بحوث ودراسات

رضا بودراع يكتب: لماذا طالبان وليس الإخوان؟ (1)

Latest posts by رضا بودراع (see all)

لماذا طالبان وليس الإخوان؟!

بداية، السؤال ليس مقارنا بقدر ما هو مفارقا ومفاصلا،

والسؤال وإن حكمه وزن اللغة فهو يستغرق كل الجماعات والتنظيمات والأحزاب التي مرجعيتها «الإسلام الصناعي» أو «الإسلام الوظيفي»

والسؤال كما ترون خفيف في وزنه اللغوي إلا أنه عميق جدا في بعده الكوني والحضاري

وهو عميق جدا عمق جذور المعضلة الأساسية التي تعيشها الأمة منذ تفكك وحداتها المرجعية في الحكم والسياسة والاقتصاد والثقافة والعمران الذي نجم عن الصدام الهائل مع القوى الصليبية منذ أكثر من ثلاث قرون

وأيضا بفعل التآكل الداخلي الذي سارع من أثره التخلف الإيماني والحضاري، وكانت النتيجة الحتمية التي لا تتخلف هو حضور سنن الاستبدال فخرجنا من التاريخ بعدما كنا صُنّاعه.

صدمة تفكك المرجعيات الحاكمة والمؤسسة

لقد مثل فقدان المسلمين لمراجعهم الإيمانية والسياسية الحاكمة صدمة حضارية هائلة للأمة الإسلامية..

بل للعالم أجمع الذي خسر بانحطاط المسلمين تفكك منظومات قيمية وروحية سامية احتكمت لها البشرية دهورا وصنعت بها أغلب حضاراتها المبهرة

تلكم الصدمة، «صدمة تفكك المرجعيات الحاكمة والمؤسسة» وما تلاها من تثبيت مستويات رهيبة من الهيمنة

 لم تكن تخطرًا أبدا في مسائل الفقهاء أو استراتيجيات الحكام والحكماء.

ولم يكن في مخيال الفرد المسلم متسعا لاستيعاب صدمة كهذه.

بل حتى الدول العدوة لازمها الأرق الاستراتيجي فيما يمكن أن يحدث بزوال الخلافة وكيف سيدار العالم التي كانت رأسه وعقله وروحه

ويسهل الآن تشكيل الصورة الذهنية لأمة الإسلام بعد تفكيك مرجعياتها المؤسسة والحاكمة..

فقد عادت كالعملاق الذي فقد عقله وروحه ودخل في مرحلة غريبة من إدارة أجزائه وأقطاره وأفكاره..

بل معتقداته التي صارت تتفكك أمام عينه مبتعدة عن مركزية الوحي التي كانت كل الأمة ومنتوجها الحضاري الذي يدور حولها.

أمام هذه الصدمة وهذا الذهول بحركية فريدة من نوعها في السيرورة البشرية.

راح الشتات يشكل مرجعيات فرعية استثنائية تبقي مركزية الوحي منطلقا لاجتهاداتها وبقاءها إلى حين استرجاع الوضع الطبيعي الذي ألفته أمة الإسلام.

المرجعية السياسية والدينية الجامعة

تماما كما كان يحدث على مر تاريخها

فمن حكم النبوة إلى الخلافة الراشدة فالأمويين ثم العباسيين مرورا بالقبيلة الذهبية بآسيا الوسطى وإمارة الهند لألف سنة وبخارى وسمرقند والسلاجقة والأيوبيين وصولا الفترة العثمانية..

فالأندلس والإمارات الإفريقية كالمرابطين والزيانيين وإمارة تومبوكتو بالساحل الإفريقي بمالي لـ«٢٠٠» سنة والسنغال وإمارة الحبشة الإسلامية..

كل تلكم النماذج المتعددة كانت تتصل بمظلة الاستخلاف الرباني معتمدة على مصدرية الوحيين ومركزية الخلافة.

هنا وأمام هذه اللحظة التاريخية نقف على الجذر الأول من معضلة الأمة الأساسية.

فهذه المرة كانت الحملة الصليبية وصلت مرحلة متقدمة جدا من الكشوفات الجغرافية والعلمية واخطر من ذلك.

كانت مشاريع الاستشراق وصلت مرحلة عميقة في دراستنا من الداخل عقائد وأفكار وتاريخ وتناقضات شعوب وطبائعها.

إن عملية التفكيك التي استندت إلى ما وصلت إليه حملات الاستشراق المرافقة للحملات الصليبية.

عملت على تحديد المرتكزات الحضارية ومكامن القوة التي كانت تستند إليها امة الإسلام للانبعاث من جديد بعد كل مرحلة من مراحل ضعفها.

وقد عرفوا هذه المرة أين يقفون تماما كجدار صد كبير حول دورة الانبعاث الحضاري إلى مستنقع عفن تتعذر معه جهود الإصلاح والخروج من الهيمنة.

ولا يمكن فهم طبيعة جدار الصد وحدود المستنقع العفن دون استدعاء الذاكرة المسلوبة.

فالقوى الصليبية كما أسلفت كانت متهيبة جدا من سقوط الخلافة والفوضى الدولية التي يمكن أن تنتج عنها بحكم أنهم لم يكونوا مؤهلين لإرث حضاري فريد بطبيعته ونتاجه في تاريخ البشرية كلها.

ربما يشبه ذلك هيبة هولاكو ووقوفه خمس سنوات عند أسوار بغداد قبل أن تسقط ويقتحمها.. ولعله نفس خشية العالم المعاصر من انهيار أمريكا تماما و انتشار الفوضى في العالم.

ثلاث عقبات عظمى أمام القوى الصليبية

أعود للذاكرة حيث وجدت القوى الصليبية المفككة للعالم الإسلامي ثلاث عقبات عظمى لا يستقيم لهم أمرهم دون تجاوزها بسلام وإلا فإن دورة انبعاث امة الإسلام ستأكلهم من جديد

العقبة الأولى:

 أنهم وجدوا كتلة ديمغرافية هائلة و متنوعة تركيبة ثقافة وألسنا.. وإخضاعها أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا.

فالانتصار لا يكون فقط بالغزو والاحتلال وإنما يكتمل الأمر بالاستسلام والانصياع والرضا بالقيادة الجديدة ومراجعها.

فكانت عملية تفكيك هوية الفرد باستلاب ذاكرته ولسانه والتشكيك في معتقداته سبيلا معتمدا إلى يومنا هذا.

المعضلة الثانية:

أنهم ورثوا رقعة جغرافية ممتدة من المحيط إلى المحيط ومن جنوب سيبيريا شمالا إلى ما وراء شريط السافانا بأفريقيا جنوبا.

والمشكلة أنهم لو حشدوا كل قوتهم وعدد جنودهم وشركاءهم لن يتمكنوا من السيطرة بعدما تمكنوا من كسر الشوكة الحاكمة.

ووقفوا على مرة أخرى على ما أفزعهم دائما أنهم يكسرون شوكة الحكم ولكنهم لم يكسروا شوكة الأمة.

المعضلة الثالثة:

أسلفت شطرا منها أعلاه، أن أمة الإسلام أنتجت نظاما عالميا بل كونيا أسلمت وسلّمت له تلكم الشعوب بالقيادة والانقياد طوعا رغم كثرة التنوع وشدة الاختلاف في الأعراق والعادات والألسن.

ورأوا أنه لا مناص من خلق نظام دولي يخلف نظام الإسلام لتستتب لهم القيادة والسيادة.

 هذه المعضلات الثلاث أخذت من القوى الصليبية المنتصرة ثلاث قرون لتدليلها.

فبدأت «بقتل الإله في الحكم» كما يزعمون.

 ووضعوا الإنسان الأبيض المنتصر مكان الإله وجعلوه مركز الكون وجعلوا المادة منشأه وولدوا من ذلك أفكارا وعقائد؛

كالمادية والدهرية وما تفرع عنهما من علمنة وبناتها كالشيوعية والليبرالية وصولا إلى الديمقراطية والنيوليبرالية.

كل ذلك لتحتل هذه الأفكار مكان الفكرة الإسلامية التي تفعل دورة الانبعاث الحضاري.

 أما معضلة الجغرافيا فقد لجأوا للتقسيم حسب قوة كل منتصر وتم تقاسم تركة الرجل المريض..

ويقصدون هنا الأقطار التابعة للخلافة العثمانية فتعرضت الخلافة للانكسار إلى حدود تركيا اليوم.. وباتت باقي الدول سبيا وغنائم للمنتصرين.

وبمكر بالغ ألحقوا مفهوم الدولة الحديثة بالأقطار المغنومة وسموا السبي شعوبا.. المعضلة الثالثة نظام الإسلام بصدرية الوحي، تم تفكيكها بعملية «القومنة»

فالإنسان المسلم لم يألف طيلة ١٢٠٠سنة إلا الانقياد لمرجعيته الدينية والسياسية.

الدولة الحديثة

وهنا نأتي لأخبث ما وصل إليه العقل الغربي «الدولة الحديثة»

حيث تمت عملية قومنة المراجع الدينية والسياسية تحت سقف الأقطار المغنومة بمسمى الدولة

وجعلوا هوية الفرد الإسلامية الكونية مرتبطة بحدود رسمها المحتل.. وأصبح الفرد يحتكم إلى مرجعية سياسية ودينية هندسها المحتل.

وتمت بذلك مراتب الاحتلال.. من غزو كسروا به الشوكة.. أعقبه احتلال استباحوا به البيضة..

ثم تقاسموها أقطارا و نصبوا على كل قطر إدارة نائبة تسد ضعفهم العددي.. وجعلوا لكل قطر مغنوم قوة حامية لتلكم الإدارة.

ومع الوقت تحولت الإدارة للدولة تنوب عنهم والحامية للجيش يدربونه ويسلحونه فيكون ذلك كله ضمانا لتثبيت هيمنتهم وإلا يعود الفرد إلى هويته السامية الأولى

الآن فقط نستطيع أن نجيب على السؤال: لماذا طالبان وليس الإخوان؟ ولماذا الأتراك وليس الغنوشي ومرسي رحمه؟ ولماذا طالبان وليس داعش؟

لذلك فإن الفروقات بين طالبان والإخوان جوهرية عميقة فاصلة ومفاصلة، جوهرية في طبيعتها الإيمانية، وعميقة في بعدها الحضاري، فاصلة في خياراتها الإستراتيجية، ومفاصلة في اصطفافها الكوني.

أهم الفروقات بين طالبان والإخوان

١- المتعلقة بالفرد:

هذه الفروقات تبدأ بهوية الفرد نفسه عند طالبان وذلك بحضور منظومة الغيب في نواته الصلبة ودينونته بالإسلام المتجاوز لمفهوم الدولة الحديثة وأقطاره الوطنية.

بل متجاوزة للمادة منطلق الحضارة الغربية.

في حين نجد الفرد داخل الإخوان عموما لا يكاد يحضر الغيب إلا في الشعائر ويختفي تماما في إدارة الصراع الكوني.

ونجده يدين بإسلام صناعي أنتج في مخابر عملية القومنة ويكون فيها الجيل الممسوخ المنتج في نسخته الرابعة أو الخامسة.

فلا ينطلق من مصدرية الوحيين إلا بالنسخة الصناعية من الإسلام، ولا يحضر الغيب إلا في الشعائر ويغيب في عبادة الحكم القيادة والسيادة والبلاغ المبين للبشرية.

فلا يمكن أن ينتج جيل الإسلام الصناعي إلا مستويات عالية من الوظيفية لمنظومة الهيمنة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

في حين أن الفرد في طالبان يتقبل بكل صدر رحب سقوط دولته على أن تسقط منظومة قيمه وأنه سيعود بذلك أقوى مما كان.

 أما الفرد في الإخوان فلا تهمه إلا بقاء الدولة ومؤسسات الدولة التي تنوب عن المحتل! ظنا منه أنها دولته فعلا حتى وإن قتلت رئيسهم مرسي، رحمه الله.

وأوقف الغنوشي ذليلا أمام باب برلمان حامية تونس.

إن حضور منظومة الغيب فارقة بين الإنسان في طالبان والإنسان في الإخوان.

فرق كبير بين موقف الملا عمر، رحمه الله، حين قال إن بوش وعدنا الهزيمة وإن الله وعدنا النصر، ونحن بين وعد حق ووعد مفترى

وبين من قال سلميتنا أقوى من الرصاص!! وبين من قال مستعدون أن نفقد مكاننا في الحكم على أن نفقد تجربتنا الديمقراطية!!

٢- على مستوى  الجذر المعرفي.

٣- على مستوى المرجعية.

٤- على مستوى العصبة.

٥- على مستوى الهيكلة.

٦- على المستوى العسكري.

٧- على مستوى المشروع السياسي.

٨- على مستوى نظرة الأمة للفريقين.

٩- على مستوى نظرة العدو للفريقين.

١٠- على مستوى نظرة رب العباد للفريقين.

يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى