أقلام حرة

رضا بودراع يكتب: هزيمة الغرب المدوية في أفغانستان

Latest posts by رضا بودراع (see all)

إن هزيمة الغرب المدوية في أفغانستان أسالت حبرًا كثيرًا وربما سيسيل لعقود طويلة في محاولة للسياسيين والمفكرين والعسكريين فهم ما حدث واستشراف تداعياته الممتدة.

غير أن التباين الشديد ببن تحليل نخب الشعوب المهزومة وبين مراكز تفكير قوى الاحتلال الغربي المنهزمة في بلاد ما وراء النهر يدعو للدهشة و الاستهجان.

ففي الوقت الذي تتكلم قوى الغرب والشرق أن هزيمتهم في أفغانستان منعطف تاريخي ستتحرك معه الجغرافيا السياسية و يعيد صياغة العالم

 نجد العقول المهزومة والنخب المستضعفة تتكلم عن العبقرية الأمريكية في الانسحابات التكتيكية لخلق عوائق أمام قوى صينية وروسية!

وفي مشهد مثير للشفقة والتقزز معا رأينا بعض المراجع الدينية ترفع عصا التقريع لطالبان محذرة إياها من الفشل في إدارة بلدهم بعد تحريره!

متناسين تماما ذهول العالم الواعي أمام شهود معجزة عسكرية تضاهي معركة عين جالوت ضد التتر والثورة الجزائرية ضد الإمبراطورية الفرنسية.

أقول بعد هذه المقدمة، إنني حتما لن أحاول بيان الحدث عن آية انشقاق القمر فلن تكون ردة الفعل إلا أنه سحر مستمر!

ولكني في هذا المقام أريد أولا التذكير بآيات الله وأن الله أمرنا أن نفرح بنصره.

رغم ما قد يعقبه من قلاقل وفتن لم يسلم منها الصحابة، رضوان الله عليهم، أنفسهم.

ثانيا لا يمكن إغفال القراءة التاريخية التي عاشها هذا الجيل مرتين على الأقل في نصف القرن الماضي فقط.

فالأحداث الكبرى التي غيرت وجه العالم السياسي، تجعل من السهل جدا التنبؤ بالتغيرات الكبرى التي نحن على أبوابها وستفاجئنا في أي لحظة

فانكسار الاتحاد السوفييتي في أفغانستان أعقبه سقوط جدار برلين في1991، وانتهاء فترة الثنائية القطبية أفرزت توازنات قوى جديدة شكلت عالمنا السياسي أحادي القطب

واهتزت دول عظمى بسبب هذه التغيرات

 رغم أن الأفغان دخلوا بعدها في حرب الأحزاب لسبع سنوات ثم قدوم طالبان واستلامها الحكم

 وكذلك سيكون للانكسار الأمريكي وحلفها الغربي والدولي في أفغانستان

تداعيات اخطر بكثير مما تلى سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه

ذلك لان العالم وجد بعده قطبا أمريكيا يرثه

أما الآن فليس هناك قوة عالمية مؤهلة لإرث الإمبراطورية الأمريكية

معنى ذلك أن «ممتلكات» القطب الأمريكي ستكون «محل التنافس الدولي» والعالمي بما في ذلك الشركات واللوبيات الدولية

ولما نتكلم عن الممتلكات نقصد بها المستعمرات ومناطق النفوذ والحماية

بما في ذلك أوروبا نفسها التي تخشى التفكك التلقائي وربما العودة إلى عصر الظلام بعد «الانسحاب الأمريكي الأعظم»

إن العالم كله يتهيأ للانسحاب العظيم

وانتهاء فترة القطبية بفراغ منصب القطب في البناء الدولي

هذا يعني نقض العالم المعاصر الذي تشكلت الدول كلها حول مركزيته

وهُندست عقائد تلكم الدول وهويات شعوبها بمعلومية الأفكار المؤسسة للعالم الغربي

والتي انهارت منظومته القيمية منذ وقت طويل بل إن منظومته القيمية قامت أصلا على الخطيئة الكبرى

التي يصفها فوكوياما أنها مركبة من ثلاث مساوئ لا تنجبر الظاهرة الاستعمارية والعبودية وجزية الحياة أو الضريبة على الفرد.

 أما ما نراه الآن من شلل دولي فهو مرحلة متقدمة من الانهيار العنيف القادم لهيكل المنظومة والتي تمثل «الدولة» وحدته الأساسية

ومعلوم أن الانهيار يبدأ بشكل ملاحظ، ويصل لسرعته القصوى بفعل الجاذبية «جاذبية السنن» إلى القواعد في لمح البصر..

أين يشكل الارتطام حالة سحق شديدة على مستوى القاعدة وربما ردمت المنطقة بأكملها واختفت.

 وهذا ما نراه اليوم «تفكك بعض الدول واختفاءها»

لا شك أن هذه الجاذبية ما هي إلا السنن القاهرة التي نجدها في قوله تعالى

(قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ)

وما يوحي من تغلب لمنظومات أمنية صغيرة في نماذج الأقطار المغنومة كالجزائر والمغرب ومصر والممالك الخليجية …

كله استقرار زائف وتصلب يستعد فقط للسحق الدولي

ولاشك أننا مقبلون على تغيرات كبرى فلم يعد ذلك استشرافا

بل واقعا أصبح يفرض خيارات مؤلمة على القوى الكبرى فنحن نعيش مرحلة الانسحابات الكبرى والمؤلمة!!

كالانسحاب الأمريكي في أفغانستان وقد يتلوه انسحابات أخرى في العراق وسوريا..

والبريكست البريطاني

والانسحاب الفرنسي من الساحل الإفريقي

وانسحاب الصين من المواجهة في الحرب التجارية الأمريكية

ورفض روسيا والصين عملية استلام أفغانستان وستر العورة الأمريكية

 لقد أصبحت الأمور واضحة ونقطة الارتطام حتمية

 ولا يحجب عنا تلكم الحقائق إلا وهْم تغلّب السلطة الوظيفية التي قريبا ستبقى بدون وظائف دولية وتتحول إلى بؤرة فوضى تتفكك معها أجهزة الدولة وتنتعش فيها المليشيات والشركات الأمنية

و يبقى السؤال هنا ما هو مصيرنا كأمة في خضم هذه التغيرات الهائلة؟

أقول بدون تردد أن هذه التغيرات هي السانحة الكبرى لتخلق أمة قائدة مثل أمة الإسلام وضياعها يعني كبوة قرن أو قرون أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى