مقالات

رمضان.. عطرٌ من زمنِ الأحِـبّـة

Latest posts by يسري الخطيب (see all)

بقلم: يسري الخطيب

تمرُّ الأيامُ سريعًا.. وتتساقط أوراق العمر، وتنفلت من بين أيدينا حتى كدنا لا نعرف برحيل العام إلا مع إطلالة رمضان.. فتهفّ علينا النسمات.. وترفرف الروحانيات.. ونحن نقفز من فوق أسوار الزمن الصعب ونرتمي في أحضان العبادات.. ونغتسل من عبيرها الفوّاح.. فتهتف قلوبنا بملء فيها (ليت العام كلّه رمضان) ..

 حقًا .. ليت العام كله رمضان.. ففي هذا العُرس الإسلامي الكبير فرصة لنا (نحن المسلمين) لنعيد قراءة التاريخ..

 نستلهم من بين ثناياه العِبرة والدرس بعد أن أصبحنا عبئًا ثقيلًا على تاريخنا الإسلامي العظيم.. فقد كان (الرجال) يلعبون دور البطولة المطلقة على مسرح الأحداث العالمي.. وها هُم الأحفاد .. عالم ثالث في مسرح ليس به عالمٍ ثانٍ.

 يأخذني شذى شهر القرآن فيمتلك كل جوارحي .. يهدهد المشاعر.. يغازل الأحاسيس ويسافر بي إلى الماضي الجميل.. أدلف في صفحاته الرائعة.. أفقد ذاكرة الحاضر.. ولا أرى إلا ما أُحِبُّ أن أراه..

 انتبهتُ على “أبي سفيان” وهو يفرك بين يديه (بعرة) فرس ثم يصيح في القافلة: إنها علائف يثرب.. لم أفهم .. عدتُ إلى “عبدالحميد جودة السحار” أسأله فقال: إنها إرهاصات غزوة بدر.. وهذا (البعر) لأحد الفرسين الذين أرسلهما النبي – صلى الله عليه وسلم – ليرقبا قافلة أبي سفيان.. وعندما مرَّ هذا الرجل الداهية ولمح هذا (البعر) الأخضر فركه في يده وعرف من نسيجه أنها علائف يثرب المميزة، والتي كان يسيطر عليها المسلمون.. ولذلك غيّر مجرى القافلة….. ابتسمت..

 كاد الشاعر أن يستيقظ داخلي ويردني إلى حاضري، وأنا بين أوراق غزوة الأحزاب…

و”عبدالله بن رواحة” يترنم بصوته العذب :

 اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدّقنا ولا صلينا

فأنزلَنْ سكينةً علينا

وثَبِّت الأقدام إن لاقينا

إن الذين قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبيْنا

 .. المسلمون يحطمون أصنام قريش.. اذهبوا فأنتم الطلقاء.. إنه فتح مكة إذن.. وهذا أبو سفيان وعكرمة وخالد بن الوليد، تقدّمتُ لـ… لكني وجدتُ العام التاسع للهجرة يناديني لأدخل مدينة (تبوك) وأرى المسلمين والروم على حدود الشام .. والروم يفرون من الرعب.. أحسست بالزهو وكاد الغرور يتسلل إلى داخلي.. حتى لمحت “سعد بن أبي وقاص” مريضًا يقودُ معركةً تذكرتُ أنها (القادسية) وأنني في العام 15 هجرية..

 نعم إنها أطول حرب في التاريخ القديم استمرت ثلاثة أيام بلياليها.. في وقتٍ كانت الحروب تتوقف فيه مع حلول الظلام .. إنها نهاية الفُرْس يا خالي سعد كما كان يناديك الحبيب محمد عليه أفضل الصلاة والسلام..

 هنا شعرت ببرودةٍ شديدة ، وقبل أن أسأل قيل لي إنه عام 92 هجرية .. طارق .. يا أندلس.. أتريدين أن تعيديني إلى الحزن؟ لماذا كُسِرت القاعدة ؟ ما دَخَل الإسلامُ أرضًا إلا واستمر فيها.. إلا الأندلس.. فيرد (أناتول فرانس) إن يوم خروجكم من الأندلس هو أسوأ يومٍ في تاريخ البشرية.. شكرته.. وأنا أترنح من ألم الفراق الأندلسي.. لكن صلاح الدين الأيوبي يصرخ في وجهي (كُن رجلاً) إننا في عام 583 هجرية .. يوم حطين ..

 فتذكرتُ القدس… وشردتُ بفكري حتى كادت أن تدهمني أقدام الخيول ..

لا أعرف أين أنا ؟ فاجأني بقوله: أنا العز بن عبدالسلام.. إننا في عام 658 هجرية …

 هذا قطز.. وهؤلاء المماليك المُفترى عليهم في تاريخنا المكتوب يسطرون في (عين جالوت) أعظم الانتصارات وينهون أسطورة المغول ــ وليس التتار ــ كما تقول المسلسلات التليفزيونية البلهاء – …

 مَن؟ لا أكاد أصدّق.. نعم نعم .. هذا “محمد الفاتح”.. إنها القسطنطينية التي بشَّر الرسول الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – بفتحها: ((لتفتحُنَّ القسطنطينية، فلنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش))؛ روه الإمام أحمد في مسنده، من ذا الذي فتحها غير السلطان “محمد الفاتح” – رحمه الله – الذي وضع خُطَّة غاية في دهاء التدبير، وروعة في الإعداد العسكري ودقة التنفيذ؟! يوم حمل السفن برًّا على جذوع الشجر، ثم دحرجها وأنزلها إلى البحر خلف البيزنطيين من حيث لا يتوقعون، مما أدى إلى دحر أسطولهم وهزيمتهم، وفتح القسطنطينية التي أصبحت فيما بعد عاصمة الخلافة، وحملت اسم “إسلامبول” أو “إستانبول”؛ أي: مدينة السلام…

 محمد الفاتح (21 عاما)… قتلته الخيانة، فقد وُضِع له “السم” في طعامه، حتى لا ينفّذ ويحقق بشارة النبي، وحلمه الثاني، “فتح روما”…آه من الخيانة وتاريخ الخيانة في بلادنا..

 وبينما أنا في أرض (القسطنطينية) يناديني الفريق (سعد الدين الشاذلي) : هيا معي إلى سيناء.. امتطيتُ خيالي إلى أرض الفيروز.. الله أكبر .. تهزّ الجغرافيا وتأخذ بحبات القلوب.. الأمر جلل .. إنها حرب رمضان 1973 التي أوشكت أن تكون حربا تاريخية، ولكن أفسدتها السياسة.. قاتل الله السياسة التي تفسد أفراحنا دائما,,,

 عُدتُ إلى خيالي البراقي لأمتطيه .. أسبح في الرمضانيات وأحلّق فوق أيام العزّة والانتصارات في الشهر الكريم.. أُلمْلِم مشاعري.. غارقًا في بحر الماضي الجميل.. متسربلاً ومعي قلمي.. وكأنني “المؤرّخ المقريزي” ممتطيًا جواد التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى