أمة واحدةسلايدر

رمضان نيجيريا.. شهر البر وصلة الرحم (فيديو وصور)

في نيجيريا الإفطار على عصائر

◆ سمير حسين زعقوق

علاقة نيجيريا بالدين الإسلامي موغلة في القدم، وثابتة بالتواتر في كتب التاريخ، فقد ثبت أن الإسلام دخل نيجيريا في القرن الأول الهجري «السابع الميلادي» واتسع نفوذه وانتشاره، ومنذ ذلك الحين وحتى القرن الخامس عشر الميلادي قام ملوك الهوسا في كانو وكاتينا بجهود كبيرة لنشر الإسلام في المناطق المجاورة.

وقامت 13 ولاية نيجيرية من إجمالي 36 ولاية بتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الحدود الشرعية وهي الولايات التي يمثل المسلمون أغلبيتها، الأمر الذي أزعج النصارى ودفعهم للاعتقاد بأنهم هم المستهدفون من تطبيق الشريعة الإسلامية، وتزيد نسبة المسلمين في نيجيريا عن 75% من أصل تعداد السكان البالغ هذا العام 193 مليون نسمة، حسب إحصاء عام 2016، والنصارى يمثلون 20%، والوثنيون 5 %.

ولهذا هناك مساعي أمريكية لتهميش الأغلبية المسلمة في نيجيريا، وهي تحظى بدعم صهيوني كبير، إذ تعد مدن لاجوس دايوجا مراكز مهمة في غرب أفريقيا لنشر النفوذ الصهيوني، إذ توجد مقرات للمخابرات الصهيونية، التي تقف وراء المذابح والاقتتال الداخلي الذي حدث في مدينة كادونا التي قتل فيها أكثر من 400 نيجيري بين مسلم ونصراني بسبب النزعات الدينية والعرقية، كما أن الموساد يقف وراء إغراق المدن المسلمة في نيجيريا بالمجلات الجنسية وأشرطة الأفلام المنحلة والأنواع الرخيصة والرديئة من المخدرات بهدف إضعاف الأغلبية المسلمة، وإنهاء هيمنتها على الوضع السياسي في نيجيريا للأبد.

احتفالات الرؤية

مع ثبوت هلال رمضان يتجمع المسلمون في نيجيريا في احتفال حاشد وكبير يطوف شوارع المدن الرئيسة، يدقون الطبول ابتهاجًا بقدوم شهر الخير، شهر الصيام والقيام وشهر الجود والإحسان، ويعتمد المسلمون في نيجيريا في ثبوت شهر رمضان على رؤيتهم الخاصة لهلال رمضان، فهم لا يتبعون أو يقلدون أي دولة أخرى ثبت لديها شهر رمضان ما لم تثبت رؤية الهلال عندهم.

ويستقبل أهلها شهر رمضان المبارك استقبال ضيف عزيز فيتهيئون له ماديا وروحيا ويجهزون طلبات الشهر قبل حلوله حتى يصوموا نهاره ويقيموا ليله وهم في راحة بال.. ورمضان في نيجيريا هو شهر البر وصلة الرحم، فالكل يحرص فيه على زيارة أهله وأقاربه تقربا إلى الله تعالى واستكمالا لما يتطلبه الصيام من المسلم. ويشتري النيجيريون بداية رمضان الأواني الجديدة والمستلزمات الأخرى.

أشهر الأكلات الرمضانية في نيجيريا أكلة (العصيدة)

وقبل أذان المغرب بقليل تبدأ الأسر بتبادل وجبات الإفطار والأطباق النيجيرية ويحبون شراب الحوم أو الكوكو وهو مصنوع من الذرة ولونه أصفر ويضاف إليه السكر، وبعد الإفطار على هذا العصير يذهبون لصلاة المغرب ثم يعودون لتناول طعام الإفطار ويضم اللحم والرز والبطاطس.. ثم يشربون الشاي، وتنتشر في نيجيريا ظاهرة صيام الأطفال حتى الظهر من باب التدريب على الصيام.

 أشهر الأكلات

وهناك عادات وتقاليد متبعة في الأكل والإفطار بين النيجيريين في رمضان، فسكان مناطق جنوب نيجيريا عادة لا يفطرون خارج المنزل، والأكلات المفضلة عندهم في الإفطار هي “إيكومومو” وهى أكلة مصنوعة من الذرة المطحونة، ومعها “أولي لي” وهي مصنوعة من نبات اللوبيا أو “أكارا” وبجانب ذلك توجد الفواكه مثل الموز والبرتقال.

ويتميز الإفطار الجامعي عند أهل جنوب نيجيريا بأنه يقتصر على أفراد الأسرة الصغيرة أو الكبيرة فقط، ولكل فرد من الأسرة صحن أكل مستقل، حتى ولو كان طفلاً صغيراً، والطريف أنهم لا يستمتعون بإفطارهم إلا إذا أقيم أمام البيت.

ومن العادات الشائعة عند مسلمي نيجيريا أن تتناول الأسر المتجاورة وجبة الإفطار معًا؛ فتجمع الصواني والأواني من البيوت وتوضع في أماكن قريبة من المساجد، وبعد أن يؤدي الجميع صلاة المغرب جماعة، يجلس الرجال يتناولون طعام إفطارهم معًا، وأيضًا تجلس النساء معًا في المكان الذي خصص لهن لتناول طعام إفطارهن.

ومن أشهر الأكلات الرمضانية في نيجيريا أكلة (العصيدة) وهي أكلة تصنع مع اللحم وتعد من أفخر الأكلات التي تعد خلال هذا الشهر الكريم، وأيضًا هناك أكلة تسمى (الدويا) وهي تحضر من اللحم والأرز والقمح وإلى جانب هذه الأكلات الشهيات توجد سلطة الخضار، ويسمونها (أذنجي) مع  (اللوبيا).

صلاة الجماعة والتراويح
بعد الإفطار يذهب الرجال والنساء إلى المساجد لتأدية صلاة العشاء والتراويح

وبعد الإفطار يذهب الرجال والنساء إلى المساجد لتأدية صلاة العشاء والتراويح، ولسماع دروس الوعظ، ويعودون إلى منازلهم حوالي منتصف الليل، ومن العادات عند مسلمي نيجيريا في صلاة التراويح تخصيص كل ليلة من ليالي رمضان بصلوات خاصة، وأذكار معينة، إضافة إلى الاجتماع لقراءة أذكار فضائل كل ليلة من ليالي الشهر المبارك، ويعظم المسلمون النيجيريون ليلة القدر، وهم يميلون إلى الاعتقاد بأنها ليلة السابع والعشرين من رمضان.

المسحراتية

وتتولى السحور في نيجيريا جماعات تسمى “فرق الإيقاظ” التي تكونها مجموعات شبابية تجول المنازل وبيوت المعارف لإشعارهم بدخول وقت تناول السحور، وهم يضربون الطبول والمعازف.

ويبدأ السحور في ساعة متأخرة من الليل، ومن الأكلات المشهورة في وجبة السحور (التو) وهي عبارة عن صلصة الأرز والخضار، و(العصيدة) ثم اللبن والشاي، وفي السحور يتناول النيجيريون الأطباق المحتوية على البقول مضافا إليها المرق واللحم، كذلك يتناولون الأسماك ويشربون العصير، ووجبة السحور اسمها “ساري” وهي كلمة مشتقة من العربية بينما تسمى وجبة الإفطار “استيو”.

رمضان الوحدة الوطنية

يستغل النصارى في نيجيريا قدوم رمضان لرفع شعار الوحدة الوطنية، وذلك لوقف المواجهات التي قد تنشب بين المسلمين والنصارى في عدد من الولايات في البلاد.

وقد جاء في أحد البيانات المسيحية الموجهة للمسلمين في رمضان : “بما أن رمضان يعلم المسلمين الفضائل والصبر والتحمل، فإننا نريد أن نرى تأثير ذلك على سلوكيات إخواننا المسلمين في التعامل، عن طريق التعايش السلمي بين جميع أصحاب الديانات الموجودة داخل الدولة الفيدرالية، والشيء نفسه نطالب به المسيحيين وغيرهم”.

ورغم المناوشات التي تحدث بين المسلمين والنصارى إلا أن إتحاد الأساقفة النيجيري يرفض محاولات إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام أو أي دين سماوي، مؤكدًا أن تعاليم الإسلام ومبادئه “السمحة” دائمًا تدعو إلى السلام، ودائما ما يطمئن علماء الدين الإسلامي الأوساط المسيحية الخائفين من تطبيق الشريعة، أن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لا يشكل خطرًا عليهم، بل يعد مصدر أمن ومظلة استقرار، ويؤكد علماء المسلمين في نيجيريا أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام، مستلهمين قول الله تعالى ” لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، و”لَكُمْ دِنِكُمْ، وَلِيَ دِين”

ويستغل علماء الدين المسلمين شهر رمضان بنيجيريا في إلقاء الدروس التي تحض على التعايش بين المسلمين وغيرهم، ويتم ذلك في كل مساجد نيجيريا، وقد أصبحت مسألة المعاملة بين المسلم مع غير المسلمين محورًا رئيسيًا لأحاديث ودروس عدد من كبار العلماء في رمضان.

أسرة نيجيرية تدعو الله قبيل الإفطار
موائد الرحمن للمسلمين والنصارى

وتشهد قصور الأمراء في كل من مدن “كانو”، و”كاتشنا”، و”زاريا”، و”غسو”، و”إلورن”، التركيز على قضايا، مثل: “معاملة غير المسلم في ظل الحكم بالشريعة”.

وعلى نفس الصعيد، تشهد عواصم عدد من الولايات في رمضان مظاهر تلاحم وتصالح وتقارب بين المسلمين والمسيحيين، بإقامة حفلات إفطار بقصور حكام الولايات يحضرها علماء ورجال الدين الإسلامي والمسيحي.

وفي مناطق جنوب البلاد يحضر موائد الإفطار الأسرية أفراد مسيحيون؛ للتعبير عن تضامن وتماسك الأسرة رغم اختلاف ديانات أفرادها.

جلسات التفسير

تحتل الدروس الرمضانية مقدمة تلك المناشط التي تحفل بها الساحة النيجيرية، حيث تعم مجالسها أرجاء البلاد، وتختلف مسمياتها، فهناك من يسميها “جلسات التفسير”؛ لأنها مخصصة لتفسير معاني القرآن الكريم باللغة الوطنية، ويسميها آخرون جلسة المواعظ، إلا أن التسمية الأولى أكثر تداولاً وانتشارًا، وتُعقد تلك الدروس في أوقات الصباح والظهيرة وبعد العصر، وأيضًا بعد أداء صلاة التراويح بالليل، وتشهد الدروس التي تعقد بعد العصر حضورًا مكثفًا من الجماهير لمناسبتها للعمال والموظفين وطلاب المدارس والجامعات إضافة لقربها من وقت الإفطار، وتقام “جلسات التفسير” في قصور الأمراء، مثل “جلسات تفسير قصر الأمير غامبري” الشهير في مدينة إلورن، والقصر الأميري بمدينة كانو، وجلسات تفسير سمو سلطان صوكوتو أمير المسلمين، وإقامتها في قصور الأمراء تخص المدن التي لها طابع إسلامي قديم.

ومنها ما يقام في الجوامع الكبيرة والمساجد العامة، وهذا النوع منتشر في كل البلاد والمدن النيجيرية تقريبًا، ويأخذ هذا النوع طابعًا رسميًّا؛ لأن الإشراف والإعداد له يكون من قبل أمير البلد أو الحاكم؛ ولذا يغلب على الخطاب الدعوي في هذين النوعين من جلسات التفسير مساندة تدعيم السلطة أو الحاكم.

كما تعقد في الأماكن العامة كالأسواق وأماكن الملتقيات والمنتديات لعموم الشعب، في الميادين والساحات الشعبية، وغالبًا ما يتبع هذا النوع الجمعيات والمنظمات الإسلامية الأهلية كجمعية أنصار الدين، وإصلاح الدين الإسلامي وأنوار الإسلام، كما يخصص العلماء وكبار المشايخ وبعض طلبة العلم ساحة منازلهم لعقد جلسات التفسير، ويتصدى للدروس في تلك الجلسات نوعان من العلماء:

الأول: الإمام الكبير للبلد.

والثاني: العالم المفسر للقرآن كما يطلق عليه في العرف التقليدي، حيث هناك منصب بهذا المسمى ضمن سلم المناصب التي يجب أن يمر بها الإمام الكبير قبل توليه منصب الإمامة.

أجواء رمضانية خاصة في نيجيريا

تستهدف هذه الجلسات مدارسة كتاب الله تلاوة وتدبرًا، ومنذ قرون واصل علماء نيجيريا تعهدهم باعتماد كتاب “تفسير الجلالين”، ونادرًا ما يخرج العلماء عن هذا الكتاب إلا في أوساط الدعاة الشبان الجدد.

وأيضا يقوم مديرو المدارس العربية الإسلامية بدور في ترشيد وتوجيه النشاط الدعوي الرمضاني ممثلاً في إحياء حركة علمية ثقافية بين العلماء وطلبة العلم.

قارئ النص

ومن الأمور التي تستحوذ على اهتمام المسلمين والجماهير بشكل عام ويحرصون على متابعته في تلك الجلسات ظاهرة “قارئ النص” التي أضفت الجاذبية على تلك الدروس، وأصبحت ملمحًا مميزًا من ملامح شهر رمضان الكريم، وتتلخص ظاهرة “قارئ النص” في استعانة العالم المفسر للقرآن بواحد أو بعدد من الأشخاص الذين يمتازون بحلاوة الصوت وحسن الأداء لتلاوة الآيات التي يفسرها على نغم معين، ومن الطريف أن البعض يخصص أكثر من ثلث وقت الدروس لقارئ النصوص القرآنية كخطوة ممهدة ومحاولة لجذب الانتباه نحوه قبل بدء الدرس، كما أن الكثير من الناس يتنقلون بين جلسة تفسير وأخرى ليتتبعوا الأصوات الجميلة والأنغام المتنوعة لقراء النصوص القرآنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى