاخام يوسف آلمان (Joseph Aleman) سنة 1883، وادعي أنه من مولدافيا وأن الروس قد طردوه من هناك، فجاء إلي الجماعة اليهودية في المغرب طلبا في العون..

وعلي الرغم من محاولات الفاتيكان واصراره على إضفاء صفة القداسة ولقبها، على ذلك الجاسوس العميل المتعدد الملل والنحل، نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية يوم 2-7-2020، تحت عنوان واضح يقول: «إضفاء القداسة علي شارل دي فوكو يُعد إنكارٌ للتاريخ».. ونطالع تحت هذا العنوان الصارخ: وذلك، لأن عمل ناسك الهقار لا يمكن فصله عن غزو فرنسا الاستعماري للصحراء الجزائرية.. الأمر الذي سوف يعيد النقاش حول حقيقة عمل ذلك القس، الناسك، الجاسوس، الذي اتخذ من صحراء الجزائر مقرا له لمباشرة عمليات التجسس والتبشير والغرس الثقافي المسيحي واقتلاع الهوية الوطنية للسكان الأصليين، والمساهمة في فرض ضريبة لإخضاعهم، على حد تعبير الكومندان لابرّين.. كما ساهم الناسك دي فوكو في بعثات الترويض بتقديم العديد من المعلومات للعسكريين المحتلين لإخضاع الجزائريين.

ان خيانات شارل دي فوكو مسجلة في تاريخ صراع الجزائر للاستقلال، وفي وثائق الاحتلال الفرنسي، كما تؤكد استهتار البابا فرنسيس بذكرى الاستعمار الفرنسي للجزائر وكل ما عاناه الشعب الجزائري من تدعيمه للاستعمار الفرنسي وتجعل من ذلك الناسك قاتلا لشعب الجزائر وثقافته.

زينب عبد العزيز

4 مايو 2021

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى