الأمة الثقافية

رسائل في فن البلاغة

أ.د. أحمد يحيي علي.. أستاذ الأدب والنقد بكلية الألسن، جامعة عين شمس

 

الرسالة الأولى

البلاغة علم عربي أصيل يمد ذراعيه تجاه علم آخر هو النحو ليشكلا معا مرجعية قانونية يخضع لها الناطق بالضاد منذ القدم؛ فهذا الثاني يضع قواعد يسير عليها مستهلك النص في صياغته، بينما يعكف الأول على وضع مبادئ من شأنها تحقيق البعد الجمالي للنص؛ فأبو الأسود الدؤلي الرائد المؤسس لعلم القواعد العربية، وأبو عبيدة صاحب (مجاز القرآن)، وعبد القاهر الجرجاني من بعده يمثلون جميعًا آباء منظرين لمن جاء بعدهم في هذين الحقلين بغية تقديم منهج منظم للرؤية التي تنصب في الأساس على النص القرآني (أقدس النصوص العربية) وما يليه في المكانة بعد ذلك، من شعر ونثر بتنوعاته المتعددة؛ إن الولوج إلى مجمل ما قدمه العربي إلى المكتبة المعرفية للإنسانية من مصنفات يقتضي مقاربة هذين العلمين في هذه الرحلة الذهنية التي تتغيا الكشف وإصدار الأحكام، والبلاغة لغةً من البلوغ الذي يعني الوصول إلى القمة في تشكيل بعينه، هذه القمة تعني الذروة في التعبير؛ ومن ثم قدرة الوصول وتحقيق الأثر المرجو ذهنيًا ونفسيًا لدى المعني بعملية إنتاج النص اللغوي ألا وهو القارئ أو المستمع؛ فهذا كلام بليغ وهذا نص بليغ؛ أي بلغ من المنزلة قدرا يؤهله للاحتفاظ بمكان في قلب من يستقبله وفي وعيه، ذلك جوهر لفظة الجمال التي يمكن أن ننعت بها تشكيلا لغويا بعينه.

والبلاغة في مدلولها الشائع عند المعنيين بدراستها منذ القدم تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ لذا يمكن أن نربط بين البلاغة والحكمة التي تعني في أظهر معانيها: قول ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي؛ لذا فلا حرج من أن نطلق حكمًا فنقول: شخص بليغ وشخص حكيم الاثنان صنوان لمقصود واحد هو القدرة على إقامة صلة مقنعة بين ما يرسله المتكلم من لغة والسياق الذي يتم استقباله فيه بمحدداته الزمانية والمكانية وما يحكمها من منظومات للقيمة منطلقة من الدين أو مما تعارفت عليه الجماعة من معارف وتقاليد.

إذًا فالبلاغة في مضمونها وفي تشكلاتها تعني نوعًا من الترادف بين اللغة والسياق الخارجي المحيط، بين المرسل ونصه من جانب، والجماعة المتلقية وأفقها الفكري واهتماماتها وقناعاتها وثقافتها من جانب آخر؛ ومن ثم فإن الوجه العميق لما يسمى بالجمال الذي هو قرين لفظة بلاغة يكمن في القدرة على القراءة الواعية للسياق الخارجي المحيط بعملية الإنتاج والتلقي معًا بهدف إفراز منتج لغوي يحمل بداخله مقومات التأثير والتوجيه في فضائه الزماني والمكاني، وفي الوقت نفسه قابلية البقاء والتواصل مع أفضية أخرى يمكنها أن تجد فيه ما يبدو صالحا للتعامل مع ما هو كائن في واقعها المعيش.

وهذه الأوراق عبارة عن عدد من الدروس تعتمد منهجيتها ليس على الشكل التقليدي الذي تتم به صياغة دروس البلاغة في مصنفاتها المعاصرة، أو على الشكل القديم الموجود في كتب التراث، إنما تنطلق مما يمكن تسميته القراءة الثقافية للنص الموظفة للمصطلح بصيغته التقليدية المتعارف عليها في مصنفات علم البلاغة؛ فالمصطلح بالنسبة إلينا يمثل مفتاحا في عملية القراءة التأويلية للنص وفي محاولة الخروج منه ما أمكننا إلى ذلك سبيلنا إلى السياق الخارجي (الاجتماعي/الثقافي) بغرض تدريب القارئ على الربط بين عناصر ثلاثة: المصطلح المنطلق من علم البلاغة، النص المرسل وصاحبه، المتلقي الذي يستقبل ويقوم بدوره بتحويل هذا النص إلى بناء لغوي جديد اسمه الدلالة أو مجموعة الدلالات المستقاة من النص؛ لذا تكمن الجدة التي تسعي هذه الدروس إلى تحقيقها في إلحاحها على الربط بين حقلي البلاغة والنقد الأدبي؛ بوصف الغاية المبتغاة في نهاية المطاف من وراء الارتحال في هذا العلم ومباحثه الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، التي وضع أسسها البلاغيون العرب القدامى ومن أبرزهم شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني هي القدرة على القراءة التأويلية للنص وبيان ما له وما عليه؛ انطلاقا مما يتضمنه من أبعاد جمالية تنتمي إلى حقل البلاغة وما يحتضنه من مبادئ، وقد آثرت أن أبقي على المادة العلمية كما هي دون محاولة إعادة تشكيل أو تعديل جوهرية تخرج بها عن الطابع التفاعلي الذي كان يتم داخل قاعة الدرس؛ رغبة في أن يتم الاحتفاظ ببعض من طابعها الشفاهي، مع التدخل في حدود ضيقة اقتضتها متطلبات الحفاظ على السلامة الأسلوبية للكلام من ناحية الصحة النحوية.

وبعد فهذه الدروس ليست إلا محاولة تدفعها رغبة صاحبها في كسر النمطية في الطريقة التي يتم بها تدريس المصطلح البلاغي العربي وفق آلية حبسته إلى حد كبير في حقله فقط؛ فلم تجعل منه وسيلة لنشاط نقدي يتعامل مع النص بوصفه مرآة كاشفة لسياق ثقافي له خصوصيته التي تميزه، كما أني لا أزعم أني تناولت بنظر استقصائي محيط كل مفاهيم هذا العلم العربي الأصيل بمباحثه الثلاثة؛ فما تم السعي إليه يمثل خطوة أولى في تعبيد طريق لمرور ما يمكن أن نطلق عليه قراءة ثقافية للمصطلح في ضوء بيئته، بعيدًا عن الدرس البلاغي الغفل الذي يعتمد على وصف المصطلح من ناحية المعنى وما يندرج تحته من أمثلة تطبيقية فحسب؛ ومن ثم كانت محاولة السعي إلى تطوير هذه المرحلة بالانتقال إلى ما بعدها تعد الهدف البعيد الذي أرجو لو أدركه .. والله المستعان وعليه الهدى ومنه التوفيق.

الرسالة الثانية

في علم المعاني

( مراتب الخبر )

تعريف علم المعاني : هو علم يراد به معرفة الأصول التي من خلالها يتم إدراك مدى مطابقة الكلام للسياق الذي يقال فيه .

أول من تحدث عن هذا العلم هو عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة 471 هـ، صاحب المصنفين العمدة في حقل الدرس البلاغي التراثي: دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة.

وفي علم المعاني نتعرف على مراتب الكلام من حيث حال المتلقي(العلم/ عدم العلم بما يطرح عليه من قبل الطرف الأول في عملية الاتصال؛ أي المتكلم) .

1- المرتبة الأولى : مرتبة الكلام الابتدائي وفيها نجد أن بلاغة هذا المتكلم تكمن في إدراكه أنه يوجه الكلام إلى شخصية خالية الذهن ليس عندها خلفية عما يقال؛ ومن ثم فلا تستطيع أن تأخذ منه موقف الرفض أو القبول .

إذا قلت :

– محمد رسول – زيد طالب مجتهد – جو هذه الأرض غالبًا جميل

– الدراسة في هذه الكلية تجمع بين القديم والحديث

إن هذه الجمل يقولها المتكلم لمستمع يعلم مسبقًا أنه لن يؤيد أو يرفض ما يقول؛ وهؤلاء نطلق عليهم مسمى القارئ أو المستمع خالي الذهن .

لكن هذه المرتبة ليست الوحيدة التي يلجأ إليها المتكلم؛ فهناك مرتبة أعلى منها بقليل فيها يتم إدخال مجموعة من الإضافات اللغوية؛ لأن المستمع إما أن يكون شاكًا أو مترددًا فيما يُبث إليه، هنا يدرك المتكلم أن كلامه لن يكون مقنعًا للقارئ بدرجة كافية؛ لذا يجب أن تتم صياغته بطريقة لا تقتصر على الهيئة اللغوية التي تبدو في النمط الأول فقط؛ فبدلا من أن نقول: جو هذه القرية مشرق في الغالب نقول : إن جو هذه القرية مشرق ، أو لجو هذه القرية مشرق في الغالب .

لقد أدرك العربي القديم ونموذجه عبد القاهر الجرجاني أن إنتاج النص يكتسب بلاغته وجماليته من طرفين لا طرف واحد :

– الطرف القائل ( المرسل ).

– الطرف المتلقي والطبيعة الغالبة عليه.

هذا الإدراك كانت له آثاره في الكتابة الحديثة؛ فإذا جئنا مثلًا إلى فن أدبي كفن المقال نجد أن الصياغة اللغوية من قبل الكاتب للموضوع تتوقف على مدى إلمامه بالفئة المستهدفة من هذا المقال؛ أي شريحة القراء ومدى درايته بطبيعة الحدث أو القضية والسياق أو الظرف الزمني المحيط بهما.

إننا عندما نقول : إن محمدًا مجتهد ، للدراسة في هذه الكلية جامعة بين القديم والحديث فنحن حينئذٍ أمام مرتبة خبرية أعلى من مرتبة الخبر الابتدائي، أطلق عليها اللغوي القديم تسمية ( الخبر الطلبي ) ، نحن في علم المعاني أمام نوعين من القراء، أمام مستويين ثقافيين متفاوتين العلم بهما يكمن في شكل النص اللغوي وطريقة الكاتب في إنتاجه، وتلك بلاغة تجعلنا نحكم إلى أي حد جاء النص متوافقًا مع طبيعة السياق أو المقام الذي يقال فيه.

ومن يريد أن يدرس بلاغة الخطاب المسمى (إقناعي / دعائي) فلا غنى له عن الدرس البلاغي الذي خصص في علم المعاني مبحثًا مستقلًا للنص ومدى ملائمته للشخصية التي تتلقاه؛ إنني لا أستطيع أن أقول لشخصية تشك في أن محمدًا هو رسول الله لا أستطيع أن أقول لها : محمد رسول الله أنزل عليه القرآن، بل لابد من أن أقوي النص بإضافات ضرورية قد ارتئاها العربي لتحويل هذه الشخصية الشاكة إلى مرتبة المؤيد المقتنع.

وإذا انتقلنا إلى مرتبة أخرى أعلى من مراتب الخبر فإننا نصعد بالمتلقي إلى فئة جديدة تتجاوز صورة خالي الذهن وحدود الشاك أو المتردد، وصولًا إلى مرتبة الرافض المنكر لما يقول، الذي يسكن في المرتبة الثالثة؛ إن على المتكلم كي يكون بليغًا، ويكون كلامه منسجمًا متطابقًا مع طبيعة المقام أن يراعى ويقدر هذه الفئة جيدًا؛ لأن الوصول معها إلى درجة الإقناع يحتاج إلى عناء لغوي ومشقة في الصياغة تجعل هذا النص قادرًا على التاثير في هذه النوعية شديدة الخطورة من القراء؛ حتى يتسنى له أن يغير حالتها من الرفض والنفور إلى التأييد والإقناع، وليس أدل على ذلك من الخطابات اللغوية التي كان يستخدمها الأنبياء والرسل مع أقوامهم الرافضين لرسالة الإيمان والتوحيد؛ فالانتقال من مرتبة الكفر إلى مرتبة الإيمان لم يكن بالأمر الهين، هنا نستطيع أن نقول: إن الخطابات التي أوردها القرآن الكريم على لسان الرسل إلى أقوامهم تأتي متوافقة مع طبيعة المقام الذي كانوا يتعاملون معه.

فمن ( محمد رسول الله ) إلى ( إن محمدًا رسول الله ) نرتقي أكثر وأكثر فنقول ( والله إن محمدًا لرسول الله ) أو (إن محمدًا لرسول الله)، وفي هذه النوعية الثالثة من الأخبار البليغة التي أطلق عليها العربي القديم مسمى (الخبر الإنكاري) نحتاج إلى أكثر من مؤكد وليس واحدًا فقط؛ حتى يتسنى لنا أن نثقل النص بما يتناسب مع طبيعة الفئة التي تتلقى ما نقول .

– محمد رسول الله (هذا خبر ابتدائي) .

– وإذا قلت : لمحمد رسول الله فهذا خبر طلبي.

– وإذا قلت : والله إن محمدًا لرسول الله فهذا خبر إنكاري وصياغته تعطيني على الفور إلمامًا ودراية بطبيعة الفئة التي تتوجه إليها رسالتي الكلامية .

ولقد أفاد الدرس النقدي الحديث من هذا الجهد الذي تم إنجازه في علم المعاني، عندما قام بمعالجة طبيعة الآليات الإقناعية الموجودة داخل النص اللغوي، هذه الأليات تنطلق وتفيد من أسلوب القسم وأدوات التوكيد التي تحدث عنها اللغوي القديم ، لكنها أضافت أساليب أخرى للإقناع تجعل النص يندرج تحت ما يسمى ( الخطاب الجدلي أو الحجاجي ) مثل: الاستشهاد بالقرآن الكريم – بيت شعر – حكمة – أمثال – أسلوب التكرار – النزول إلى الواقع المعيش الذي يعلمه القارئ ويدرك ملابساته والإتيان بمواقف وحوادث وقعت فيه تقوي الرأي الذي يستند إليه المتكلم ويدعو غلى تبنيه.

– صيغ التوكيد: إن، اللام، قد، لقد، أو توكيد النفي؛ كاستخدام لن مع الفعل المضارع، أو الباء المزيدة في خبر ما العاملة عمل ليس، مثل: “وما ربك بظلام للعبيد”، ما محمد بكاهن، والجملة الاسمية، وقد مع الفعل الماضي، وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير وبما وإلا.

– صيغ التفسير : لذا – من ثم – لذلك – إذن – الاستعانة بمقدمات تؤدي إلى نتائج، وهذا يندرج تحت مفهوم الجدل الذي يركز على الالتقاء حول قضية مختلف عليها بين مؤيد ومعارض يكون الغرض في الغالب من هذا الالتقاء هو إظهار حجة أحد الطرفين على الآخر .

من هذه النماذج التي تم الوقوف عندها يمكن أن نقيم ربطا بحثيًا وعلميًا قويًا بين هذه المرتبة الثالثة في الصياغة اللغوية التي أطلق عليها البلاغي التراثي مصطلح ( الخبر الإنكاري ) ومصطلح الجدل (Argumentation) في حقل الفلسفة؛ فإذا أردنا أن نبحث عن علة الصياغة اللغوية فإن قبلتنا هي المقام وطبيعة العقليات الساكنة فيه من حيث القبول أو الشك أو الرفض .

وهناك فن أدبي حديث يفيد من هذه الصلة؛ ألا وهو فن المقال؛ فنجد أن هناك نوعية تسمى بالمقالات الجدلية التي يمكن دراستها والتعامل معها ونحن في وعينا مصطلح الخبر الإنكاري وما يتضمنه .

ملخص هذا الدرس إذًا نحدده في هذه الصيغة التساؤلية : كيف يلقي المتكلم رسالته النصية إلى المتلقي بطريقة تراعي وتناسب حال هذا الأخير؟

فإذا كان الغرض من الكلام الإفصاح والإظهار فإنه يجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض يشخص حالته ويعطيه ما يناسبها؛ فحق الكلام أن يكون بقدر الحاجة لا زائدًا عنها أو مغايرًا لما تتطلبه؛ لئلا يكون ناقصًا أو يكون عبثًا لا طائل منه، أو يخل بالغرض الرئيس له؛ ألا وهو ( الإفصاح والبيان) .

ومتلقي الكلام له ثلاث حالات :

1- إما أن يكون خالي الذهن من الحكم وفي هذه الحال لا يؤكد له الكلام؛ لعدم الحاجة إلى التوكيد نحو ( أخوك قادم ) ويسمى هذا الضرب من الخبر ابتدائيًا .

2- أن يكون مترددًا فهو في مرتبة أو لنقل منزلة بين المنزلتين: التأييد أو الخصومة لما يبثه إليه المرسل المتكلم؛ لذا يستحسن تأكيد الكلام الملقى إليه وتقوية الحكم؛ ليتمكن من نفسه ويطرح الخلاف وراء ظهره؛ نحو: إن الأمير منتصرٌ، ويسمى هذا الضرب من الخبر طلبيًا .

3- أن يكون منكرًا للحكم الذي يراد إلقاؤه إليه، متصورًا خلافه فيجب تأكيد الكلام له بمؤكدين أو أكثر على حسب إنكاره قوة وضعفا نحو ( والله إن أخاك لقادمٌ )

تنبيه :

قد يخرج الكلام عن الأضرب الثلاثة السابقة إخراجًا على مقتضى ظاهر الحال وقد تقتضي الأحوال العدول عن مقتضى الظاهر ويرد الكلام على خلافه لاعتبارات يلحظها المتكلم منها :

أ‌- تنزيل العالِم بفائدة الخبر منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب علمه فيلقي إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل كقولك لمن يعلم وجوب الصلاة وهو لا يصلي (الصلاة واجبة ) .

ب‌- تنزيل خالي الزهن منزلة السائل المتردد إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر كقوله تعالى ” وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء “

ج- تنزيل الخالي منزلة المنكر إذا ظهر عليه شيء من أمارت الإنكار .

 

الرسالة الثالثة:

ضوابط تتصل بمراتب الخبر الثلاثة

تخضع مراتب الخبر الثلاثة لأمرين:

– الأول : رؤية المتكلم الذي يريد أن يحسم فكرته مع القارئ أيا كان حاله (خالي الذهن أو شاك أو منكر رافض) فيحاوره بأعلى أنماط الخبر المتاحة دون الوقوف أمام رتبته فقد يكون هذا المتلقي خالي الذهن لكنني أجد المتكلم يستخدم معه الأسلوب الخبري الطلبي أو الإنكاري هنا لابد أن نسأل لماذا ؟

وجهة نظر المتكلم في هذا الشأن أنه قد يكون أمام مستمع خالي الذهن الآن وهو يسمعه لكنه ربما تخضع لوسائل تأثير تصله من مقامات كلامية أخرى قد تحوله من مرتبة الاقتناع بما قاله هذا المتكلم إلى مرتبة أخرى مخالفة أو مغايرة، هنا لابد أن نحتاط لأنفسنا؛ ومن ثم فإن ذلك يفسر لنا المرونة التي منحها البلاغي القديم لمستخدم الكلام

– الأمر الثاني : تعدد السياقات فقد يكون كلام المرسل منطويًا على وجهة نظر واحدة تم تشكيلها بطريقة تناسب شريحة معينة من المتكلمين هي شريحة الرافضين مثلًا(الخبر الإنكاري ) ويحتاج هذا المتكلم بعد مدة من الزمن مثلًا أن يعيد كلامه مرة أخرى لكن في مقام آخر ليس فيه هذه الفئة الرافضة فنجد أن المتكلم يلقيه بالطريقة نفسها دون حذف أو تغيير ، وفي هذا الجو المشحون بالتردد أو الإنكار نجد أن استخدام أساليب الاستفهام من الوسائل التي تساعد على تنشيط ذهن القارئ للتفكير؛ ولنتوقف مثلًا عند قوله تعالى ” أفي الله شك فاطر السموات والأرض” إن النص القرآني هنا يخاطب هذه العقلية البعيدة عن الإيمان والتوحيد، لكنه يحترم العقل موطن التفكير في الإنسان، فعندما قال ربنا: فاطر السموات والأرض فإننا نجد أنفسنا أمام دعوة ضمنية إلى الرحلة من أجل التفكير والوصول، إلى المعرفة؛ فمن خلال فعل الرحلة في المفعول/المخلوق ( السموات والأرض وما فيهن ) ندرك الأثر الذي يدل على هذا الفاعل الذي الصانع لها جميعًا؛ ألا وهو الله، ولقد أدرك العربي القديم ساكن الصحراء هذه الصلة الحتمية بين الفعل والفاعل عندما قال ( السير يدل على المسير والبعرة تدل على البعير؛ لسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أولا يدل ذلك على الخالق ؟ إذن نجد أننا في استخدامنا للخطاب الإنكاري أمام أسلوب الطلب القائم على الاستفهام أو الأمر الذي نجده في حوار إبراهيم مع قومه عندما قال لهم بعد أن تساءلوا عن أصنامهم وما جرى لها ” بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانو ينطقون” إن الدعوة الإسلامية للمعرفة تضعنا أمام نظرية هي في الحقيقة دعوة أدواتها الأمر والأستفهام، ولقد أدرك البلاغي العربي هذه الرؤية فوضع لها مكانًا في أحد مباحث البلاغة وهو (علم المعاني) .

الرسالة الرابعة

الأغراض التي يُلقى من أجلها الخبر

كلمة غرض تضعنا أمام الفلسفة، والفلسفة هاهنا تعني أن نبحث عن العلل والدوافع وراء قول الكلام، وهنا نجد أن البلاغة تقول لنا: إن لكل فعل بشري سواء أكان الكلام أم غير الكلام علة تقف وارءه، إذًا لو أردنا أن نضع تصنيفًا بيانيًا لمنظومة الكلام نجد أنفسنا أمام المخطط الآتي:

مرسل الكلام المتلقي النتيجة

دافع راسل رسالة/مفعول المستقبل الغاية المرجو حصولها في سياق زماني ومكاني واقعي

ومن الغرض ننتقل إلى نوعين من الخبر يحددهما حال المتلقي من حيث العلم وعدم العلم.

– النوعية الأولى : هي الكلام الذي يقال لشخصية تجهله ومن ثم فإنني أعطيه معرفة جديدة أو معلومة جديدة ، وهذا الكلام إما يحتمل الصدق وإما يحتمل الكذب فهو إما أن يكون حقيقة قد حدثت بالفعل أو ليس بحقيقة، هنا نجد أنفسنا امام مفهومين ( الكذب والخيال ) وفرق كبير بين الاثنين؛ بين الكذب بالمعنى الديني والأخلاقي، والخيال بالمعنى الأدبي، وهنا نتساءل: هل الأديب الذي يتحدث إلى البحر قائلًا:

– شاك إلى البحر اضطراب خواطري فيجيبني برياحه الهوجاء

ويحاور الصخر بقوله: فليت لي قلبا كهذه الصخرة الصماء شخصية كاذبة أم صاحبة مخيلة تجذب القاريء إليها فتحاول أن تحدث فيه أثرًا إمتاعيًا وذهنيًا؟ البلاغي القديم يقول لنا: إن مسألة الصدق والكذب في مصطلح الخبر تحتاج إلى وقفة، هذه الوقفة تفصيلها الآتي :

– الصدق التاريخي : ما يقوله المتكلم وقد حدث بالفعل وأن يأتي الكلام مطابقًا للواقع .

– الصدق الفني: هو مجال اهتمام معظم الأدباء على اختلاف الفنون الأربعة التي يشغلون أنفسهم بها من شعر وقصة ورواية ومقال ومسرحية، ويعني هذا المصطلح أن يكون ما يتحدث عنه الأديب لم يحدث فعلًا لكنه ممكن الوقوع وهو ما يجعل العقل يصدقه، ولعلنا في عامنا الماضي قد أخذنا مصطلح ( الخبر القصصي ) فمن يفتح كتب التراث القديمة مثل الأغاني للأصفهاني والكامل في التاريخ لابن الأثير والعقد الفريد لابن عبد ربه، والاعتبار لأسامة بن منقذ، وأخبار الحمقى والمغفلين ( لابن الجوزي ) يجد أنها ملأى بهذه النوعية من الأخبار التي تحتمل الصدق وتحتمل الكذب، والكذب هاهنا بالمعنى الفني وليس بالمعنى الديني والأخلاقي؛ فقد يكون ما تقرؤه خيالًا لكنه يعطينا قيمة دلالية معينة؛ ولنقرأ جيمعًا كتاب المكافأة وحسن العقبى لابن الداية المصري؛ فتحت مصطلح ( الصدق الفني ) نستطيع أن نقول: إن الفن بصفة عامة هو نقل الواقع ولكن بطريقة تميز الوجه الجمالي للأدب؛ فالأديب لا ينقل الواقع بشكل حرفي ( لا ينسخه ) بل ينقله بطريقة تعطي لخياله مساحة يتحرك فيها حتى يُخضع ما في دنيا الناس لما يراه . والصدق الفني وفق هذه الرؤية يقودنا بلا شك إلى هذا المصطلح الأثير الذي انطلق من حقل الفلسفة اليونانية إلى آفاق الدرس الأدبي على مر العصور؛ ألا وهو مصطلح المحاكاة الذي قال به أرسطو قديمًا.

وفي القرن التاسع عشر ظهر اتجاه في الدرس الأدبي يغازل سياق الواقع عبر المنتج الأدبي؛ ألا وهو الاتجاه الواقعي على يد الأديب الفرنسي بلزاك في أواخر ذلك القرن، وقد صار لهذا التيار مبادئه ومريدوه بعد ذلك.

– الصدق الأخلاقي: أن يأتي النص على مستوى الدلالة متسقًا مع النسق القيمي: الديني والاجتماعي الذي تخضع لسلطانه الجماعة، ولعل منطوق عنترة بن شداد في الجاهلية دليل على ذلك؛ فبفضله تحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفر من صحابته عن شاعر في الجاهلية تمنى لو رآه؛ ألا وهو عنترة، هذا المنطوق هو:

– وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

إن العربي الجاهلي على الرغم من غياب العقيدة السليمة عنه فقد وضع لنفسه حزمة من القوانين الأخلاقية، وقد رأى أن يخضع لها، وقد جاء الإسلام ليثبتها قال – صلى الله عليه وسلم – ” خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ” فأثبت ديننا الحنيف أن في الجاهلية خيرية فلم يلغها ولم يتجاوزها، إن عنترة هاهنا يقدم صدقًا أخلاقيًا، لكنَّ عملًا أدبيًا مثل ( أولاد حارتنا ) لنجيب محفوظ يمكن القول عنه: إنه يغيب عنه الصدق الأخلاقي لما فيه من شطحات خيالية وصلت به إلى مناط زلل لتعارضها مع ثوابت العقيدة، ولعل شخصية الجبلاوي في الرواية هي المحك الذي ننطلق منه في وقوفنا على هذا التعارض وفق إحدى القراءات التأويلية للعمل التي تطعن فيه من بوابة شخصية الجبلاوي، في حين ترى قراءات تأويلية أخرى خلاف ذلك، فالجبلاوي قالب فني تتشخص من خلاله مسألة العقيدة ودورها ووجودها وعلاقة الناس بها وتأثرهم بها حضورًا وغيابًا.

– الوهم أو السحرية : وتعني تجاوز الكلام حدود التاريخ والمعقول (الصدق الفني) إلى اللا معقول، وهي درجة بالغة في سلم الخيال تقتضي هذه التسمية(الوهم)؛ إن هذا اتجاه في الفن يعبر عن الواقع باستخدام درجة عالية جدًا من درجات الخيال لا يصدقها العقل ولعلنا إذا قرأنا كثيرًا من قصص هذه الموسوعة الحكائية العربية المسماة ( ألف ليلة وليلة ) ومثلها رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، والتوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي نجد هذا الوهم حاضرًا ويطلق عليه الآن الواقعية السحرية، وفي الدرس الأدبي الحديث ظهر رافدان ينتميان إلى هذا المصطلح، هما السريالية( تيار العبث في الأدب، رائده في أروبا صمويل بريخت) والواقعية السحرية، رائدها في أمريكا اللاتينية جابرييل جارثيا ماركيز صاحب روايتي: مائة عام من العزلة، والحب في زمن الكوليرا وإذا أردنا أن نقف بشكل عملي على هذا الوهم يمكننا أن نقرأ عددًا من أعمال الأديب المصري فؤاد قنديل فله رواية شهيرة اسمها روح محبات بطلها ديك يقع في غرامه كثير من نساء القرية.

إن كل ما سبق الخوض فيه يندرج تحت النوع الأول من الخبر الذي يتم تصنيفه في علم المعاني بناءً على قدرة راسله على توصيل مضمون معرفي ليس للمرسل إليه (القارئ) دراية به. أما الصنف الثاني فهو لازم الفائدة:

– النوعية الثانية: لازم الفائدة : نحن أمام خبر يحتمل الصدق والكذب أيضًا، لكننا نقوله لشخص يعرفه وذلك هو الفرق بينه وبين النوع الأول، ونسأل أنفسنا سؤالًا ما دام كلامي يقال لشخص يعرفه فلماذا أقوله في الأصل ؟ هنا يقول لنا البلاغي القديم إن هناك أغراضًا لهذا، منها:

أ‌- إظهار الضعف : ولنستمع معًا إلى قول زكريا عليه السلام ” ربِّ إنِّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا ” إن زكريا يخاطب عليمًا لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولكنه يظهر التذلل والخشوع أمام خالقه ويبغي من وراء ذلك مأربًا ، هذا المأرب الذي نكتشفه في موطن آخر عندما قال داعيًا ربه ” ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين ” هنا نكتشف أن للكلام معنيين: معنى مباشر نفهمه منه للوهلة الأولى، ومعنى آخر بعيد يحتاج إلى عين لاحظة تستطيع التقاطه، هذا المعنى هو في الحقيقة المغزى والفلسفة التي تقف وراء القول سواء أكان منطوقًا أم مكتبوبًا .

ب‌- إظهار الشكوى : نتوقف عند قول زوجة عمران مخاطبة ربها قائلة: “ربِّ إني وضعتُها أنثى والله أعلم بما وضعت” إنها تظهر ألمها وشكواها من أن المولود لم يكن ذكرًا لقد كانت تريد أن تسخره لخدمة بيت المقدس ولم يكن مناسبًا لهذه المهمة الجليلة إلا الذكور، لكنها تقول بما يشبه الاعتذار أنها أنثى: فقال تعالى “والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى”

ج- التأكيد لأمر واقع بالفعل : نجده في قول ربنا ” قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ذلك وهو يكسر الأصنام يوم الفتح، ألم يكن أصحابه الفاتحون يعلمون أن الفتح قد جاء؟! لكن النبي يؤكد هذه الحقيقة التي طالما دعا إليها منذ أن بعثه الله برسالة الإسلام .

د- تحفيز المتلقي للقيام بعمل معين : ولعنا نلمس ذلك في حديث من أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – قال عليه الصلاة والسلام: “إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا” فالنبي يحفز همم أصحابه لتحري الصدق دائمًا .

إن لازم الفائدة كلام يحتاج منا إلى البحث في فلسفته؛ أي في المعنى العميق الكامن وراء قوله؛ هنا نجد أنفسنا مع عبد القاهر الجرجاني الذي حدثنا عن معنيين للكلام: معنى أول يلتقطه ويكتفي به القارئ العادي، ومعنى ثانٍ أكثر عمقًا يمكننا أن نسميه بالمعنى الثقافي، وهذا يحتاج إلى عقليات معينة تفهم النص وما حوله من ظروف وأحوال تساعدها في الإمساك بهذا المعنى الثاني، ويمكن القول إن أهمية هذا الأخير تتجلى في أنه يعطي للكاتب مساحة من المراوغة أو الذكاء فلا يعبر عن مشاعره بطريقة صريحة وإنما بالرمز فلا يضع نفسه تحت سياق واقعي ضاغط ، ويجعل المعنى على طبقتين : طبقة أولى غير مقصوده وطبقة أخرى يفهمها الذكي؛ ففي حكاية ( الخوف ) التي مثلت فيلمًا بطولة شادية ومحمود مرسي – على سبيل المثال – نجد أن شخصية عتريس فيها تخفي وراءها واقعًا عانت مصر منه كثيرًا هو الواقع السياسي والاجتماعي في فترة حكم جمال عبد الناصر، وشخصية عتريس هي شخصية جمال عبد الناصر في الواقع، وإذا قرأنا مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم نجد أنه يستلهم في هذه المسرحية النص التاريخي القديم الذي فيه العز بن عبد السلام الذي يطلب من الملك الصالح نجم الدين أيوب أن يبيع وأن يترك الذين يعاونونه من المماليك؛ لأن المملوك لا يحكم حرًا ، والبيع هاهنا ليس بالمعنى الحقيقي بل أن تتعلم أولًا كيفية حكم الشعوب قبل أن تملك زمام أمرها، بعض الأذكياء وضع تحت الحاء نقطة فأصبحت ( السلطان الجائر) بدلًا من السلطان الحائر إسقاطًا على السياق السياسي والاجتماعي في حقبة الخمسينيات فترة ظهور هذا العمل للحكيم.

وفي الدرس النقدي الأدبي الحديث نجد أنفسنا أمام مصطلحين :

1- الدلالة الذاتية ( المعنى المباشر)

2- الدلالة الإيحائية ( المعنى غير المباشر )

إذًا فإن لازم الفائدة من هذا الجانب يدفعنا إلى تجاوز بناية النص الظاهرة وصولًا إلى ما يسمى في أدبيات النظرية السردية الحديثة بـ(ما وراء القص) أي الوقوف على هذا السياق الأمومي الذي يعد بمثابة الرحم الحاضن الذي من شأنه التأثير عملية في الخروج بالمنتج النصي على هيئة بعينها دون غيرها؛ إن المبدع في عمله يتحرك وفي وعيه قارئ مثالي ذو مواصفات تؤهله لبلوغ الغاية في التعامل التأويلي مع منتج المبدع؛ ومن ثم فإن تصنيف المادة الكلامية من حيث كونها خبرًا يقدم جديدًا للمتلقي أو من حيث كونها لازم فائدة يتوقف على هذا النشاط الموازي الذي يقوم به هذا الأخير في علاقته برسالة الكاتب؛ فربما كانت بداية النص خبرًا، ثم ما يلبث بعد انتهاء عملية التلقي أن يصير لازم فائدة بناءً على قدرة القارئ على الوقوف على الميتا قصة أو ما وراء القصة المحيط بخروجه والارتفاع منه إلى قيم دلالية عامة تسمو فوق المكوناتها الدلالية للقصة التي تتسم بطابع محلي زماني ومكاني ضيق ومحدود.

 

الرسالة الخامسة

في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء

يركز البلاغي في مبحث علم المعاني على وضع تصنيف للكلام من شأن المتكلم الإفادة منه عند صياغة خطابه، ولعل وضع النظريات يكون دائمًا في مرحلة متأخرة تأتي بعد الاستخدام التطبيقي أو الأداء الفعلي للفرد وللجماعة؛ فمن وضع القاعدة النحوية قديما نظر بدايةً إلى المستخدم العربي وكيف يبني كلامه، ثم جاء بعد ذلك ليقول هذا فعل وهذا فاعل وهذا مفعول

النظرية دائما تأتي بعد التطبيق وليس العكس وأشهر مثال على ذلك الخليل بن أحمد واضع علم العروض العربي؛ إن هذا الرجل نظر إلى المبدع العربي قديمًا وحديثًا(في زمنه) وكيف يقرض قصديدته فأيقن أن هذا القرض يسير على منهجية معينة، جاء تفصيل القول فيها من خلال ستة عشر بحرًا شعريًا تحدث عنهم الخليل مع حديثه عن القافية التي تأتي في نهايات القصيدة .

وعندما نتحدث عن تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء فإننا نتحدث عن شيء ليس بجديد؛ إنه الكلام الذي نستخدمه في منطوقنا القولي وفي كتاباتنا أيضًا .

– الخبر : هو حقيقة نختلف حولها إما بالتصديق وإما بالتكذيب ، ولعل أبرز خبر اختلف حوله البشر هو خبر وجود خالق لهذا الكون علينا أن نعبده، فمازال الحال بين مكذب له ننعته بالكفر و مصدق ننعته بالمؤمن، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأنبياء والمرسلين ومسألة التصديق بهم وبصدق ما جاءوا به من عدمه وآخرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه ربنا مخبرًا عن حال المخالفين له معه ” ويقول الذين كفروا لست مرسلا”

وينقسم هذا الخبر إلى قسمين، وقد التقى هذا التقسيم مع حقل النحو العربي:

– القسم الأول : الخبر الاسمى عندما نقدم للمتلقي مضمونًا معينًا باستخدام الجمل الاسمية؛ أي التي تبدأ بالاسم، فعندما أقول : الله موجود ، محمد رسول ، مصر دولة ، هي كلها إشارات خبرية تعبر عن حقائق لها طبيعة ثابتة، والثبات هاهنا يرجع إلى أن المتكلم لم يستخدم أفعالًا في كلامه، إنما هي أسماء . إن الخبر الاسمي حقيقة أعرضها على القاريء مجردة من الزمن.

– القسم الثاني : الخبر الفعلي : في هذا المقام نجد أن المتكلم أو الكاتب يحاول أن يعرض علينا حقيقة ملتصقة بالزمن هذا الزمن كما نعرفه ينقسم إلى أنواع ثلاثة : الماضي ، الحاضر ( المضارع) ، المستقبل ، فبالنظر إلى النوع الأول نجد أن المتكلم في لجوئه إلى استخدام الفعل الماضي يقوم مقام الراوي أو القاص، وليس أدل على ذلك من نصوص القرآن الكريم التي تتحدث عن حال الأنبياء مع أقوامهم؛ إذًا فإن نوعية الزمن تضفي على المتكلم حضورًا خاصًا إذا حاول هذا المتكلم أن يقدم لمتلقيه حقيقة مقترنة بزمن قد مضى؛ إنه الآن في موقع الراوي أو القاص الذي يسرد شيئًا حدث؛ هذا السرد إما أن يعبر عن أشياء حدثت بالفعل يصبح إذن تاريخًا وإما أن يعبر عن أشياء خيالية لم تحدث هو إذن فن قد يتجسد في شكل قصة قصيرة مثلًا أو رواية أو مسرحية، وبالانتقال من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع نجد أن الكلام الخبري يتخذ وجهة جديدة عندما يعبر عن اللحظة الحاضرة أو الموقف المعيش الذي يعكس فكر الكاتب و الزمن الذي يحياه .

هنا يصبح المتكلم أشبه بواصف لواقعه، ومن يقرأ هنا مقالات الرأي في الصحف أو المجلات، يجدها دائمًا تعبر عن قضايا ترتبط بالزمن الآني المعيش، وكثرة استخدام الفعل المضارع في الجمل الخبرية يعني أننا أمام حال قائم وقابل للتجدد أيضًا، فعندما يقول ربنا مخطابًا نبيه – صلى الله عليه وسلم ” ويقول الذين كفروا لست مرسلا ” إن ربنا يخاطب نبينا في زمنه، في حاضره الذي عاشه وفي كل زمن تالٍ أيضًا؛ لأننا نرى أن تكذيب النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يكن مقصورًا على زمنه فقط؛ ففي كل زمان منكرون لنبوته، كما أننا نجد في كل زمان ملحدين ينكرون وجود الله من الأساس .

– الفعل المستقبل : واضع النظرية العربية قديمًا حدد شكلًا للفعل الذي يعبر عن الزمن الآتي هو أن تلتصق به السين للدلالة على المستقبل القريب وسوف للدلالة على المستقبل البعيد، ولنقرأ معًا قول ربنا ” سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ” ؛ إن تحويل القبلة حدث يختبر الإيمان ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعرف المؤمنون من يعبد الله حق العبادة ومن يعبده على حرف، إن التصاق السين بالقول هاهنا يأتي إنسجامًا مع رد الفعل السريع لحادث تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام من قبل جماعة يهود الذين تساءلوا مستنكرين.

هذا عن المستقبل القريب أما المستقبل البعيد فنحتاج معه إلى استخدام ( سوف مع الفعل المضارع )، ولنقرأ معًا قول ربنا: ” قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كنَّا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم” إن أبناء يعقوب طلبوا من أبيهم الدعاء ليغفر الله لهم بعدما فعلوه من عقوق بالأب وإساءة إلى الأخ النبي يوسف عليه السلام، لكنه لم يقل لهم سأستغفر لكم، وهذه إشارة بلاغية تحتاج إلى وقوف؛ إن نبي الله قد أخر دعاءه إلى النصف الثاني من الليل الذي يرجى فيه إجابة الدعاء من الله، وفي تفسير آخر قيل : إنه أخر الدعاء إلى ليلة الجمعة فهي من الليالي الطيبة، هنا ننتقل من الإشارة البلاغية إلى فعل تعبدي نتعلمه من نبي؛ ألا وهو توخي ساعات الإجابة التي يتقرب فيها الرب من العبد؛ فالمسألة ليست بلاغية قولية إذًا، لكنها تتجاوز ذلك إلى العبادة.

من هذا الزمن الأخير يتضح أن الخبر الفعلي الذي يلجأ إلى المستقبل يسافر بعقل القارئ إلى حقيقة لم تحدث بعد، لكن حدوثها أمرٍ متوقع، وبالتزامن مع المضارع الذي ينطق فيه هذا المتكلم بكلامه يرسم أمام المتلقي ملامح زمن لم يحدث وكأنه يفتح شهية القارئ النزَّاع إلى المعرفة؛ لكي يعمل خياله ويتصور ما سيحدث، ولعل هذا الخيال هو الذي يجعلنا نقرأ مطمئنين عن الجنة والنار وإن كنا لم نرهما فنعيم الجنة وعذاب النار يحفز النفوس التقية للعمل؛ إن المستقبل غيب، وفي الغيب أشياء حتمية الوقوع لا مناص من الإيمان بها والتسليم بحقيقة وجودها؛ لذا يقول ربنا في بدايات سورة البقرة ” ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون”. إن النص القرأني كلام الله يقف بنا مع الأزمنة الثلاثة في تشكيلاته الخبرية، بحيث تأتي ألفاظه وعباراته مفتوحة على تأويلات لا عدد لها؛ فمادام المستقبل مفتوحًا فإن التأويل أيضًا مفتوح غير مغلق، وهذا يجعلنا نقف أمام تفسير الآية التي تقول ” قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ” إن عدد سور القرآن وعدد آياته وعدد ألفاظه وحروفه معلوم محدود؛ فكيف إذن ينفد ماء البحر ولا تنفد كلمات ربي؟! هو إذًا إعجاز النص الذي يجعله مفتوحًا على أفق من الدلالات والتأويلات لا يعلم حدوها إلا الله.

الرسالة السادسة

في الإنشاء الطلبي وغير الطلبي

مبحث الإنشاء : كلمة الإنشاء في اللغة تأتي على النقيض من الخبر؛ فإذا كانت هذه الأخيرة تعني منطوقًا لغويًا يحتمل الصدق أو الكذب، فإن الإنشاء على العكس تمامًا: منطوق لغوي لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا، لكن ماذا يريد صاحبه من وراء قوله ؟ إن العربي القديم واضع النظرية يقول لنا : إن الإنشاء يساوي الطلب، عندما يأخذ المتكلم المستمع إلى غاية محددة، هذا الأخذ يتشكل في أنواع أثيرة :

الأول : الأمر الثاني : النهي الثالث : الاستفهام

1- الأمر: في منظومة الكلام قد يكون المتكلم في مرتبة أعلى من مرتبة المستمع أو المتلقي ، هنا نسمي هذا أمر، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك آيات القرآن الكريم التي تحمل أمرًا من الله لعباده ” يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ” وقوله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ” إن منظومة الكلام هاهنا فيها الأرض والسماء، فيها الأرض حيث البشر والعباد وفيها السماء حيث الله الواحد الأحد، وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي أيضًا نستطيع أن نقول: إن طلبات الرئيس والمدير والأستاذ لمرءوسيه وللعاملين عنده وللطلاب تندرج تحت هذه النوعية من الإنشاء .

والكلام هاهنا في بدايته اللغوية الظاهرة لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا لكن استجابة المتلقي قد تحيله إلى خبر فيه الصدق والكذب في ذاته، هذا من ناحية، وإذا كانت الإجابة عن الطلب بسمعنا وأطعنا فهذا يعني التصديق لما يقال، وإذا كانت غير ذلك فهذا يعني بطريق غير مباشر التكذيب والرفض من ناحية ثانية.

2- النهي: معناه طلب عدم القيام بفعل محدد في المستقبل، يقول ربنا ” يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ” ويقول أيضًا ” لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ” ويقول الشاعر : لا تنه عن حلق وتأت مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

هنا يتضح أن النهي يرتبط بزمن مضارع يفهمه قارئ الكلام، هذا المضارع يتضمن دعوة إلى تشكيل الزمن المستقبل بطريقة معينة، تخلو من الفعل المراد العزوف عنه، من هذا العرض نستطيع أن نقول : إن العلاقة بين الأمر والنهي تبدو متقاربة من حيث تعبير كل منهما عن الطلب وعن إرادة المتكلم ورغبته في أن يقوم المستمع بأمر محدد أو بشيء محدد، لكن الأمر يعني الإثبات، بينما النهي يعني النفي حتي يأتي المستقبل خاليًا من فعل معين .

3- وبعد الأمر والنهي يأتي الاستفهام : وهو طريق المعرفة وسيلة الإنسان في اكتساب الخبرات، ولنلاحظ معًا كلمة خبرة إنها من الخبر أي المعرفة والمعرفة تأتي من طريق مهم جدًا ألا وهو السؤال والسؤال في لغتنا العربية مثله مثل السؤال في كل لغات البشر يعتمد على صياغات شتى، هذه الصياغات تتمثل في: ما التي تسأل عن غير العاقل وضدها من التي تسأل عن العاقل أو الإنسان؛ فالبحث عن المعرفة داخل هذا العالم تكون بالوصول إلى ما فيه من بشر وأشياء .

ويضاف إلى هاتين الأداتين هل وهي أداة شديدة الخصوصية؛ فمستخدمها يريد من ورائها أن يعرف إجابة محددة إما أن تكون بالإثبات وإما أن تكون بالنفي ويبدو أن تقسيمنا للبشر من حولنا إلى مؤيد ومعارض يمثل خبرة أو لنقل جوابًا اكتسبناه وعرفناه لما سألنا باستخدام أداة الاستفهام (هل)

إذًا فإن فكرة التصنيف القائمة على القبول أو الرفض أو حتى الحياد المتمثل في عدم اتخاذ موقف يميل ناحية أي من الطرفين تعد بمثابة تعبيرات رمزية عن هل التي نسأل بها العالم فتكون الإجابة بهذه الطريقة .

وهناك أداة الاستفهام ( كيف ) : هي وسيلة في المعرفة شديدة الأهمية؛ إنها دعوة إلى معرفة الوسائل والإجراءات التي نلجأ إليها للوصول إلى غايات معينة؛ فإذا قلت مثلًا: نزل القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، هذا يعني أن وراء هذه الحقيقة أو هذا الخبر متكلمًا يستفهم ويريد أن يعرف الوسيلة، قد يكون هذا المتكلم غير موجود صراحة في منظومة الكلام، لكن المحلل للنص والمفسر له يفترض وجوده ويضع هذه الأداة الاستفهامية تعبيرًا عن هذا الوجود، كما أنها أيضًا أداة لمعرفة الحال الذي يعبر عن الشخصية في شكلها الظاهري أو عن الشخصية في هيئتها المعنوية؛ عندما أقول: العالم يئن تحت وطئة ظلم وهيمنة شديدين؛ إنني خلف هذا الوصف ألمح سائلًا يسأل : كيف ترى حال العالم الآن ؟ وعندما أقول : رأيت محمد صادقًا، جاء محمد ماشيًا: كلها أخبار تمثل نتائج لأسئلة كان منطلقها الأداة ( كيف) وما دمنا نسأل عن الوسيلة فللغاية سؤالها أيضًا.

إنها أداة الاستفهام ( لماذا) إن البحث عن علل الأشياء وأسبابها يحتاج إلى هذه الأداة؛ إنها سؤال الفلاسفة الذين يتعمقون في تفاصيل الظواهر الخارجية وصولًا إلى ما وراءها، أو كما يطلقون عليه العلة الأولى؛ فهذا الكون من وجهة نظر الفلاسفة بما فيه من بشر وأشياء معلول أو لنقل مفعول خلفه فاعل أنجزه، وعندما يقول ربنا : ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” وعندما يقول عز وجل ” أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون ” إن الله في هاتين الآتين يعطي لعباده إجابتين عن سؤال يتكرر، خلفه لماذا ؟ وكأننا أمام سائل يسأل : لماذا خلقنا الله ؟ إذن تكون الإجابة في هذه العلة المتمثلة في العبادة وإعمار الأرض بذكر الله وبتوحيده، ولعل هذه الأداة هي التي تبرز لنا ما يسمى بالمفعول لأجله في لغتنا العربية، هذا المفعول لأجله هو الذي يفسر لنا علة قيام الفاعل بفعل معين، عندما نقول : خلقنا الله للعبادة يتضح أن الخلق هنا لم يات عبثًا وهكذا نحن في حياتنا لا يوجد فعل نقوم به بلا مبرر يدفعنا إلى ذلك.

ولا شك أن هذه الأدوات ليست وحدها في مجال الاستفهام، بل يضاف إليها متى التي تسأل عن الزمن وأين التي تسأل عن المكان، ونحن في تعاملنا مع حقول المعرفة المختلفة نجد هاتين الأداتين واضحتين في حقلين معرفيين مهمين هما حقل التاريخ وحقل الجغرافيا؛ فالتاريخ روايات لأحداث ارتبطت بزمن قد مضى، هنا نجد أن أداة الاستفهام متى تفرض نفسها على هذا المقروء التاريخي، وإلى جانبها تأتي أداة الاستفهام أين التي تدلنا على الأماكن، ولعلنا في دراستنا للنصوص الأدبية وغيرها، نجد أنفسنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن أن نسميه بجغرافيا النص وتاريخ النص؛ أي فضاء المكان الذي ظهر فيه هذا النص وأثره في صاحبه، فكما يقولون: الإنسان ابن بيئته؛ فمعرفة المكان ضرورية في تأويل النص ومحاولة استخراج ما يتضمنه من معانٍ، الحال نفسه ينطبق على التاريخ الذي يرتبط بزمن؛ فشتان بين أن أدرس قصيدة عمرو بن كلثوم ( المعلقة ) في العصر الجاهلي وقصيدة قالها أبو تمام في عصر بني العباس .

نستخلص مما سبق أن لكل نص مقروء ولكل شخصية نحاورها ونقترب منها سؤالين يحتاجان إلى إجابة سؤال الجغرافيا ( جغرافيا النص وجغرافيا الشخصية ) وسؤال التاريخ؛ إنني لا أستطيع أن أقول: إن شخصية من نشأ وتربى في مجتمع المدينة ستكون هي هي شخصية من نشأ وتربى في مجتمع الريف، كما أنني لا أستطيع أن أقول: إنني في المرحلة العمرية الصغيرة التي كنت فيها في الثانوية مثلًا هو هو هذا الإنسان في مرحلة الجامعة وما بعدها؛ فما دام الزمن يتغير فنحن نتغير أيضًا ولا شك في أن لهذه المعاني انعكاساتها على عالم الفن، ومع أداة الاستفهام (ماذا) التي تسأل عن الفعل الذي نقوم به يكون الإنشاء الاستفهامي قد اكتمل.

مع هذا الاكتمال نستطيع القول: إن ثنائية السؤال والجواب هي التي تحكم حركة هذا الإنسان الخليفة داخل عالمه وما يحصل عليه من معارف وخبرات هو في جوهره نتائج لحزمة من الأسئلة الطلبية التي سألها لهذا العالم وأخذت في صياغتها أشكالا شتى؛ وهو ما ينطلق بنا من هذا المبحث في علم المعاني إلى تصميم محدد لعملية تحليل النص اللغوي من حيث الشكل (كيف يقول النص؟) ومن حيث المضمون( ماذا يقول..ولماذا)؛ ومن ثم تفكيكه إلى أجزاء:

– الكلمة : اسم ، فعل ، حرف

إنسان غير إنسان

ماض مضارع أمر

– الجملة : خبر إنشاء

اسمي فعلي أمر/ نهي استفهام نداء

– العبارة : مجموعة جمل في شكل منظومة اتصالية بها متكلم ومستمع

– البعد المجازي أو الخيالي الموجود في النص ومدى تحققه : ما الدلالة الكامنة وراءه. وما يبثه من دلالات يندرج تحت مبحث البيان في البلاغة.

– ماذا يقول النص لعصره وللعصر الذي أعيش فيه؟ سؤال المحتوى والمضمون.

– لماذا قال النص ما قال؟ فلسفة النص؛ ما الذي لم يقله النص ؟ ما الذي لم يقله الكاتب؛ إننا مع هذا السؤال أمام عملية شديدة العمق والخطر تبحث فيما وراء النص، في الجانب الميتافيزيقي الغيبي غير المنظور والمرئي من النص.

 

الرسالة السابعة

توطئة في علم البيان

كلمة بيان : تعني الإيضاح وهي كلمة تأخذ القارئ إلى المحتوى الدلالي الذي يقصده النص، ولا شك في أن هذا المحتوى يحتاج في الوصول إليه إلى الوقوف عند الشكل أولًا، والمقصود بالشكل هاهنا صياغة النص: ألفاظه وتراكيبه، ويمكننا أن نقول: إن هناك علاقة يحاول البلاغي منذ القدم أن يقيمها بين الموضوعات التي يتضمنها هذا العلم والشكل الخارجي للنص، إن عبد القاهر الجرجاني عندما تحدث عن هذا العلم من علوم البلاغة أوضح أنه يركز على الجانب الخيالي أو المجازي داخل الكلام وما يؤديه من دور بالنسبة إلى الدلالة التي يقصدها النص .

ولهذا العلم دور في الفصل الذي نقيمه بين الواقع والأدب؛ فالأدب على اختلاف أشكاله لعبة تقوم على ( الخيال / المجاز ) الذي هو مناط اهتمام علم البيان؛ فالأدب تعبير عن الواقع بطريقة خاصة جدًا تتسم بالجمالية، والفرق بينه وبين التاريخ والتقارير والمذكرات هو في الخيال الذي يميزه ومادمنا نتحدث عن هذا الفرق فإنه يظهر أمامنا على الفور في أفق المعرفة مصطلح ( الرمز ) إننا نقول: إن الأدب عالم ملئ بالرموز والرمز في أيسر معانيه توظيف الكلمة(اللفظ/الدال) في غير معناها الحقيقي الذي تستخدم من أجله في الغالب.

أول نتيجة نصل إليها ونحن نقترب من هذا المبحث في علم البلاغة أن هناك فرقًا بين المعنى المعجمي للكلمة والمعنى الأدبي لها الذي يتحقق من خلال وجودها في قصيدة الشعر أو في القصة القصيرة أو الرواية … إلى آخر فنون الأدب المختلفة .

ويأخذنا هذا الفرق إلى فكرة الحضور الموضوعي أو المرجعي للشيء داخل العالم الذي نتفق عليه جميعًا في الغالب، والحضور النفسي أو الذهني لهذا الشيء بداخل كل واحد فينا، هي الشمس نجم مضيء تشرق كل يوم وتغرب في مواقيت محددة، لكن أديبًا يوظفها في سبيل التعبير عن الحياة الشاقة التي تؤلم الإنسان وتتعبه، ويأتي آخر ليوظفها في سبيل الإشارة إلى النهار، الذي هو نقيض الليل وفيه الحركة والعمل الذي هو ضد السكون، وآخر ينظر إلى الشمس بوصفها علامة على ميلاد جديد وحياة جديدة أكثر إشراقًا وتفاؤلًا من حياة ملؤها الهموم والأزمات .

البيان إذًا عملية ذات طابع رحلي تعتمد على الانتقال من حال إلى حال؛ فمن حال الصمت والتخفي بما يموج داخلنا من فكر وشعور إلى حال الكلام والإظهار، ساعتها تنتقل مشاعرنا وأفكارنا من التجرد إلى الملوس، ومن المخبوء إلى المعلوم.

والحديث عن البيان بالكلام يأخذنا إلى مصطلح العلامة اللغوية عند عالم اللغة السويسري الشهير فردينان دي سوسير في كتابه الأثير محاضرات في علم اللغة العام، وارتباط هذه العلامة بالشكل الظاهري للكلام (الدال)، وبالمعنى الكامن وراء هذا الشكل (المدلول)، والحديث عن المدلول يتسع ويمتد ليشمل المدلول القريب المباشر، والمدلول الإيحائي غير المباشر، وارتباط الاثنين بالقالب الكلامي (أدب أو غير أدب) وبالحالة النفسية والذهنية للمتكلم والمستمع، التي من شأنها أن تضفي على المعنى بعدًا ذاتيا شديد الخصوصية يأتي بمنأى عن المعنى الموضوعي المتعارف عليه في سياق الواقع المعيش.

 

الرسالة الثامنة

أول درجة في سلم الخيال

التشبيه

نأتي إلى أول درجة في سلم الخيال؛ ألا وهي ( التشبيه ) إن هذا الأسلوب الذي نجده كثيرًا في نصوص اللغة يقوم على منطق مهم جدًا ألا وهو إدراك الإنسان بصفة عامة لما في العالم من متماثلات، إن هذا الكون الذي خلقه ربنا على ما فيه من بشر وأشياء به مناطق ومساحات للاتفاق، ومساحات أخرى للاختلاف، هنا تأتي قيمة المقارنة التي نعقدها بين طرفين أو أكثر، إن الإنسان منذ أن خلقه الله إلى يوم القيامة هو في جوهره عقل، وللاثنين أداة واحدة تعبر عنهما هي اللسان، هذه مسلمة كلنا يتفق عليها، لكن هناك مساحات من الاختلاف بين البشر تعود إلى المرحلة الزمنية واللغة والثقافة والعقيدة والمكان، إن ربنا يقول: ” ما حلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ” ، من هذه الآية نعرف أن بني آدم كلهم متفقون في ماهية واحدة لكن بينهم مساحات من الاختلاف نلمسها في قوله تعالى : ” ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين ” وقوله تعالى في سورة الحجرات : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” 

إن التشبيه في حقيقته جملة تتكون من طرفين أساسيين: مشبه ومشبه به؛ أقول : العلم كالنور في الضياء، والجهل كسواد الليل في الظلمة . لقد أدرك واضع هاتين الجملتين أن هناك متشابهات في هذا العالم؛ فالعلم والجهل أمور نعرفها جيدًا وبينهما وبين النور والظلام أوجه تشابه. هنا نستطيع أن نقول: إن أسلوب التشبيه في حقيقته جملة تعتمد على المقارنة، لكن المقارنة في هذه الحالة بالتحديد تركز على جوانب الاتفاق التي تجمع الطرفين .

وعندما يقول ربنا : ” وهي تجري بهم في موج كالجبال ” فإن الذات الإلهية هاهنا تقف بالقارئ أمام دلالة لها هولها الذي يدل على عظم العذاب الذي نزل بقوم نوح عليه السلام، إن السماء التي تدفق منها الماء والأرض التي تفجرت وصارت عيونًا جعلت الماء في ارتفاعه الذي يغرق ويهلك أي شئ أمامه مثل الجبل العالي الشامخ، والنص هاهنا والتشبيه هاهنا يريد أن يصل إلى قمة الأثر النفسي عند القارئ عندما يحصل الترهيب بداخله؛ فالجبل مخيف وكذلك الموج العالي؛ إن جملة التشبيه لها دلالات ولها مقاصد تريد أن تحققها عند المتلقي، وربنا الذي يقول واصفًا الشجرة المعلونة في القرآن ( الزقوم ) : ” إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين” فإننا مع منطوقه نجد أنفسنا أمام مشبه هو الطلع أو ثمر شجر النار وأمام مشبه به هو رءوس الشياطين، وأداة تشبيه هي الكاف، إن الخوف من النار يجب ألا يكون بالسمع فقط عن شيء غيبي، لكن بمحاولة تجسيد المشهد في شيء يعرفه العربي جيدًا؛ إن الشيطان مخلوق مذموم، وعقلية العربي تنظر إليه على أنه رمز لكل قبيح تأبى العين رؤيته؛ إن من المعلوم أن المشبه به دائمًا في أسلوب التسبيه يكون أكثر وضوحًا وأكثر شهرة عند القارئ؛ لذلك فإن المتكلم يستعين به في كلامه لكي يصل إلى دلالة محددة يريد تحصيلها مع المشبه.

وفي لغتنا العربية أشكال عدة للتشبيه فهناك على سبيل المثال:

– التشبيه المفصل : الذي تتحقق فيه كل الأركان : المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه؛ مثل : محمد كالأسد في الشجاعة .

– التشبيه المرسل: وهذا يعني وجود المشبه والمشبه به وأداة التشبيه فقط؛ مثل : محمد كالنور، هنا نستشعر أن هناك مساحة ناقصة نستكملها نحن لهذا سمي بالمرسل؛ لأنني لم أجد مناطق الاتفاق بين الطرفين ظاهرة في بنية الجملة .

– التشبيه البليغ : أعلى مراتب التشبيه الذي يتحقق بوجود الطرفين فقط المشبه والمشبه به دون ذكر الأداة ودون ذكر وجه الشبه، عندما أقول : الصلاة نور والصدقة برهان. وعندما أقول : العلم نور والجهل ظلمات .

إن التشبيه درجة أو لنقل مرحلة انتقالية بين الواقع والخيال، إنه يعترف لكل طرف حضوره المستقل، لكنه يحاول أن يقيم في الوقت نفسه جسرًا رابطًا على مستوى المعنى بين الطرفين؛ فالجهل له معناه والظلام له معناه، هذا هو الواقع، لكن الخيال يدخل ليقيم ربطًا بين الاثنين؛ فالجهل يعني غياب المعرفة التي توضح للإنسان المجهول في هذا العالم، والظلام يعني أيضًا الغياب لكن غياب النور الذي يوضح للإنسان الأشياء الموجودة داخل هذا العالم .

ومن هذا الكلام يبدو أيضًا أن هناك المشبه المعنوي والمشبه به المادي أو الحسي، ما معني ذلك ؟ إن هناك في الكلام ما يسمى بالدلالة الحسية والدلالة المعنوية، والدلالة الحسية هي التي يتم إدراكها بالحواس الخمسة عند الإنسان: السمع والبصر والتذوق والشم واللمس، وعندما أقول: ظلام ونور فهاتان الكلمتان يتم إدراكهما بالعين بوصفها حاسة، وعندما أقول جهل وعلم فهاتان كلمتان تعطيان دلالات معنوية أو ذهنية يتم إدراكها من خلال العقل.

 

الرسالة التاسعة

في الفرق بين التشبيه والاستعارة

إذا كان التشبيه يعترف للواقع بحضوره وذلك من خلال ذكر الطرفين المشبه والمشبه به فإذا قلنا ( زيد أسد ) و ( محمد نور ) فإننا نجد في هذين القولين حضورًا للخيال لكن هذا الحضور لا يلغي منطق الواقع؛ فمازال محمد موجودًا؛ بوصفه كيانًا مستقلًا ومازال النور موجودًا بوصفه شيئًا مختلفًا، لكننا في سلم البلاغة والخيال قد نصعد أكثر فأكثر عندما يزول هذا الفصل بين المشبه والمشبه به فنرى الاثنين شيئًا واحدًا؛ إننا إذًا في عالم الاستعارة، وكما هو واضح من الكلمة فإنها تعبر عن لفظ يتم إخراجه من معناه الحقيقي ليعبر عن معنى آخر غير الذي وضع له في الأصل، هذه هي الاستعارة؛ فإذا كان الشاعر العربي القديم يقول:

إنما مصعب شهاب من الله ** تجلت عن وجهه الظماء

فإن علينا أن نلحظ أن عبيد الله بن قيس الرقيات يمدح مصعب بن الزبير مستخدمًا أسلوب التشبيه البليغ الذي يتكون من طرفين مشبه ( مصعب ) ومشبه به ( شهاب )، تلك هي الدرجة الأولى في سلم الخيال .

أما الدرجة الأعلى فإننا نجدها على سبيل المثال في قول ربنا في القرآن الكريم في إشارته إلى طبيعة الدور الإيجابي لنبيه – صلى الله عليه وسلم – يقول تعالى ” قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ” إننا بالبحث المتأمل داخل هذا النص القرآني نجد أن المشبه قد غاب وتمت الإشارة إليه بإحدى لوازمه؛ ألا وهي المشبه؛ فإذا كنا في التشبيه نقول ( محمد نور )، فإننا في هذه الاية نجد أن محمدا والنور صارا شيئًا واحدًا، وتلك هي بلاغة الاستعارة، إن نبينا – صلى الله عليه وسلم – قد جاء هداية للعالمين؛ ليرشد الناس إلى الصرط المستقيم الذي فيه صلاح حياتهم في الدنيا ونجاتهم أمام الله في الآخرة، هذا المعنى تم التعبير عنه ببناء استعاري عندما عبر الله عن هذا القول في قوله ” لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ” إننا في التشبيه نقول الكفر ظلام أو الكفر كالظلام، لكننا في الاستعارة حذفنا أحد الطرفين وجعلناه مع الطرف الآخر سواء؛ لقد أضحى الكفر هو هو الظلمات، ونلاحظ أننا هنا أمام ظلمات ونور واحد، إننا بالنظر إلى واقعنا المعيش نلاحظ أن للكفر أشكالا عدة يظهر من خلالها فما بين عابد للنار وعابد لشمس وعابد لتمثال صخري وغير ذلك؛ إننا أمام ظلمات يأتي في مواجهتها كتاب واحد ونور واحد ( الإسلام ) وهذا يفسر لنا قوله تعالى : ” إن الدين عند الله الإسلام “.

نلخص مما سبق أن الفرق بين التشبية والاستعارة يكمن في أن التشبيه أيا كان نوعه يقيم عماد الطرفين أمام القاريء المتأمل : المشبه والمشبه به، أما الاستعارة فتعني تذويب هذا الفارق تمامًا، وإذا أردنا أن نتعرف على أنواعها فلندخل مع عدد من الأمثلة التطبيقية .

فهذا النابغة الزبياني يقول:

كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطئ الكواكب

تطاول حتى قيل ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيب

نستطيع أن نضع خطًا تحت ( وليس الذي يرعى النجوم بآيب ) إننا أمام مشهد قد تم رسمه بحروف اللغة الشاعرة، هذا المشهد يعكس حالة نفسية شديدة المأساوية يعانيها الشاعر وهو في تعبيره عنها مثل كثير من الشعراء القدامى، إن ليل الشاعر هاهنا طويل لا ينتهي، هذا الطول قد استعان في رسمه عبر حروف اللغة الشاعرة بكواكب السماء التي لا تتحرك في البيت الأول، وفي البيت الثاني جاءت الاستعارة لتصل بكلمات الشاعر إلى قمة البلاغة؛ إننا هنا أمام نوع من الاستعارة، هي الاستعارة المكنية، التي تعني حذف المشبه به والتكنية عنه أو الإشارة إليه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه.

إن الذي يتم رعيه في سياق الواقع الصحراوي المتعارف عليه هو الأغنام، لكن الشاعر قد حذف كلمة أغنام ووضع مكانها كلمة نجوم، وسر الجمال في هذه الاستعارة – كما يقول القدماء – هو التوضيح ، عندما أشبه شيئًا ماديًا بآخر مادي غير عاقل يكون سر الجمال هو التوضيح، إن مهنة الراعي تكشف عن طبيعة البيئة الصحراوية التي أفرز فيها هذا الشاعر نصه، وقد وظفها في أسلوب بليغ هو الاستعارة؛ لكي يكشف من خلالها وبدقة طبيعة الحالة النفسية التي يكابدها، إن الأغنام تتحرك في بيئة العربية الصحراوية، لكن نجوم ليل الشاعر في السموات لا تتحرك، هذا يعني أن زمنه قد توقف عند لحظته الحزينة التي مازالت تهيمن علي كيانه.

إذا نظرنا مثلًا إلى جملة ( اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها/عنوان قصيدة للشاعر المصري الكلاسيكي حافظ إبراهيم) نجد أنفسنا أمام فعل يصرح بطبيعة المحذوف؛ إن حافظ إبراهيم قد وضع في بدايات القرن العشرين قصيدته هذه ليعبر عن أزمة الهوية العربية في ظل احتلال أجنبي يسعى إلى فرض صوته وثقافته على الأمة التي يحتلها، هنا جعل حافظ إبراهيم من هذا الكيان غير الإنساني ألا وهو اللغة العربية إنسانا يصرخ ويتألم ويحتاج إلى من يسمع صوته، وبداخله نجد هذه المرأة المتألمة ( اللغة ) تقول :

أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

لقد بدأ حافظ إبراهيم هذا البيت معتمدا آلية الانتقال التدريجي من التشبيه إلى الاستعارة عموما؛ فاللغة العربية بحر كما يقول الشاعر ، إذن نحن أمام مشبه ومشبه به لكن هذا البحر تحول إلى جسد آدمي له أحشاؤه فعلونا درجة في سلم الخيال ، بالدخول في عالم الاستعارة المكنية الي جعلت من هذا البحر المليء بالكنوز إنسانا ذا أحشاء وسر الجمال هاهنا التشخيص.

وها نحن أولاء مع شاعر رومانسي قد ظهر في عصرنا الحديث هو خليل مطران الذي عبر عن حالته مثل القدماء باستخدام بناء استعاري له سر جمال خاص. يقول في قصيدته المساء

شاكٍ إلى البحر اضطراب خواطري ** فيجيبني برياحه الهوجاء

إن أهم ما يميز الرومانسية حوار أهلها لمفردات الطبيعة وإضفاء الطابع الإنساني على جزئياتها، هنا تأتي البلاغة لتكشف لنا عن هذا التوجه؛ إن شاعرنا هنا يتحدث مع البحر، والبحر مخلوق غير إنساني، هنا تتحقق دلالة كلمة الاستعارة، إننا أخذنا لفظة البحر من معناها المعجمي المتعارف عليه وأعطيناها دلالة إنسانية ليست لها في الأصل، هنا على الفور يبدو أن سر الجمال في هذه الاستعارة التشخيص .

وإذا قلنا مثلا: النور أمامي الآن في قاعة الدرس. فإننا ساعتها نجد أنفسنا أمام نوع استعاري يسمى بـ (الاستعارة التصريحية أو الاستعارة التمثيلية). والفرق بينها وبين نظيرتها المكنية أننا في المكنية نحذف المشبه به ونكني ونفصح عنه بأحد لوازمه؛ ألا وهو المشبه، كما هو الشأن في تعبير يرعى النجوم في استهلال قصيدة النابغة الذبياني، أما التصريحية فالعكس هو المعبر عن جوهرها؛ إننا نحذف المشبه ونصرح بالمشبه به؛ كما هو الحال في قوله تعالى: ” الر. كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور”؛ فنحن بصدد مشبه غير موجود تقديره الكفر بالنسبة إلى الظلمات، وتقديره الإيمان والتوحيد بالنسبة إلى النور؛ فكأننا أمام تشبيه تمت ترقيته إلى استعارة، فالكفر كالظلمات، والإيمان والتوحيد كالنور. تمت الترقية التي تزيد المعنى قوة وتأثيرًا في نفس المتلقي؛ لتصير كما عبر عنها ربنا في محكم آياته ” لتخرج الناس من الظلمات إلى النور”.

وامتدادًا لهذا المشهد الاستعاري المؤسس على التصريح أو التمثيل بالمشبه به وإقصاء المشبه من المشهد نجد أنفسنا أمام نمط استعاري يتصل بفن المثل، وتحديدًا بمضرب المثل؛ فعندما نستعير مركبًا لغويًا قيل في موقف معين إلى موقف يشابهه فإن هذه العملية تعد جزءًا بارزًا في فضاء الاستعارة. وعلى سبيل الاستشهاد نتوقف أمام هذه المقولة للعربي القديم التي صارت مثلًا: ” الصيف ضيعت اللبن ” لأن امراة قد خاصمت وفارقت زوجها الثري بسبب عيوب وجدتها فيه وذهبت إلى فقير لشدة رغبتها فيه؛ فقال لها من رغبته: لا أستطيع ليس عندي ما تبغين، فأرادت الرجوع إلى زوجها الأول نادمة فأبى؛ فقيل عنها هذا المثل، إنه يضرب في المواقف التي نجد فيها إنسانًا يفرط فيما يمكنه أن يحصل عليه بسهولة ثم هو يأتي بعد فوات الأوان وتغير الظروف ليحاول أن يدركه ثانيةً، بعد أن أصبح هذا مستحيلًا، وهو ما نطلق عليه في كلامنا اليومي لقد فات الأوان، لقد ضيع الفرصة، أو بالعامية المصرية الدارجة (بعد خراب مالطا) ؛ إن استدعاء المثل العربي القديم هذا في سياقات ومواقف مشابهة للسياق الأول الذي خرج فيه، يعد لونًا من ألوان الاستعارة، وهكذا الشأن بالنسبة إلى كل عملية كلامية نضرب فيها مثلًا؛ أي نستدعي فيه مثلًا للحكم أو الوصف أو إبداء الرأي في حال معين واقع أمامنا.

وهناك نوع في الاستعارة يطلق عليه الاستعارة التهكمية أو الاستعارة الساخرة، ولكي نفهم معنى هذه الاستعارة يمكننا الوقوف أمام قول ربنا ” ذق إنك أنت العزيز الكريم ” إن علينا أن نحيط بالسياق الذي تقال فيه، إننا في هذه الآية أمام الكفار الذين ادعوا لأنفسهم شرفًا ومجدًا وعلو مكان في الدنيا جعلهم يعترضون ويعزفون عن الإيمان بدعوة الأنبياء بحجة أن من يسيرون وراء الأنبياء هم من الضعفاء والفقراء، فكيف للغني والعظيم أن يكون مع هذا الفقير والضعيف في مكان واحد؛ لذا يأتي قول ربنا ليتهكم وليسخر من هؤلاء .

ويتضح هذا المعنى أكثر مع آية قرآنية أخرى هي قوله تعالى:” فبشرهم بعذاب أليم “، هنا تبدو العلاقة الضدية جلية بين البشرى والعذاب؛ إن كلمة بشرى يناسبها لفظ الجنة مثلًا، وكلمة العذاب يناسبها قول التهديد أو الوعيد، لكن القول القرآني قد ركب بين الضدين لغرض يريده؛ ألا وهو إظهار مدى الذل والاختقار والهوان لهذه الفئة في الآخرة، التي وضعت نفسها في مكانة أعلى من النبي ومن آمنوا برسالته، وانطلاقًا من هذا المنهج الأثير الذي وضعه لنا الإمام الرازي، صاحب التفسير الكبير أو مفاتح الغيب وغيره من المفسرين للقرآن الكريم المتمثل في مقولة: إن القرآن يفسر بعضه بعضا يتضح أننا بالإمكان أن نقيم وصلًا دلاليًا بين هذه السخرية من القوم الكافرين وقوله تعالى: “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ” إن هذه الآية تفسر لنا العناد ومن ثم فإن قوله تعالى: “فبشرهم بعذاب آليم” هو سخرية إلهية من هذا الموقف الفكري الذي هيمن على سلوك تلك الفئة ومن سار على دربها في الدنيا، ومن الواضح أن مصطلح (المفارقة) الذي ظهر فيما بعد في حقل النقد الحديث قد استلهم من هذا اللون الاستعاري خطاه وهو يتشكل ويتبلور؛ ليكون مرتكزا لانطلاق رافدين في المعنى: الأول يسير في سياق فكري ونفسي له دلالته، والثاني يسير في سياق على النقيض؛ فالقارئ على سبيل المثال لرواية الأديب المصري رشاد بلال الحاملة عنوان: (كله تمام يا افندم) يجدها على مستوى التفاصيل متعارضه تمامًا مع ما يحتضنه فضاء العنوان من معانٍ؛ إن صاحبها يتناول فترة الستينيات في مصر، التي شهدت مدا اشتراكيا وحلما بوحدة تجمع الشعوب العربية في إطار قومية واحدة منطلقة من اللغة والثقافة التي يلتقي عندها أبناؤها، لكن كل ذلك قد تكسر مع هزيمة العام 1967 لمساوئ كثيرة شابت نظام الحكم وكان لها دورها المؤثر فيما أفضت إليه مجريات الأحداث على المستوى المرجعي؛ لذا تأتي الصياغة الأسلوبية للكاتب حاملة في طياتها سخرية وتهكمًا من خلال توظيف هذا التعبير المنطلق من القاموس اللغوي الدارج بين المصريين (كله تمام يا افندم) وتكمن المفارقة هاهنا في أن قارئه ينتقل به من دلالته الحرفية المباشرة إلى دلالة عكسية مغايرة تماما، عندما يتابع الحركة الدرامية الهابطة للبطل من الداخل، بموازة قراءته لهذه المرحلة التاريخية الدقيقة في حياة المجتمع المصري والمنطقة.

إن البلاغة إذًا تعد بمثابة شخصية المانح للناقد الذي يجد لقراءته الموظفة للمصطلح في حقل النقد جذورا في بلاغتنا العربية، ليس فقط بالنسبة إلى الاستعارة التهكمية، إنما التورية أيضًا في مبحث البديع تمثل منطلقا مفيدًا في قراءة هذه النوعية من النصوص المبنية على منطق السخرية.

وفي الختام نقول إن العلاقة بين التشبيه والاستعارة هي علاقة بين الأعلى والأدنى في سلم الخيال، فأول درجات الخيال التشبيه ثم نعلو أكثر وأكثر إلى الاستعارة التي تقوم على تماهي الطرفين في شيء واحد بأن نجعل المشبه عين المشبه به أو أن نجعل المشبه به عين المشبه؛ فيصيرا شيئًا واحدًا.

الرسالة العاشرة

في المجاز المرسل

المجاز المرسل : استخدام الكلمة في غير معناها الأصلي لعلاقة بين الاثنين غير علاقة التشبيه، وذلك هو الفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل .

نفهم من ذلك أن للمجاز المرسل أشكالًا عدة تمنح النص بلاغته؛ أول هذه الأشكال:

– المجاز المرسل ذو العلاقة الجزئية : عندما نقول : نشر العدو عيونه بين الناس؛ إن المقصود هاهنا أن يركز المتلقي على الدور المؤثر الذي تؤديه الشخصية من خلال أحد أعضائها؛ ألا وهو العين، ولا شك في أن المتكلم لا يقصد المعنى الحرفي للكلام، لكنه يريد أن يقول نشر جواسيسه بين الناس، إننا هاهنا أطلقنا الجزء/ العين وأردنا الكل؛ ألا وهو الشخص كاملًا، لكن لماذا ؟ إننا هنا أمام نوعية من البشر تمارس أدوارها في التقاط الأخبار والمعلومات، ونقلها إلى طرف آخر من خلال جزء محوري فيها متمثلًا في العين، وهذا ربنا عندما تحدث عن كفارة اليمين قال: ” فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ” إننا في هذا النص لا نقصد الرقاب بالمعنى المادي بما قد يطرأ على الذهن للوهلة الأولى، لكننا نقصد الأشخاص الذين يشغلون في المجتمع رتبة اجتماعية معينة أراد الله إنصافها، إنها رتبة العبيد والإماء؛ فالرقاب هاهنا مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ لقد أرسلنا أو لنقل أطلقنا الجزء (الرقاب) وأردنا الكل وهم العبيد، وهنا يدخل سؤال الفليسوف: لماذا الرقبة بالتحديد التي اختارها الله؟ إن الإنسان الذي لا يحصل على إرادته كاملة تصير حريته ومن ثم إنسانيته منقوصة؛ فيصير أقرب إلى الحيوان الذي يمتلك صاحبه ناصيته (رقبته)؛ ومن ثم فإن التحرير هاهنا يعني إزالة هذه القيود التي تحد من حرية الإنسان وتنقص من الكرامة التي بها ارتفع على سائر خلق الله؛ ومن ثم يصير التحرير في النص القرآني مرادفا لحياة جديدة تعلن عن ميلاد جديد لهذا الإنسان.

– المجاز المرسل ذو العلاقة الكلية : إن هذا النوع على عكس الأول تمامًا؛ ففيه نطلق الكل ونريد الجزء، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: ” ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين” إن أصحاب الحجر في هذ النص هم قوم ثمود، فنحن نعلم جيدًا أن هؤلاء القوم الكافرين قد كذبوا نبيهم صالح – عليه السلام – لكن لماذا قال ربنا ” المرسلين ” بصيغة الجمع؟ إن صالح – عليه السلام – قد كلف بدعوة التوحيد الداعية إلى الإيمان بالله وحده؛ ومن ثم فإن تكذيبه هو في الحقيقة تكذيب لكل الأنبياء؛ لأنهم جميعًا قد أتوا برسالة التوحيد؛ ومن ثم يصبح هذا النص القرآني مفتاحًا لتفسير قوله تعالى ” إن الدين عند الله الإسلام ” فالإسلام هاهنا هو الدين الذي حمل مبادئه كل الأنبياء من آدم حتى خاتم الأنبياء محمد – صلى الله عليه وسلم – لقد أطلقنا الكل المرسلين وأردنا الجزء ( صالح عليه السلام ) ، كما يصبح هذا النص مفتاحًا لتفسير حديث النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – ” الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى ” إن المقصود بأخوة لعلات في اللغة العربية الأبناء لأب واحد مع اختلاف الأمهات، هنا يقول نبينا – صلى الله عليه وسلم – إن الأب الذي ننتهي إليه جميعًا هو رسالة التوحيد، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأحوال والأزمان ( الأمهات ).

نستطيع من خلال دراستنا للمجاز المرسل ذي العلاقة الكلية أن نقف بدقة محللين للنمط الذي يميز بعض وسائل الإعلام على اختلاف أشكالها في الترويج لقضية معينة أو تكوين رأي عام مع أو ضد أمر معين داخل المجتمع أو تحويل انتباه الجمهور إلى حادث بعينه من خلال توظيف هذه النوعية من المجاز وليس أدل على ذلك من كثير من العناوين التي تأتي متصدرة واجهة صحفنا اليومية، على سبيل المثال: مصر تعج بالمهرجانات في فصل الصيف، والمتتبع يجد أن القاهرة فقط وبعض مناطق الساحل الشمالي هي التي تحتضن هذه الفعاليات. مثال ثانٍ: الفيضانات تجتاح العالم وفي الواقع نجد أنها مركزة في مناطق بعينها هنا وهناك وليس كل العالم بالطبع.

إننا إذًا أمام سمة من سمات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب تميل ناحية الإثارة والتهويل بغرض شد الانتباه وتحقيق معدلات متابعة ومشاهدة عليها، نلمح ذلك جليا في مبالغات أصحاب القنوات الخاصة على يوتيوب على سبيل المثال إنها بتوظيف هذه النوعية من المجاز المرسل الذي يطلق الكل أو يرسله لكنه في الحقيقة يريد الجزء .

– المجاز المرسل ذو العلاقة السببية : في هذه النوعية من المجاز نجدنا نستخدم كلمة في غير معناها الأصلي لكونها سببًا في حدوث معنى آخر، عندما أقول ( قد نزل السحاب ليروي أرضنا ) إن السحاب في الحقيقة لا ينزل لكن لأنه المتسبب في نزول ماء المطر فقد استخدمناه .

نلخص مما سبق أن المجاز المرسل صورة بلاغية تقوم على التجاور بين الأشياء وذلك باستخدام الألفاظ التي تدل على معانٍ محددة متعارف عليها لتنجز معاني أخرى، والفضل في ذلك للمتكلم الذي يخاطب من خلال المجاز المرسل عقل المستمع؛ فيحرك في مخيلته القدرة على تجاوز ظاهر الأشياء إلى ما وراءها .

ومن أنماط المجاز المرسل أيضًا:

– المجاز المرسل على اعتبار ما كان، والمجاز المرسل على اعتبار ما سيكون؛ في حياتنا المعيشة، وفي دفتر يومياتنا نجد أنفسنا نلجأ إلى هذين النوعين لأغراض ومقاصد يكشفها مقام الكلام أو السياق الخارجي المحيط بمنظومة الكلام؛ فقد يريد المتكلم الحكم على شخص أو النظر إليه باعتبار ما كان في حياته؛ كأن يقول لرجل بلغ من العمر مبلغه: كلامك أيها الغلام غير دقيق؛ إنه أشار إلى الرجل بلفظة غلام ربما بغرض الاحتقار أو التحريض على السخرية منه؛ إذ إن الغلام تشير إلى مرحلة في قد تم تجاوها إلى غيرها في رحلة العمر، أو قد تشير في سياقنا العربي الثقافي إلى وضعية اجتماعية معينة؛ ألا وهي وضعية العبد الذي يباع ويشترى؛ أقول فلان غلام فلان؛أي عبده الصغير السن الذي يمتلكه.

إلى جوار هذه الحال المجاز المرسل على اعتبار ما سيكون، الذي يتم توظيفه في سياق الأمنيات أو المديح؛ كأن نقول لصبي صغير أقبل أيها الأستاذ أو أيها العالم الكبير؛ إن الصبي لا يزال في مراحله العلمية الأولى، لكن المتكلم بغرض التشجيع والتحفيز قد يرتقي به إلى المأمول أو المرجو فيه ومنه. وقد يكون المنطوق نفسه إشارة إلى التهكم إذا كان هذا الصبي مقصرًا مهملًا لا يؤدي ما عليه على الوجه الأمثل؛ هنا يصير المنطوق الكلامي حاملًا وجهين بلاغيين؛ الأول: الاستعارة التهكمية، الثاني: المجاز المرسل على اعتبار أو على افتراض ما سيكون، والوجه الأول أدق وأقرب إلى مقاصد المتكلم من الثاني.

وامتدادًا للحديث عن المجاز المرسل على اعتبار ما سيكون يمكن القول: إن استخدامه يفتح أفق الدلالة على زمن مستقبلي متوقع الحصول، ولعل من الأمثلة التي تكشف ذلك، قول ربنا ” إنني أراني أعصر خمرا )” ، إن العصر هاهنا لا يكون إلا للثمر وليكن العنب على سبيل المثال لكن النص القرآني لم يقل ( أعصر عنبا ) لكنه أعطى هذه الثمرة في شكلها النهائي الذي ستئول إليه؛ فالخمر هو المنتج النهائي للعنب إذا تم تخزينه زمنًا طويلًا. وقال ربنا في آية فيها هذا النوع أيضًا ” وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارا ” إن النص هاهنا يأخذنا على الفور إلى حديث نبينا – صلى الله عليه وسلم – “ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ” إن قول نوح عليه السلام قد يأخذنا إلى المستقبل؛ فهو بحكم خبراته الكثيرة مع قومه والزمن الطويل الذي مكث فيه يدعوهم إلى الله ، يعلم أن الأجيال الآتية ستكبر ويكون حالها كحال الآباء والأجداد؛ ألا وهو الكفر، ولذلك لجأ إلى هذا النص الذي يمكن أن ننعته بالاستباقي؛ لأن نوح – عليه السلام – في لحظتة الحاضرة يرسم مشهدًا للمستقبل الذي لم يحدث بعد.

– المجاز المرسل ذو العلاقة المحلية

نلاحظ في هذا النوع من المجاز أننا أمام تركيب أو كلمة البعد المكاني غالب عليها؛ إنها تشكل وعاءً لشيء آخر هو المقصود، فهذا قول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك الذي قتل على يد خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الردة يقول :

وقالوا أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

إن متمم هاهنا لا يبكي القبر ولكن يبكي من بداخله؛ ألا وهو أخوه مالك، إذن يتضح أن العلاقة التي تجمع كلمة القبر بالمعنى المقصود من وراء استخدام هذا التركيب هو علاقة المحلية؛ فالقبر محله الشخص المدفون المقصود بالبكاء، وهذا ذو الرمة الشاعر الأموي ذو الإحساس المرهف الذي ملأ الدنيا شعرًا في التشبيب في حبيبته مي نجده في أواخر حياته بعد أن نفرت منه راحلته في الصحراء يقول بيتًا في الشعر قارئه للوهلة الأولى يفهم منه أن هذا الرجل قاسي القلب، لكن دارس البلاغة العربية العارف بالأبعاد الزمانية والمكانية والثقافية المحيطة بإنتاج النص حتمًا سيخرج من ورائه بمعنى آخر، ماذا يقول هذا البيت ؟

ألا أبلغ الفتيان عني رسالة ** أهينوا المطايا هن أهل هوان

إن القاري العادي ربما يقول مستنكرًا : هل يعقل أن نقول عن هذا الشاعر إنه صاحب إحساس مرهف وهو يطالبنا بأن نهين المطايا التي سخرها الله لنا لتحملنا في معاشنا؟! إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الذهاب إلى ما أطلق عليه عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم بالمعنى الثاني أو معنى المعنى؛ فظاهر النص يطالبنا بالإهانة لكن باطنه يقول لنا: إننا أمام شاعر يرتب أولويات حياته بين أمرين : الأول المنافع العاجلة من طعام وشراب وكساء ومال وغيره، الثاني المنافع الآجلة : التي تمنح الإنسان أثرًا طيبًا في الدنيا وذكرا صالحًا بعد الموت، إن هذه المطية كان عليها طعامه وشرابه ومتاعه، لكنه عند الموت لم يطلب من يغيثه بشربة ماء، لم يكن ذلك مهمًا في المقام الأول المهم عنده أن يعطي وصية وأن يقول الشعر، إن المطايا في هذا البيت مجاز مرسل علاقته المحلية؛ فالمطية هي محل أو مكان لما عليها من طعام وشراب وهدايا حصل عليها من أحد الخلفاء، إن الشاعر هاهنا يعلي الصوت ليقول في وصيته قبل أن يموت، يا من تتلقى رسالتي ليكن همك في هذه الدنيا تحصيل ما يتيح لك البقاء بعد موتك؛ إننا أمام هذا المجاز المرسل نشعر كأننا أمام تقديم وتأخير بلغة النحو العربي.

إذًا فإن الدراية بطبيعة السياق الثقافي المحيط بعملية إنتاج النص المبدع تؤدي دورًا لا غنى عنه في التعامل التأويلي معه، ولا شك في أن عملية الترجمة من لغة إلى أخرى التي تتغيا لنفسها دقة وأمانة عليها مراعاة ذلك؛ وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالنظر إلى هذا النص على سبيل المثال مسمى (الترجمة الثقافية للنص) التي تتجاوز حرفيته وما يفرغة من حمولة دلالية مباشرة تعرض نفسها على وعي القراءة وصولا إلى ما وراءها وهو ما يمكن أن نسميه (ما وراء الدلالة ).

وقبل أن ننهي حديثنا عن المجاز المرسل لابد أن نعرف أن هناك ما يسمى بالمجاز العقلي، هو نوع من الخيال يتم معرفته بالعقل وسر الجمال فيه هو أنه يختزل مساحة الكلام البادية على الورق أو عند النطق؛ فعندما نقول : لقد حجزت تذكرة للسفر إلى الخارج هذا مجاز عقلي لأن الذي حجز في الحقيقة هو موظف التذاكر المسئول عن ذلك، لكن الحقيقة تعني القول: لقد ذهبت إلى مكتب التذاكر وقام أحد الموظفين بحجز تذكرة لي للسفر إلى الخارج. ومن المجاز العقلي قولنا: لقد هزم صلاح الدين جيش الصليبيين في حطين؛ هذا مجاز عقلي؛ إن صلاح الدين ليس هو المقصود وحده بل جيش المسلمين، هذه الآلاف المسلمة التي خرجت للقتال؛ فلا يمكن أن ينتصر فرد على هذا المجموع، وما ذكره إلا لمكانه في موقع القيادة.

الرسالة الحادية عشرة

في الكناية

من صور المجاز في اللغة العربية الكناية ومعناها لغةً : لفظ يطلق ويراد غيره، وفي لغتنا هناك ما يسمى بالكنية عندما أقول: أبو حفص وأبو القاسم؛ إنني اطلق اللفظ وأريد صاحبه فأبو القاسم هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو حفص هو عمر بن الخطاب ومن بعده عمر بن عبد العزيز رحمه الله .

أما الكناية اصطلاحًا: لفظ يطلقه المتكلم ويريد معنى ملازمًا له، العربي القديم يقول: هذا البيت لا توقد فيه نار؛ إن المعنى الذي يلزم إيقاد النار عند العربي هو طهو الطعام، والنفي هاهنا يجعل من التركيب كله كناية عن البخل أو كناية عن الفقر، وهذا يستدعي إلينا قول السيدة عائشة – رضى الله عنها –” إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدتْ في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار”

ويشد الانتباه قولنا كناية عن الفقر أو عن البخل، هذه الاإحتمالية تجعلنا نعود إلى السياق المحيط بالنص لنفهم أي الوجهيين يقصده المتكلم، هناك تعبير آخر على النقيض منه عندما قال العربي ليمدح الكرم والجود ( هذا الشخص كثير الرماد ) كناية عن الكرم والجود؛ إن الرماد هاهنا تعبير عن آثار الوقود الذي كان مشتعلًا وكثرته تلزم الطعام الكثير، الذي كان يتم طهوه ليقدم إلى المستحق، تعبير آخر ( هذا الإنسان يسمع دبيب النمل ) إننا في واقع الأمر بالكاد نرى هذه المخلوقات الصغيرة بأبصارنا المجردة؛ فكيف لمن يسمع صوتها؟! هنا يأتي مقصود العربي القديم ليقول: إنه شخص شديد الإنصات؛ كناية عن حدة السمع، وهذه الحدة وراءها معنيان أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ فالأول دلالة على الإنصات والتركيز واحترام المتكلم وما يقول، والثاني يأخذ إلى هذه النوعية من البشر التي تقحم نفسها في خصوصيات الآخرين وقد قال ربنا ” ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا” هنا يدخل التفسير السياقي المرتبط بالبيئة الزمانية والمكانية ليحدد مقصود المتكلم .

بعد هذه الرحلة القصيرة مع علم البيان نجد أنفسنا في تعاملنا مع العالم بما فيه من بشر وأشياء، والنص اللغوي الذي يعبر عن هذا العالم أمام ثنائية أثيرة هي ثنائية (الحقيقة والخيال)؛ وللخيال أدوار عدة : هي تعبير وتفسير وتجسيد للموقف النفسي والذهني للشخصية التي ترى هذا العالم وتحول هذه الرؤية إلى لغة إما منطوقة وإما مكتوبة . ومن هذا التحويل يمكننا الوقوف على سؤال الآلية الذي لا غني عنه في قراءة ذاتنا الجمعية وذات الآخر المختلف عنا وتجمعنا به علاقات تواصل: كيف يفكر الشخص؟ وكيف يفكر المجتمع؟ إن طريقة الذات في التفكير التي تفرزها علاقتها بالعالم الممتد المحيط بها نطلق عليها هذه الكلمة الشائعة (الثقافة) التي تتخذ في تجليها مظاهر شتى ومتنوعة، وأحد مفاتيح الولوج إلى هذه الثقافة هو النص الأدبي بلا ريب الذي يعد مرآة عاكسة للنسق السلوكي للفرد والجماعة في إطار زماني ومكاني محدد.

الرسالة الثانية عشرة

في علم البديع

البديع لغةً هو : الإنشاء والإيجاد، عندما أوجد شيئًا على غير مثال سابق، ومن أخوات هذه الكلمة في المعنى : أبدع أي اخترع .

أما البديع اصطلاحًا فهو العلم الذي يعرف به الوجوه والمزايا التي تزيد الكلام حسنًا وطلاوة

من أشهر ما يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن البديع :

– الطباق : الذي يعني العلاقة الضدية التي تجمع بين لفظتين في الكلام ( الليل والنهار) ، ( النجوم ، والكواكب )، (السماء والأرض)، ( الخير ، والشر) هذه العلاقة الضدية تسهم في تحسين الكلام عندما تزيده وضوحًا كما قال الشاعر العربي وبضدها تتميز الأشياء ، والحديث عن الطباق يأخذنا حديثا إلى فكرة الثنائيات أي الجمع بين طرفين نقضين، هذه الفكرة تشكل محورًا مهممًا من محاور ما نسميه الآن بالنقد الثقافي الذيي يعتمد في تحليله للنصوص على مسألة الثنائيات بدرجة كبيرة، ولا شك في أن مصطلح الطباق يمكن توظيفه بدرجة لا بأس بها في تحليل النصوص اللغوية، عندما نجد داخل النص السردي على سبيل المثال شخصيتين بينهما صراع وهذا الصراع سببه أن إحداهما تأتي على النقيض من الأخرى ، ولننظر مثلًا إلى ثنائية سليم البدري وسليمان غانم في رائعة أسامة أنور عكاشة ليالي الحلمية ومن ثم يمثل مصطلح الطباق في علم البلاغة مدخلًا مهمًا في دراسة فكرة الصراع داخل النص السردي والنص المسرحي، وتقودنا فكرة الطباق إلى فكرة المقابلة عندما نجد أنفسنا بين نص جملة أو أكثر على النقيض من نص آخر، هنا نجد أن المقابلة تتركز على المعنى، ولعلنا ونحن نقرأ بعض المشاهد الحياتية المعيشة وبعض النصوص السردية، نجد فكرة الأحزاب والجماعات المختلفة تطرح نفسها على الوعي؛ فالفكرة تمثلها شخصية أو عدة شخصيات داخل النص، في المقابل يأتي حزب أو فريق آخر له شخصياته التي تمثله وتعبر عنه .

– الجناس : يعني المواءمة والانسجام، هذه المواءمة قد تكون كلية عندئذ نستخدم الجناس التام : وهو توافق الكلمتين في الحروف مع اختلافهما في المعنى مثل قولنا: صليت المغرب في بلاد المغرب، ومثل قوله تعالى : “ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة” إن هذا الاتفاق اللفظي/الظاهري والاحتلاف المعنوي قد نجده في الواقع المعيش وفي عالم الفن الحكائي أيضًا، إن الأخوين يولدان من أب واحد وأم واحدة ويتربيان تربية واحدة لكن كل واحد منهما قد يسلك في حياته طريقًا بعيدًا عن طريق الآخر تمامًا؛ ومن ثم نجد أن فكرة الاتفاق واحدة في جانب لكن الاختلاف على مستوى الطبيعة والدور الذي يمارسه كل واحد منهما واضح في الجانب الآخر، وإلى جانب الجناس التام هناك الجناس الناقص، وهو اتفاق الكلمتين في عدد من الحروف واختلافهما في البعض الآخر. ولا شك في أن هذه الصيغة لا نجدها فقط في النص الذي ننعته بالبلاغة ولكن نجدها في سياقنا الحياتي كذلك ، فما يسمى بالصداقه التي تقيم جسورًا للصلة بين للناس يتحقق فيها بشكل جلي هذا النوع؛ فالأصدقاء يتفقون في أشياء تبدو للعيون الرائية ويختلفون في أخرى، إننا لا نستطيع أن نجد صديقًا متماثلًا مئة بالمئة مع صديقه .

– الطي والنشر : أن يذكر متعدد ثم يذكر ما لكل واحد من أفراده من متعلقات مثل : “ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ” فمن الواضح في هذا النص أن المتكلم وهو في هذه الآية الذات الإلهية لم يحدد بأدوات لغوية كل لفظ وما يتعلق به اعتمادًا على أن ذهن السامع سوف يدرك ذلك دون التباس أو إيهام .

– الجمع : وهو أن يجمع المتكلم بين متعدد على مستوى اللفظ والمعنى تحت حكم واحد مثل قوله تعالى: ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا”؛ فالمال لفظ له معناه والبنون لفظ له معناه، لكن هذا التعبير يجمعه حكم واحد وهو أن الاثنين زينة الحياة الدنيا، ومثله أيضًا قوله تعالى : ” زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ” ، ومثال الجمع أيضًا قوله تعالى : ” إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ” .

– التفريق : على خلاف الجمع؛ هو أن يعمد المتكلم إلى شيئين من نوع واحد فيوقع بينهما تباينًا واختلافًا مع ذكر ما يفيد ذلك؛ مثل : ” وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ” ، ومثل : ما يستوي هذان الطالبان في قسم اللغة الإنجليزية هذا مترجم ماهر يملك أدواته، وهذا قليل العلم والمهارة .

– المشاكلة : أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في سياق المعنى المراد التعبير عنه، مثل قوله تعالى : ” نسوا الله فنسيهم ” فهناك نوع من الاتفاق الظاهري بحكم تكرار الفعل نفسه، لكن المعنى يختلف كلية؛ فنسيان العبد لربه يعني معصيته أو الكفر به، لكن نسيان الله يساوي عقابه وعذابه في الآخرة ، وقوله تعالى : ” وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ” هنا نسأل سؤالًا : هل استهزاء هؤلاء الكفرة المنافقين كاستهزاء الله؟ الإجابة لا، هنا يتضح مفهوم المشاكلة عندما نجد لكل كلمة حكمها ومعناها الخاص .

في نهاية القول يتضح أن علم البديع لا يركز فقط على الجانب السمعي في الكلام الذي يبدو من مصطلحات عديدة مثل الجناس والترصيع ومراعاة النظير مثلًا، لكن يكتسب حسنه من قدرته على توضيح المعنى الكامن في النص، وبذلك يمثل جزءًا مهمًا في منظومة علم الجمال العربي الذي يصل بالنص إلى درجة بالغة الارتفاع في التشكيل والبيان، هذه المنظومة التي تتشكل من حقول ثلاثة: المعاني ، البيان ، البديع .

————–

أ.د. أحمد يحيى علي
أستاذ الأدب والنقد بكلية الألسن، جامعة عين شمس بمصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى