أقلام حرة

رشيد مصباح يكتب: الجهل يورّث الذلّ والمهانة والعبودية

الصحّة نعمة من نعم الله لكنها قد تتحوّل إلى نقمة، لدى بعض الشّبان من الذين يغترّون بقدراتهم المورفولوجية على حساب الباطن المعنوي. 

والمال هو الآخر نعمة من النّعم التي تجلب الحسد لصاحبها، فصاحب المال قد يطغى إذا لم يدرك أن المال مجرّد وسيلة وليس غاية في حد ذاته،

ولم تكن لديه مكارم أخلاق وتواضع. وثالثهما الجهل وهو الأخطر من كل ذلك.

والجهل أنواع:

جهل بسيط يجب تقبّله، فلا يمكن للعقل البشري الصّغير أن يستوعب كلّ شيء.

ورغم ذلك فإنّنا نجد صعوبة في تقبّل الأمر أحيانا؛ وأن الإنسان لا يمكنه معرفة كل شيء.

وصدق الشّاعر [الحسن بن هانئ] الملقّب بـ( أبو نواس)حين خاطب الذين يدّعون معرفة كل شيء،

لينسبوا الكمال إلى أنفسهم، بقوله:

فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً **حَفِظتَ شَيئاً وَغابَت عَنكَ أَشياءُ.

إن الاعتراف بالحقّ فضيلة وليست رذيلة، والإصرار على الخطأ وبطر الحقّ وغمط النّاس -كما جاء في الحديث الشّريف- مكابرة.

وهو الجهل ذاته، من الصّنف المركّب.

وقد ورد في كلام بعض الحكماء قولهم:

«العلم يجعلك تعلم أنك لا تعلم، والجهل يجعلك تجهل أنك جاهل».

في هذه الأيام التي فرض فيها كائن مجهري ضعيف منطِقه على العالم المتعجرف ليعرّفه بقدر نفسه ويضعه في مكانته الحقيقيّة؛

بأن البشر مهما أوتوا من الفهم والعقل والذّكاء، أضعف من بعض الكائنات التي لا ترى بالعين المجرّدة،

وأعتقد جازما أن أخطر شيء على هذه الأمّة، هو الجهل.

على الرّغم من أن «اقرأ» هي أوّل كلمة نزل بها الوحي من فوق سابع السّموات. وبسبب هذا الجهل فسدت كل سلوكاتنا اليومية تقريبا،

وأصبحنا أمّة مستهلكة لطوابير الحليب والسميد والزّيت، كالتي تعجّ بها الدّكاكين في هذه الأيام الصّعبة. ولو كان يدرك أصحاب هذه الطوابير أنّه:

«إذا غلا شيء أرخصته بالتّرك فيكون أرخص ما يكون إذا غلا».

(من كتاب الحَقُّ المُرُّ للإمام[محمد الغزالي]- رحمه الله -). ما رضوا بالذلّ!.

طوابير المتقاعدين أمام مكاتب البريد

قال [عنترة بن شداد]، والعنترة سلوك في الشدّائد، يتحدّى الجوع ونفسه التي بين جنبيه:

وَلَقَد أَبيتُ عَلى الطَوى وَأَظَلُّهُ **حَتّى أَنالَ بِهِ كَريمَ المَأكَلِ.

وأشدّها طوابير المتقاعدين أمام مكاتب البريد،

ولو كان هؤلاء يدركون أن وجود هذا القطاع اللاّمنتج من عدمه مرهون بالتعريفات والرسوم التي يحصل عليها من زبائنه، لما رضوا بالمهانة!.

كل هذه الطوابير المشئومة إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ؛

(العبارة التي لطالما كان يردّدها الأستاذ [وجيه] أستاذ مادّة التّاريخ والجغرافية أيّام الثّانوية الجميلة)، على جهل أصحابها بدينهم.

فلا يحقّ لمن قال فيهم رب العباد جلّ وعلا:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)

أن يرضوا بالذلّ والمهانة والعبودية المقيتة.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى