أقلام حرة

رشيد مصباح يكتب: وسائل التّواصل الاجتماعي وحب الذّات الأنانية المفرطة

قبل أن نفكّر في ما آلت إليه الأمور في هذا العصر الماديّ المتميّز عن غيره من العصور، بسرعته الرّهيبة وتطوّره العجيب،

وذلك على حساب القيّم والأخلاق الحميدة. وقد فُرضتْ فيه العولمة علينا فرضا نحن معشر المستضعفين من البشر،

و العولمة «امرأة» لا تقبل بضرّة -كما لا يخفى على أحد-. وقد كان من نتاج هذا النّفور المغرض، ما نحن فيه من فتن ومحن.

وحتى نكون منصفين، لا من الجائرين ولا من المغرضين، فيجب علينا ذكر هذا العصر بما فيه وما عليه،

وإن البشرية حقّقت الكثير من آمالها وطموحاتها وما كانت تصبو إليه من رغد العيش

ومن خلال هذا التطوّر المادّي العظيم الذي صنع لها الرّفاهية وكل ما تحتاج إليه، مقارنة بالقرون الماضية الوسطى والقديمة؛

كيف لا ونحن نرى كل هذا التنافس الجريء بين الأمم على من سيكون لها شرف الريّادة وعظم المجد والسُّؤدُد.

وقد أمست هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة والمتطوّرة، على اختلاف ألوانها وتعقيداتها، جدّ ضرورية في حياتنا اليومية وواقعنا المعاش، بل وضرورية «بالزّاف».

[وبزَّافْ[Bezaf] كما باللاّتينية، كلمة جزائرية بمعنى كثيرا، اصلها فارسي [گزاف] بمعنى عظيم أو مرتفع (حسب أحد المواقع المتخصّصة في اللّهجات)].

وأصبحنا مدينين لها بخالص العزاء والاعتذار، لغياب ضمائرنا وسوء تقديرنا لها, و” أينما وُجد سوء التقدير فيجب المغادرة” -كما وجدتُه مكتوبا على صفحة أحد المغرّدين-.

هذه الوسائل التكنولوجية التي هي من خيال و صنع البشر، التي من دونها لا يمكننا الصمود في وجه التغّيرات المناخّيّة وتقلّبات الزّمن،

فهي التي تقينا القُرّ والحرّ، وهي التي تختزل لنا كل السّبل والمسافات وتربطنا ببعضنا، وتنقل أخبارنا عند الضّرورة صوتا وصورة،

وفي كلّ وقت وحين. وتحرص على إيصالها بكل إخلاص وأمانة، وفي ظرف وجيز.

جنون كجنون العظمة وحب الذّات

لكن في مقابل هذا التطور المحمود هناك عاقبة وخيمة، تجسّدتْ في رغبة وإصرار بعض أصحاب الذهنيات «الأركاييكية» القديمة،

على توظيف هذه الأغراض النّاعمة من الوسائل الماديّة الحديثة والمتطوّرة المتاحة لهم والتي في أيديهم،

في ترجمة مشاعرهم المكبوتة، المتمثلة في بعض العاهات والجنون؛ من الأمراض النّفسيّة التي يعانون منها طول الوقت؛

جنون كجنون البقر، بل هو أشدُّ وأفضع. وجنون كجنون العظمة وحب الذّات والأنانية المفرطة.

وهو ما تعكسه بعض آرائهم ومواقفهم، ولغوهم وتحاملهم على الآخرين، في هذه المخابئ الافتراضية

التي تسمّى مجازا «مواقع التواصل الاجتماعي»، وبصورة جليّة وواضحة لا ريب فيها ولا مجال فيها للشك.

وإن قلتَ لهؤلاء المرضى: (ما هكذا تورد الإبل) تعالوا، واستكبروا استكبارا.

فتكون بذلك قد عرّضت نفسك ومن معك من الأصدقاء للقدح والذمّ، والسبِّ والشتم، ناهيك عن الألفاظ المبتذلة والبذيئة.

لدينا من الوسائل التكنولوجية المعرفية ما يفيدنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، إن أُحسِن استخدامها. لكنهّا لا تفي بالغرض.

يذكرني الحال ونحن في هذا المقام ها هنا، بقصّة أحد الرّقاة المعالجين؛

استفتى (عليّا) في جواز رُقية المرضى بسورة الفاتحة بمفردها كما كان يرقي عمر بن الخطّاب،

فتبسّم عليّ لقوله وردّ عليه بقوله: «هذه سورة الفاتحة فأين عمر؟». – رضي الله عن عليّ وعُمر، وعن الصحابة أجمعين – آمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى