الأمة الثقافية

سعيد الفلاق يكتب: “الإدانة والحنين في شعر عصام سامي”

 

 

يسجّل بعض النقاد والدارسين أن الشعر قد بدأ يخبو توهّجه، وينكمش خاصة بعد بروز الرواية التي وصفها بيير شارتييه بأنها “نوع عالميّ”.

 

والحق أن الشعر أيضا نوع عالمي، ومن الحيف أن يتم حشره في الزاوية، صحيح أن حضوره تراجع وأن قراء الشعر يتضاءلون، كما أن دور النشر تصدَف بوجهها ذات اليمين والشمال. لكن الشعر كان ولا يزال “بيت الكينونة” بتعديل مقولة هيدغر، بيت الإنسان ولغته الصافية. فضلا عن أنه ليس هناك أيّ تعارض – في العمق – بين السرد والشعر، كلاهما تعبير عن جوهر الإنسان وأحلامه الجريحة.

 

ويبدو أن ديوان “عندما تجدب المواسم” للشاعر عصام سامي ناجي يرتاد أفقا مغايرا، يجعل المتلقي منذ العنوان – باعتباره مناصا أو عتبة أولى تشكّل هوية النص – قادرا على اتّباع خطى الشاعر المرسومة بعناية. فالجدْبُ في اللغة القحط وهو ضد الخصب.

 

كما أننا أمام “مواسم” لا موسم واحد. عنوانٌ يشي بمظاهر الجفاف والخراب، عنوان يعزف وحده أنغاما حزينة وهو يستند إلى ظرف زمن مبهم “عندما”. وعندما هاته قريبة/ بعيدة. لكن المعنى الذي يريده العنوان يجعل عزفها وجرحها طويلا.

 

لم يكن رولان بارت مخطئا حين قال بأنه لا توجد “آلة لقراءة المعنى”، ذلك أنه لا يمكن ترجمة معاني النص على المستوى الإيحائي بشكل آلي، مما يجعل التحليل ليس عملية سهلة ولا جاهزة مسبقا، ولعل الأمر يزداد صعوبة أمام الشعر بصفته “انزياحا” كما يحدثنا جان كوهن في كتابه “بنية اللغة الشعرية”.

 

لهذا، فإن القارئ ملزم بمجهود إضافي، لأنه بجوار لغة تصرّح تارة وتُضمر تارة أخرى؛ لغة منسابة، لمّاحة، تقتصد في العبارة، وتترك خلفها بياضات للتأويل الخلاق.

 

ويمكن مقاربة هذا الديوان من خلال ما يلي:

 

1 – الاغتراب:

 

أ – غربة الشاعر:

يلاحظ أنه منذ بداية الديوان اختار الشاعر الهوامش، لأنه رفض ارتداء الأقنعة والسير خلف التابعين، وحتى حين أراد أن يخلّص الناس مما هم فيه رجموه وعاقبوه: “قلبي الذي قد/ جاء يوما بالبشارهْ/ رجموه بالحزن/ المصفّى والحجارهْ”.

 

ونقرأ أيضا: “هذي يدي/ لا شيء – في زمني – يبادلني التحايا/ حتى القصائد أنكرتني”.

 

واضح أن غربة الشاعر مزدوَجة؛ غربة في الأرض وأخرى في الكلمة. وكلاهما أغور جرحا، وأكثر إيلاما، فالكلمة سلاح الشاعر، والحياة زادُه.

إذ كيف يمكن تصوّر حال المرء إن فقد سلاحه وزاده؟

 

ب – غربة الوطن:

يأخذ الحديث عن الوطن حيزا واسعا، حيث يتماهى مع مفهوم الأمة والعروبة من خلال رصد واقع الأوطان العربية المفكّكة والثخينة بجروحها التاريخية من جهة، وبصراعاتها الوليدة مع كل ثورة تحرّر من جهة ثانية.

“وربيع عروبتنا الأبهى/ جعلوه خريفا ودمار”، غير أنه رغم هذا لا يفقد الشاعر الأمل في المستقبل “لكني أكتبُ كي تصحو/ يا وطني دوما وتثور”،

 

ويقول أيضا: “رغم التآمر/ والخيانةِ/ والدمارْ/ سيعود يا وطني النهارْ”.

إن الشاعر يحمل هَـمّ وطنه/ أمته ويرى أن الواقع العربي يستحق الإدانة.

 

لذلك، لا يخفي هواجسه من “الليل الآتي”، والليل ها هنا استعارة لكل ما يهدّد الأوطان من دسائس وخيانات.. “الليل سيأتي يا وطني/ ومعه آلاف الأشباحْ”.

 

 

2 – التناص:

 

تقرّ جوليا كريستيفا بأن “كل نص يبنى على شكل فسيفساء من الاستشهاد”، إذ يتشكل النص المفرد انطلاقا من هذا الحوار مع نصوص أخرى، مما يجعل من “كل نص امتصاص وتحويل لنص آخر”. ويقف قارئ الديوان على جملة من التناصات التي تشكّل البنية العميقة للقصيدة عند عصام سامي ناجي، يتماهى من خلالها مع مرجعيات عدة.

 

أ – التناص الديني:

ويحضر عبر التناص مع القَصص الديني، من ذلك التناص مع قصة النبي يوسف: “الجبّ يأبى تركه/ حين انتوت (سيارةٌ)/ أخذ النبي وبيعه/ يبتاعني زمن الخنا”. والتناص مع قصة النبي نوح مع سفينته: “كلماتك ليست ترياقا/ تبحث عن “نوحٍ” كي تنجو/ و”سفينٍ” يبدو في الآفاق/ البحر يحطّم مجدافكَ/ ويبعثر تلك الأوراق”.

 

ب – التناص الفلسفي:

وهو تناص مع مطرقة نيتشه المشهور بمحاربته للأوثان كيفما كان نوعها، يقول الشاعر: “من منا يحمل معولةْ/ ليحطّم تلك الأوثان”

 

ج- التناص التاريخي:

ويتمثل في حضور رموز تاريخية لها حمولات قوية، مثل: نيرون وهولاكو وليلى وقيس. يقول: “ويعود التاريخ بروما/ وبنيرون لكي يحرقها/ وبهولاكو في بغداد/ الليل أراه على أوراقي”.

 

صفوة القول، إن ديوان “عندما تجدب المواسم” إضافة نوعية للمشهد الشعري العربي، يقوده في هذا وعيه الشعري الجاد، ولغته الأصيلة البعيدة عن التكلف والتصنّع. فضلا عن انخراطه القوي في التعبير عن قضايا الشعوب وهمومها، وهي وظيفة “المثقف العضوي” المنحاز دوما إلى صوت المقهورين والمنبوذين، والشاعر عصام سامي ناجي واحد من هؤلاء الممسوسين بعطر الهوامش.

———————————-

الناقد سعيد الفلاق (المغرب)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى