بحوث ودراسات

رضا بودراع يكتب: لماذا طالبان وليس الإخوان؟ (2)

Latest posts by رضا بودراع (see all)

نستكمل في مقال لماذا طالبان وليس الإخوان؟ أهم الفروقات بين طالبان والإخوان، وقد ذكرنا أولى الفروقات في المقال الماضي «المتعلقة بالفرد» ونكمل ما بدأناه في المقال الماضي، في السطور التالية.

على مستوى الجذر المعرفي:

بعد الفتح العظيم سألت الصحفية أحد قادة طالبان هل ستطبقون الديمقراطية؟

فأجاب بكل بعفوية لا نعرفها!

قالت مستدركة الكل يعرفها حتى الأطفال في المدرسة!

فأجاب مرة أخرى بكل عفوية: أنا لم أرتد مدارس الاحتلال.

الحقيقة إن إجابته مؤلمة جدا لجيل الاستضعاف التي تربى في عفن القومنة

إجابة الرجل ترجع لطبيعة إعدادات الفرد عند طالبان التي تربت خارج صناديق الاحتلال..

فهم لا يعرفون إلا الله وعلوم كتابه ودروب الطبيعة الجبلية الوعرة وكهوفها المظلمة التي كانت تشع بتراتيلهم بالليل رهبانا.

وتهتز الجبال تحت أقدامهم بالنهار فرسانا

إن هذه الحالة الربانية ستخلق حتما منظومة معرفية مختلفة تماما عن المنظومة المعرفية التي تربى عليها جيل الاستضعاف

وبعدهم بل كفرهم بمركزية الدولة الحديثة لا شك أنه سيولد مركزية أخرى مستقلة عنه.

وشتان بين من يدور على مركزية لا إله الله وبين من يدور كالرحى حول مركزية الاحتلال.

فالطبيعة القبلية خلقت معارف متولدة عنها أنشأت مراجع عصبية منتظمة.

والمرجعية الدينية تخلق منها منظومة معرفية ربانية المصدر تحررية المنهج.

ومسارهم التحرري لاشك أيضا أن سيخلف منظومة عسكرية وأمنية خارج الصندوق تستعصي على أقوى المراكز الأمنية والعسكرية.

وشتان بين هذا، ومن جذره المعرفي مرتبط ارتباطا تكوينيا وتأسيسيا بالجذر المعرفي الغربي، والمرتبط بذاته بالظاهرة الاستعمارية.

المنظومة المعرفية في طالبان

إن المنظومة المعرفية للفرد في طالبان مسلّمات قوية بمصدر الرباني متناسقة في تراكم اجتهاداتها الفقهية والسياسية معا

ومرتبطة ارتباطا صلبا صلابة الأرض إذا التي ارتوت بدمائهم.

فلا يتزحزح أحد منهم عنها إلا ويرى نفسه بل تراه طالبان وحاضنتها شاذ عن الجماعة و شاة توشك أن تقع بين مخالب ذئاب منظومة الهيمنة.

 

في المقابل نجد جل أبناء الجماعات الإسلامية التي تستند إلى جذر معرفي غربي جاء نتيجة لتفاعل العوامل الثلاثة التي اصطحبت الظاهرة الاستعمارية (3G)

والتي أصبحت عنوان الشبكة العنكبوتية اليوم وهي على التوالي:

(GOD..GOLD..GLORY)،

وهو شعار يبرز التحالف الكنسي مع الإمبراطوريات في الحملات الصليبية،

فلا يمكن للمنتوج المعرفي الناتج عن ذلك إلا أن يكون مفككا لذات الفرد الموحدة..

التي لا تدين إلا لله ولا تحصل المعرفة إلا لسيادته وحكمه ولا تستحل الثروة إلا في سبيله

وهنا يظهر الفرق جليا وواضحا في منتوج الفردين فرد طالبان وفرد الجماعات الأخرى،

التي تفككت أجيالها بفعل منظومة تعليمية ليست أبدا محايدة

على مستوى العصبة والبنية الاجتماعية:

بمقابلة بسيطة اشتهر بها بن خلدون رحمه تظهر فروقات البنية الاجتماعية بين الفريقين.

فعامل القبيلة مؤسِس في طالبان وهو قوام كتلتها البشرية وبنيتها الهيكلية.

ومفهوم العصبة للقبيلة والدين كالروح يسري في ذلك البناء الهيكلي، وترسخ..

حتى صار منظومة عرفية ومعرفية وهيكلية،

أنتجت شبكة مدارس مستقلة عن المحتل والدولة وحتى رجال الأعمال، وارتبطت ارتباطا شبكيا بالمجتمع الحاضن.

وأنتجت محاكم تحرك معه الاجتهاد القضائي في شؤون العامة والحركة.

وأنتجت أجهزة عسكرية وأمنية بنمط غير تقليدي ومجهولة تماما عند المراكز الأمنية والعسكرية لمنظومة الهيمنة.

الفرق بين العصَبة والعُصْبة

ومهم هنا أن نفرق بين العصَبة والعُصْبة التي زكاه رسول الله وبين عصبية الجاهلية التي وصفها بالنتنة

فالأولى منصة صلبة للانطلاق والثانية كابحة على كل المستويات

وعليه فقد كان ولاء الفرد عند طالبان خالص لتلك المنظومة التي أنشأتها الحركة ولا يدور إلا على مركزها

في المقابل نجد الفرد في الأحزاب الأخرى تتنازعه مرجعيات متناقضة بين الدين والدولة والمحتل و الحزب أو الجماعة.

ولا ينتظم معها لا عصبة ولا ولاء ولا مركزية حرة و مستقلة

فلا نجد إلا لحمة تنظيمية وحزبية هشة كثيرا ما تتقلب أمام منجزات الحزب أو إخفاقاته

وكثير من الجماعات والأحزاب تأسست في المدن والجامعات..

أين تنعدم عصبة الدم وتضعف عصبة الدين أمام الأفكار المهزومة والميتة والمميتة أحيانا التي تشوش على الفرد الفكرة الإسلامية و تجلياتها الإجرائية والتشغيلية

هذه الفروقات يتباين أمامها أداء الفريقان بشكل ملفت للنظر

فإن استماتة طالبان من اجل حماية فرد مسلم ليس من قوميتهم حتى خسروا دولتهم لم يهز عصبتهم في شيء بل قواها.

في حين لم تنفع العصبية الحزبية في مصر وأصيبت كتلة مليونية منتظمة في الإخوان بالشلل ورئيسهم يهان ويقتل غما..

وتعدم أمام العالم خيرة شبابهم علنا في أوقات أعيادهم !!

يمكن جدا تعويض ضعف عصبة الدم في المدن بعصبة الدين وهو الواجب.

وقد كانت النسخة الأصلية من الإخوان قائمة على ذلك حتى رأينا شبابهم طليعة الأمة في القدس في حرب 1948 وأبلوا بلاء حسنا جدا.

ولكن عصبتهم اهترأت كلما اقتربوا أكثر من مركزية الدولة..

ونراها تقوى بشكل لافت جدا إذا ابتعدت بعض رموزهم عن فخ السلطة فخلقت حالات كالشيخ الظاهرة عبد الله عزام

وقبله فريق التنظيم الخاص الأول وصاحب العقل المتقد سيد قطب و كثير ممن لم يتلوثوا بمخرجات عملية القومنة وضلال مفاهيم الدولة الحديثة

على مستوى المشروع السياسي:

إذا تحدثنا عن فارق المشروع السياسي لطالبان والإخوان..

فإننا نتحدث عن الفارق بين النسخة الأصلية للفكرة الإسلامية، وبين النسخة المتحورة وتمثلاتها الوظيفية داخل منظومة الدولة

فطالبان تمسكت بفكرتها الأصلية وعليها خاضت جهادها وعليها أكدت قيام نموذج حكمها السياسي

وسقف طالبان إقامة الإمارة الإسلامية بمنظومتها الإجرائية  «الشريعة الربانية»

أما سقف الإخوان المشاركة في الدولة بمنظومتها الإجرائية «الدساتير الوضعية»

بل إن أحد قادتها في الجزائر يصر أن

«المشروع الإسلامي قد أكل عليه الدهر وشرب»

و«ألا جدوى من الخلافة بوجود الدولة»!!

«وهنا أنا اقتبس».

وصار الناس بين الشريعة والدستور إلى فسطاطين متمايزين تماما .

فالدولة نموذج حكم داخل منظومة الهيمنة والإمارة الإسلامية لطالبان نموذج خارجها تماما بل متجاوزا لها ومهيمنا عليها بحكم كتاب ربها المهيمن .

على المستوى العسكري والأمني:

يقول صن تزو في كتابه فن الحرب:

«إذا عرفت نفسك وعرفت عدوك فستنتصر في كل معركة

وإذا لم تعرف نفسك ولم تعرف عدوك فستنهزم في كل معركة»

إن فخر عناصر طالبان بصفة الإنسان الحر المقاتل قاهر الانكليز والسوفييت والأمريكان

مكون أصيل في هويته ولم يكتسبه من ذلك وكان يكفيه ذلك وإنما يعتبر تلك الصفة إرثًا وامتداد لأمجاد أمة الإسلام الربانية المصدر المستقلة المركز بمرجعيتها الدينية والسياسية

الأمر الذي جعله دائما يرى نفسه من خلالها أنه إنسان حر كامل ولا يرضى بالعبودية إلا لله

وكان يضع دائما ما يأتي من المحتل موضع ريبة وشك وانه غني عنها

فكانت لتلك المسافة التي وضعها بينه وبين مركزية الدولة الحديثة أثرا حيويا في جعل الوصول إلى مراكزه الأمنية والعسكرية أمرا شبه مستحيل

وهذا ما أكدته الهزيمة الأمريكية أمامهم..

وفشل أقوى الاستخبارات الدولية مجتمعة عن التنبؤ بخطوات طالبان وخططهم..

وكانت صدمة مطار كابل شاهدة وفاضحة

في المقابل أوتي الفرد وعمله الأمني والعسكري في الأحزاب الأخرى من شدة قربه من مراكز الهيمنة ووحدتها الأساسية «الدولة» بل احتلت مساحة مهددة في هويته الصلبة.

وكان جذره المعرفي مرتبطا ارتباطا رحميا بالجذر المعرفي الغربي الاستعماري كما أسلفنا..

فأدى قربه من أجهزة الدولة لاختراق حلقاتهم الأمنية وأدى قبولهم بأدوات السلطة وقواعدها أنهم أصبحوا أثاثا سياسيا للمراكز الأمنية

الشيء الذي يجعل من تفكيكهم مسالة مكر ووقت ووعود كوعود الشيطان

ولو أنا أخذنا حزب العدالة والتنمية «محسوب على الإخوان» في المغرب مثالا؛

لكان الفارق بين الإنسان فيها وبين ما هو عليه في طالبان كمثل الحي والميت.

وهذا مثل مخفف جدا بل كمثل الذي اتبعه الشيطان فمان من الغاوين

الثورات العربية تدبير أمريكي؟!

أذكر في أنه جمعني أكثر من ورشة ولقاء مع أعضاء من حزبهم

والذي صدمني أنهم ما أتوا إلى اسطنبول إلا ليقنعوا ثوار تونس وسوريا وليبيا والعراق ومصر..

أن الثورات العربية تدبير أمريكي وأنهم تميزوا بالعبقرية حين أجهضوا وصولها إلى المغرب وحافظوا على النظام الملكي بجهد جبار وغبار ووووو!!!

بل اقترحوا لبعضهم ورشات ودورات لإجهاض الثورات العربية تأسيا بالتجربة المغربية.

طبعا كان حالهم بئيسا جدا أمام الثوار السوريين ..

ولا شك أنهم أمام طالبان أشد بؤسا وخيبة.

وحتى أخرج من هذا «الشذوذ للإسلام الصناعي».

فسأحيل القارئ للمقارنة مباشرة بين التنظيم الخاص للإخون أيام حسن البنا وسيد قطب، رحمهما الله،

أين كانوا يعتبرون الإخوان فقط ظرفا استثنائيا لحين عودة الخلافة وهو الوضع الطبيعي الذي ألفه المسلمون طيلة ١٢ قرنا

وبين وضع التنظيم بعد رسالة «دعاة لا قضاة» للهضيبي

ثم وضعه بعدما انتقلت القيادة إلى بريطانيا

ثم وضعه بعد المشاركة السياسية إلى يومنا هذا واترك لكم المقارنة فهو يطول وليس هنا موضعها

إلا أن الملاحظ أنهم كلما اقتربوا من مركزية الدولة وعملوا بقواعدها كلما زادت قوة الاختراق وشدة التفكك.

بدأت بالعمل الأمني لأهميته فما العمل العسكري إلا تحصيله العملي

ولست هنا بصدد المقارنة بين مقدرات وموارد 35 دولة،

منها 12 كبرى بقيادة أمريكا وبين قوة طالبان ذات 75 ألف مجاهد فلا وجه للمقارنة

ولكن أريد المقارنة بين عدد طالبان وعدد المجاهدين الذي ذهبوا لتحرير فلسطين من الإخوان في 48.

لقد كان بضعة آلاف منهم قادرة على إيقاف حلف دولي أيضا..

لكن كانت وراءهم دول مركزية امتصت جهد الأمة الحربي لصالح منظومة الهيمنة وهو ما نقصده مرارا بمصطلح الوظيفية.

أما شلل 8 مليون من الإخوان أمام السيسي فأظن أنه أصبح واضحا.

ولا يحتاج لكثير بيان فيضجر خاطر القراء

يتبع

رضا بودراع يكتب: لماذا طالبان وليس الإخوان؟ (1)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى