آراءمقالات

الدولة الحديثة ليست هي الدولة المدنية

رضا بودراع
Latest posts by رضا بودراع (see all)

الدولة الحديثة ليست هي الدولة المدنية لا من حيث الاصطلاح ولا من حيث النشأة والتراكم الكمي لتجارب الحكم ولا من حيث الاستفاضة بالدراسات والمجالات البحثية.

 

واختصارا يمكن القول أن الدولة الحديثة ما هي إلا مؤسسة حكم تتجسد فيها سلطات شبه مطلقة وتدعي حيازة حق التحكم بالمدني.

 

وفي نشأة العلم السياسي الغربي أي ما بعد تفكيك اللاهوت الملكي (تحالف الكنيسة والإمبراطوريات المالكة) أعطيت لها  خصائص شبه غيبية!!

 

وكان الانطباع السائد هو أن الدولة الحديثة تخلصت من الكنيسة، غير أن المفاهيم العلمانية البديلة   ومنذ المنظرين الأوائل لها مثل هوبز وهيغل أعطت للدولة سلطة لها صفات الرب المنتقم وينبغي أن يخضع لها الناس وإلا فالجحيم للجميع لأنها تحتكر حق استعمال العنف.

 

إشكالية الديمقراطية

 

وهنا يأتي مفهوم الديمقراطية وكونها تمكين للناس!؟

نعم النظام الديمقراطي (باعتباره حكم الشعب) يمكن للناس، ولكنه تمكين بعد التسليم بالاستحواذ الشامل للدولة التي أُلبِست صفات الإله على الحكم بل على الحياة، فعندما نقول بمصطلح تغوُّل الدولة؛ فلا يشير ذلك إلى الاستبداد فقط وإنما إلى ولوج الدولة عميقا في المجتمع وفي حياه الفرد والتسلط عليها؛ مانحة لنفسها حق القول النهائي في كل مجالات الحياة.

 

وقد حاول الكثير وضع ترتيبات ديمقراطية للحد من تغول الدولة، ولكنها كانت دائما تبوء بالفشل وتنتهي إلى شكل جديد من الفشل وبالتالي مزيدا من الديكتاتورية والاستبداد والنزعة السلطوية، وعليه يمكن القول أن الدولة الحديثة ليست دولة مدنية بل هي حكوميه تسلطية بامتياز.

 

ويكفي التذكير بأكثر تعريف علمي رائج للدولة الحديثة هو أنها تلك السلطة التي تحتكر حق استخدام العنف! وتمتلك فيه الدولة أدوات رهيبة للقمع والمراقبة والتحكم والسيطرة.

 

المجتمع المدني

 

يعرف انه مجموعة تشكيلات منتظمة من المواطنين تسعى إلى تحقيق أهداف تفيد المجتمع باستقلال نسبيا عن أجهزة الدولة، وبذلك يضم هذا المفهوم طيفا واسعا من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي هدفها خدمة المجتمع.

 

والمجتمع المدني له صفتان:

 

صفة اختيارية غير ملزمة مما يفرقها عن الطابع الإلزامي الحكومي..

وصفة تطوعية لا ربحية ما يفرقه عن الشركات التجارية.

 

لكن الإشكال القائم والذي تجلى كثيرا أثناء الثورات العربية أن المجتمع المدني مرتبط أكثر بالسلطة وتديره طبقة نخبوية مرتبطة ارتباطا كليا بها، بل ما يحدث كشف ما أعقد من ذلك؛ فبعض منظمات المجتمع المدني مثلا والتي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان جعلت من نفسها رديفا مكملا لاستبداد الدولة مقابل التمويل والإعفاء الضريبي والمنح والترخيص.

 

وترتبط أكثر فأكثر بالإسناد الخارجي عن طريق التمويل أو عن طريق الدعم الدبلوماسي وغيرها.

 

لتتضح أن الصورة البريئة التي تغطي كثيرا من منظمات المجتمع المدني  ما هي القشرة الرقيقة التي تغطي حالة الترفُّع الاجتماعي لمجموعات نخب متعالية تمارس الإصرار على إهمال دور المجتمع الأهلي وتحجيم دوره أو تفكيكه انحيازا للسلطة.

 

وننبه هنا أن صورة المجتمع المدني الذي هو في حال مشاكسة دائمة مع الحكومة ما هو إلا جزء من الخيال اليساري وجزء من تجربتها.

 

ويشير (فيبر) أن المجتمع المدني يتميز بما سماه (الغلق الاجتماعي social closure) حيث تستقطب أفرادا من طبقة اجتماعية معينة ومن إيديولوجية محددة  وترسم لنفسها شارة ( إتيكيت) تقبل تلكم العناصر وتحولهم (لدمى فخرية) للدلالة على الانفتاح.. كما تفعل بعض المنظمات اليسارية مع بعض الشخصيات الإسلامية عندنا.

 

منظومة المجتمع

 

منظومة المجتمع أو المجتمع الأهلي أو الجماهير أو ما نصطلح عليه منظومة المجتمع ومؤسساته المرتبطة به كالفضاءات التعبدية من مساجد وكنائس، ومنظومة الحي والجيرة، وشبكة العلاقات الرحمية كالأسر والعشائر والقبيلة.

 

أو منظومات خدمية كالتعليم والمشيخة المتعلقة بالقضاء الشرعي والإصلاح وفض النزاعات والأوقاف والحسبة و الشركة  والتويزة المقسمة للأرزاق والنسابة من علماء الأنساب.. وغيرها؛ وهي ذات طبيعة غير حكومية إلى حد بعيد وغير مرتبطة بالدولة إلى حد أبعد، أي أنها تتميز باستقلال كبير عن سلطه الدولة.

 

وما ننبه عليه مرة ثانية أن منظومة المجتمع هي أغلبية الشعب وأنها صاحبة الأرض وسابقة للدولة الحديثة والمجتمع المدني المرتبط بها، وأدوات قوتها ذاتية مكتسبة من عمقها الحضاري وارثها التاريخي.

 

وان الاحتلال ثم الدولة والمجتمع المدني مارسوا عليها كل أنواع التفكيك والتحجيم والإقصاء، ورغم ذلك لازالت فاعلة ومؤثرة، بل تأثيرها أقوى من الدولة والمجتمع المدني معا في الكثير من النواحي، كالترتيبات الاجتماعية والأسرية من زواج وتنشئة للأجيال في المحضن الاسري والكتاتيب والمساجد.

 

وفي فض النزاعات من طرف أهل الوجاهة والقدر، والجنائز والتوريث والتنسيب والتبني برعاية الأيتام  والتكافل الاجتماعي المادي والمعنوي، ونظام الجيرة والأحياء والقرى والدياشير، والتي بدون هذه الأمور لا تقوم قائمة ولا تنتظم حياة.

 

وهذه الأمور كلها ولم تفعيل أدوات القوة في المجتمع إلا القليل  ولم يطور من القليل إلا القليل النادر.

 

الخلاصة:

 

١- أن مفهوم الدولة المدنية غير شائع أو معرف علميا في العلم السياسي الغربي  ولا له أصل في الجذر المعرفي الحضاري.

 

٢- وأن فكرة الدولة المدنية فكرة حالمة تلامس من اكتوى بالحكم العسكري الذي هو شكل من أشكال الدولة الحديثة.

 

٣- وأنها فكرة  مرتبطة بالتجربة الأوروبية الخاصة بالدولة الحديثة  انتقاما من الكنيسة والملكية.

 

٤- وأنها تعتمد على المجتمع المدني الذي يعتبر طبقة نخبوية مستحدثة ومرتبطة بالسلطة لتحييد منظومة المجتمع وتفكيك أدوات قوتها.

 

٥- بخلاف في تجربة أمة الإسلام  حيث نجد الحضور  الكثيف  للمجتمع الأهلي وبصفته المستقلة.

 

وهنا يطرح السؤال المُشْكِلْ!

 

◇ هل لازال مقبولا القول بالدولة المدنية؟!

 

◇ وأنها تصلح أن تكون  منصة تفاهم بين الإيديولوجيات السياسية القائمة؟!

 

◇ وما مدى خطورة محاولة تجليس هذا المفهوم على التجربة الجزائرية بشكل عمودي و بدون مراعاة ما ذكر أعلاه من فوارق، وملابسات تاريخيه فكرية  وحضارية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى