أمة واحدةسلايدر

رمضان كان سلاح المقاومة في الجزائر

إفطار جماعي في الجزائر العاصمة

◆ سمير حسين زعقوق

كان رمضان في بلد المليون شهيد هو سلاح المقاومة ولم يكن شعيرة دينية فقط يعتز بها الجزائريون بوصفهم مسلمين، أما الآن فقد اختفت بهجة رمضان؛ بسبب غلاء الأسعار والأنانية، وانتشار عصابات السرقة في الشهر الكريم، وهي ناتجة عن أزمة الأخلاق التي جعلت رمضان يمر حزينا في الجزائر على حد تعبير الجزائريين أنفسهم، ورغم هذا إلا أن الجزائريين يبدءون استعدادهم لاستقبال شهر رمضان بنتظف المساجد، وفرشها بالسجاد، وتزينيها بالأضواء المتعددة الألوان؛ كما تبدو مظاهر هذا الاستعداد بتنظيف البيوت وتزينيها، إضافة إلى تحضير بعض أنواع الأطعمة الخاصة برمضان كـ ” الشوربة ” وبعض أنواع الحلوى الرمضانية؛ ويتم فتح محلات خاصة لبيع الحلويات الرمضانية كـ ” الزلابية “.

وتذيع الإذاعات ( المسموعة والمرئية ) خبر رؤية هلال رمضان، وأحيانًا يقوم إمام المسجد بإبلاغ الناس بدخول الشهر الكريم، حيث يتلقى الخبر أولاً ثم يذيعه على الناس، ومن ثم يبدأ الجمع بقراءة القرآن الكريم، أو إذاعة آيات منه عبر مكبرات الصوت، ويتبع ذلك إلقاء بعض الدروس الدينية المتعلقة بهذه المناسبة، ويرافق ذلك إلقاء الأناشيد الدينية، أو ما يسمى بالتواشيح.

مع الإعلان عن بدء الشهر الكريم تعلو الفرحة والسرور وجوه الجميع، ويهنّئ الجميع بعضهم البعض بقدوم الشهر المبارك، متمنين لبعضهم البعض كل الخير وحسن القبول.

الإعلان عن موعد الإفطار

اتساع رقعة دولة الجزائر، والتباعد بين أطرافها جعل الإعلام بوقت المغرب يتخذ أشكالاً متعددة؛ إذ لم يعد يكفي الأذان من فوق منارات المساجد، لإعلام الناس بدخول وقت المغرب، بل لجأ الناس إلى وسيلة إضافية للإعلام بدخول وقت الإفطار، وذلك بالنفخ في بوق في اتجاه التجمعات السكانية في الوديان والقرى، وإذا صادف وجود مبني قديم مرتفع فإن بعضهم يصعد إلى ظهر ذلك المبنى، ويؤذن من فوقه ليصل صوته إلى أسماع الصائمين، وفي القرى النائية والبعيدة، يتابع الصائمون قرص الشمس ساعة المغيب ليتحروا وقت المغرب، ويُعلموا ذويهم بدخول وقت الإفطار؛ بل إن الكثير من أهل الجزائر يلجأ إلى الاعتماد على الرؤية البصرية لغروب الشمس، كما يعمد آخرون إلى استخدام آلة تحدث صوتًا تشبه النفير يوم الزحف، واسمها (لاسيران) والكلمة فرنسية الأصل.

ومن الوسائل المستخدمة للإعلام بدخول وقت المغرب – علاوة على ما تقدم – إضاءة مصابيح خضراء فوق المنارات عند الغروب، إيذانًا بدخول وقت الإفطار.

وطوال أيام الشهر المبارك تتم إذاعة القرآن الكريم عبر مكبرات الصوت في المساجد قبل المغرب بنصف ساعة، والجزائريون غالبًا يفضلون صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله.

والجزائري يفضل أن يقضي وقتا طويلاً في المسجد فهو يبقى هناك من صلاة العصر حتى صلاة المغرب ويفطر في المسجد على التمر والماء ثم يذهب إلي المنزل لتناول إفطاره ليعود ثانية إلي المسجد لتأدية صلاة العشاء والنوافل وسماع القرآن والتفسير والمدائح النبوية.

https://www.youtube.com/watch?v=an3-sJZeAZ4

أشهر المأكولات

أما الإفطار، فيبدأ عند أهل الجزائر بالتمر والحليب، إما مخلوطان معًا (أي التمر في الحليب) أو كل منهما على حدة، ويتبعون ذلك تناول “الحريرة” وهي من دقيق الشعير، وهي منتشرة بين شرق الجزائر ومغربها.

الوجبة الرئيسة والأساس في كل البيوت تتكون من الخضار واللحم؛ أي نوع من الخضار يمزج بمرق اللحم المحتوى على قطع اللحم، وغالبا يطحن الخضار أو يهرس بعد نضجه لتؤكل مخلوطة مع بعض مثل : جزر مع البطاطس مع الطماطم. وهذه الوجبة الأساسية لا يتم تناولها إلا بعد صلاة العشاء والتراويح، ثم تُتبع بشرب الشاي أو القهوة التركية.

طعام آخر يتناولونه الجزائريون في هذا الشهر وهو ” الشوربة بالمعكرونة ” وهي معكرونة رقيقة جدًا يضاف إليها اللحم والخضر، وتقدم لمن حضر، وهي طعام غالب الناس وأوسطهم معيشة، وإلى جانب هذه الأكلة توجد السَّلَطات بأنواعها.

ومن عناصر المائدة الجزائرية، طبق “البربوشة” ـ وهو الكسكسي بدون المرق -، ومن الأكلات المحبّبة هناك “الشخشوخة”، وهي الثريد الذي يكون مخلوطا مع المرق واللحم، يُضاف إلى ذلك طبق ” الرشتة ” وهو الخبز الذي يكون في البيوت، يُقطّع قطعاً رقيقة، ويُضاف إليه المرق، ولا ننسى الكسكسي بالبيسار – المرق بالفول المفروم ـ و البريوش ـ وهو الخبز الطري المتشبّع بالسمن، وأهل العاصمة يسمّونه “اسكوبيدو” – ويؤكل مع الحليب والزبد وغيرهما.

ومن المأكولات الشائعة عند أهل الجزائر (الطاجين) وتقدم في أيام مختلفة من شهر رمضان، لكن لابد من تواجدها في اليوم الأول من رمضان على مائدة الإفطار. ومن لم يفعل ذلك فكأنه لم يُفطر!!! وتصنع من (البرقوق) المجفف، أو (الزبيب) مع ( اللوز) و(لحم الغنم) أو (الدجاج) ويضاف إليهما قليل من السكر، ويكون مرقة ثخينًا، في كثافة العسل.

بعد تناول طعام الإفطار، يأتي دور تناول الحلوى؛ وأشهرها حضورًا وقبولاً في هذه الشهر حلوى (قلب اللوز) وهي على شكل مثلث، تصنع من الدقيق المخلوط بمسحوق اللوز أو الفول السوداني، ومسحوق الكاكاو، ويعجن هذا الخليط بزيت الزيتون، وبعد تقطيعه وتقسميه على شكل مثلثات، توضع على سطحه حبات اللوز، ثم توضع في الفرن حتى تنضج، وبعد أن تبرد تغمس في العسل.

ومن أنواع الحلوى، “المقروط” -وينطقونها أيضا “المقروظ ” وهو الأشهر- وهو السميد الذي يكون فيه التمر، وكذلك “الزلابية” حلوى لذيذة تقدم في كل بيت، وفي كل يوم، ولها أنواع متعددة لا يمكن إدراك حقيقتها بالوصف، لكن بالأكل!!.

وبالنسبة إلى طعام السحور، يتناول أهل الجزائر طعام “المسفوف” مع الزبيب واللبن؛ و”المسفوف” هو الكسكسي المجفف، وهذا النوع من الطعام أصبح عادة لكل الجزائريين في سحورهم.

بدأ الجميع في تناول وجبة الإفطار في المسجد
موائد الهلال

وتنتشر موائد إفطار صيام رمضان في كافة أرجاء الجزائر، تستوعب الواحدة منها ما يتراوح بين مائة ومائة وخمسين شخصاً يسعى من خلالها المنظمين لتأصيل قيم التسامح، وترسيخ الصور الجوهرية للإسلام الداعية للتضامن، ودعم مبادئه المشرقة أمام العالم والتي تنبذ كل مظاهر العنف والإرهاب، وتشتمل موائد الإفطار الجماعية على وجبات غذائية كاملة خاضعة لمعايير صحية ومراقبة طبية دائمة يقوم بالإشراف عليها عدد من شباب.

ومن أبرز الموائد التي تغطي كافة القطر “مائدة الهلال” التي اعتاد الهلال الأحمر الجزائري تنظيمها مع حلول شهر رمضان من كل سنة للفقراء وعابري السبيل، وقد تم توزيع 3 ملايين وجبة ساخنة في رمضان من العام الماضي 1427هـ.

وتضمن برنامج العام الماضي توزيع ما لا يقل عن 950 ألف وجبة ساخنة مباشرة في المطاعم التي يشرف عليها الهلال والبالغ عددها 240 في كافة أنحاء البلاد، كما خصص الهلال وجبات ساخنة محمولة للمعوزين والعائلات الفقيرة وصل عددها إلى مليون و900 ألف وجبة تُحمل إلى المنازل.

توزيع وجبات الإفطار على الصائمين
مطاعم الرحمة

وموازاة لمائدة الهلال، هبّ مواطنون، وسلطات محلية، وشركات مقاولات، ومنظمات، وجمعيات خيرية، ومحسنين – في أهم المدن في البلاد بفتح مطاعم أطلق عليها اسم “مطاعم القلب” أو “مطاعم الرحمة”، بقصد مساعدة الناس الذين أنهكهم التضخم المتزايد وما نتج عن ذلك من ضعف في القدرة الشرائية. وحتى الناس من ذوي الدخل المتوسط الذين يعانون من تزايد ملحوظ في أسعار الخضر والفواكه.

وتأتي الكشافة الإسلامية الجزائرية في مقدمة المنظمات التي ترافق فئة المحتاجين خلال شهر رمضان ضمن عمل تقليدي تعودت على القيام به كل سنة وذلك من خلال فتح مطاعم الرحمة في جميع الأحياء، وقد بدأت مساعدة فئات محددة من المجتمع كالمعاقين وأطفال عائلات المفقودين خلال المأساة الوطنية وأطفال ضحايا الإرهاب وفئة الأحداث والأطفال المرضى بداء الإيدز، وتأتي جمعية الإرشاد والإصلاح في مقدمة الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي التي بادرت إلى فتح ما يربو عن 33 مطعما بطاقة 10 آلاف وجبة يوميا في معظم المدن الكبرى كالعاصمة، ومدن وهران، وعنابة، وباتنة، وقسنطينة، بالإضافة إلى توزيع 18 ألف و700 وجبة يوميا .

ويقبل الناس على المساجد بكثرة لأداء صلاة التراويح، حيث يصلونها ثمان ركعات، وأحيانًا عشر ركعات؛ يقرأ الإمام فيها جزءاً كاملاً من القرآن الكريم، أو جزءاً ونصف جزء، ويتم ختم المصحف عادة ليلة السابع والعشرين. وفي الليالي التالية يبدؤون بالقراءة في صلاة التراويح من أول المصحف.

الجزائريون يعوّدون أطفالهم على تقديم المساعدات للفقراء في رمضان
قفة رمضان

القفة في ثقافة المصري هي وعاء مصنوع من الخوص ولها ودنان، وهناك مثل دارج نصه ” القفة التي لها ودنان يحملها اثنان”، وقفة رمضان في الجزائر هي المرادف لشنطة رمضان في مصر، وهي الوعاء الذي يُوضع فيه السلع الخاصة برمضان لتوزيعها على المحتاجين، وهي تعتبر الميزة الأساسية لعملية التضامن، التي دأبت وزارة التشغيل والتضامن الجزائري على تنظيمها كل سنة منذ 1999، وقد سخرت الوزارة لها إمكانيات كبيرة بقصد توفير المواد الضرورية للعائلات المعوزة لتحضير إفطارها، وانتهجت لا مركزية مناطق توزيع المساعدات بغرض تجنب الوسطاء الذين يعيقون وصول المساعدات كاملة لأصحابها بل تصلهم دائما ناقصة جدا.

ولدعم الأشخاص والعائلات المعوزة قررت وزارة الشؤون الدينية توزيع الزكاة المحصلة (زكاة المحاصيل والأنعام) في فصل الصيف خلال شهر رمضان المعظم.

حسنة رمضان

تبدو مظاهر السرور والابتهاج بمقدم شهر رمضان لدى الأطفال في الشوارع، وإنما يحتفلون بشهر تكثر فيه الحلوى وتقل فيه الشكوى، وتجود به الأيدي بالنقود والعطايا والهبات، حيث يتحلق الأطفال في الشوارع والساحات العامة، ممسكين أيادي بعضهم يؤدون رقصة شعبية، رافعين أصواتهم بأناشيد ترحب بقدوم الشهر الحبيب؛ كما يرددون بعض الأهازيج التي تتوعد المفرّطين، مثل: ” يا واكل رمضان يا محروق العظام “. ويسمح للأولاد – على غير المعتاد – بالخروج ليلاً في رمضان، والبقاء خارج المنزل حتى وقت متأخر لمزاولة احتفالاتهم وألعابهم وأناشيدهم، وهم في غير رمضان لا يسمح لهم بالخروج من منازلهم بعد المغرب.

وكحرص على تكريس هذا الشهر في وجدان الأطفال كنوع من التمييز والتحدي يتم تعويد الأطفال على الصيام خلال هذا الشهر ليوم أو يومين حسب قدرته الصحية… ويسمى صيام الطفل (حسنة رمضان).

القعدة.. والبوقالات

رمضان ولياليه في الجزائر فرصة لا تعوض لاجتماع العائلة التي غالبا ما ‏يكون أفرادها مشغولين بأمورهم الخاصة، حيث يلتقي أفراد العائلة في سهرات تجمعهم كل ليلة، وتسمى السهرات في الجزائر خصوصا في شهر رمضان بـ(القعدة) ولها نكهة خاصة فعلاوة على صينية الشاي والقهوة والحلويات تتخللها تجاذب أطراف الحديث وقول (البوقالات) أو (الفال) وهي حكم ومأثورات شعبية تتداول قولها النساء وتحمل في ‏طياتها نظرة تفاؤلية وتنويها بشخص معي، وقول البوقالات عادة مرتبطة دائما بشهر رمضان تشتهر بها العاصمة والمدن المجاورة لها، لذا فهي ‏‏تزين السهرة وتعطيها نكهة طيبة تميزها عن سهرات أيام السنة الأخرى، ويُعد رمضان فرصة لتستعيد الأسرة الجزائرية حرارة العلاقات الودية بين أفرادها، وللمحافظة على العادات والتقاليد الأصيلة، التي يدعمها ديننا الحنيف.

يتابع الجزائريون الدروس أثناء صلاة التراويح
إقبال واسع على المساجد

وتشهد مساجد مدينة مختلف ولايات البلاد إقبالا منقطع النظير في شهر رمضان الكريم على أداء صلاة التراويح، والاستماع إلى الدروس الفقهية. وتفيض المساجد بروادها، رجالا ونساء وشبانا وأطفالا، حتى يضطر كثير من المصلين إلى الصلاة في الساحات العامة والشوارع القريبة من المساجد.

ومن الظواهر التي يشهدها الشارع الجزائري في ليالي رمضان الإقبال الكبير للشبان والفتيات على المساجد. حيث أصبح مألوفا أن ترى بعد انتهاء الصلاة جموعا من الشباب والفتيات المحجبات يعودون إلى منازلهم في كل الأحياء والضواحي، حتى الأطفال ورغم ظروف الدراسة وفترات الامتحانات تراهم شديدو الحرص على الصلوات في رمضان.

صلاة التراويح

وتدب الحركة في شوارع الجزائر خارج البيوت والمساجد في النصف الثاني من رمضان، وتتميز بحركية مميزة واستثنائية، استعدادا للاحتفال بعيد الفطر. كما تنشط المحلات التجارية والأسواق إلى ساعات متأخرة من الليل، في مشهد كرنفالي يجمع بين التجارة والترفيه والسهر. وتحرص العائلات الجزائرية على شراء لباس جديد لأفرادها، وخاصة للأطفال الصغار بمناسبة العيد، فهو عيد الأطفال بالدرجة الأولى، كما يعتقد الكثير من الجزائريين.

…….

الصور مأخوذة من وثائقي الجزيرة  – رمضان في الجزائر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى